السبت 18 أبريل 2026
في الثاني عشر من فبراير/ شباط 2025، أعلن جهاز الاستخبارات السوداني عن ضبط أكبر مصنع لإنتاج مخدر الفينيثيلين، والمعروف تجاريا باسم الكبتاغون، والذي تحول خلال السنوات الأخيرة لأحد أكثر المخدرات المغذية للصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا، لينتهي به المطاف كمورد رئيسي لتمويل عمليات ميليشيا الدعم السريع السودانية، بالإضافة إلى استخدامه مخدرا يضمن صمود المقاتلين وجعلهم أكثر شراسة وإجرامًا، فتقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن حوالي 50٪ من كميات المخدرات المصنعة المضبوطة وجدت في أفريقيا، وأنها تحولت إلى أحد دعائم زعزعة الاستقرار ودعم الأنشطة الإرهابية في القارة.
مصنع الكبتاغون الذي أنشأته قوات الدعم السريع كان على مقربة من مصفاة جيلي بالخرطوم، والتي أعلن الجيش السوداني السيطرة عليها في يناير/كانون الثاني الماضي، كان واحد من أكبر مصانع إنتاج هذه المادة في القارة، حيث تشير تصريحات لقادة عسكريين سودانيين إلى وجود مواد خام وماكينات حديثة داخل المصنع، وأن القدرة الإنتاجية له وصلت إلى 100 ألف حبة في الساعة، كما أن الكمية المضبوطة من المواد الخام كافية لإنتاج 700 مليون حبة، بعضها كان للاستهلاك المحلي، والباقي يتم تصديره إلى دول الجوار بغرض تمويل عمليات الميليشيا التي يقودها نائب رئيس مجلس السيادة السوداني السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي).
التفاصيل ذاتها ذكرها تحقيق حديث لموقع ميدل إيست آي الإنجليزي، والذي كشف تفاصيل جديدة عن الموقع الذي كانت تديره قوات الدعم السريع، لافتا إلى أنه شيد في أرض قاحلة على الضفة الشرقية لنهر النيل، حيث أقامت الميليشيا مصنعها في ثلاثة مبان متلاصقة، كانت محاطة بشبكة من الألغام الأرضية لحمايتها، مشيرا إلى أنه خلال الفترة التي استولت فيها الميليشيات على الموقع كان مقاتليها يحذرون السكان المحليين من الاقتراب من المجمع المسور الذي يضم بداخلها مصنع الكبتاغون.
يشير الموقع إلى أن الدعم السريع استخدمت المخدر زهيد الثمن، لزيادة تركيز وقدرة المقاتلين، وجعلهم أكثر شراسة في مواجهة قوات الجيش السوداني، بالإضافة إلى ترويجه بين السكان أو عبر دروب صحراوية تقود إلى عصابات متخصصة في دول الجوار، لضمان مورد إنفاق يدر عوائد هائلة لتمويل أنشطتها العسكرية في البلاد، لاسيما وأنها تعتمد على تجنيد مرتزقة من دول مجاورة في صفوف مقاتليها وصل عددهم إلى 200 ألف مقاتل أجنبي وفق تقديرات حكومية.
اللافت للانتباه أن قوات الدعم السريع توسعت في عمليات إنتاج الكبتاغون بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد أواخر العام الماضي، والذي تورطت الميليشيات والقوات المتحالفة معه في إنتاج هذا النوع من المخدرات المشتق من مادتي "الأمفيتامين والتيوفيلين" وفق تقارير دولية، إذ أنه مع تصاعد عمليات غلق معامل ومصانع الكبتاغون في المدن السورية، بدا أن ذلك قد يشكل فرصة مواتية لتحقيق أرباح واسعة للدعم السريع، لاسيما وأن تجارة هذه المادة المخدرة تقدر بنحو 5.6 مليار دولار وفق البنك الدولي.
قوات الدعم السريع توسعت في عمليات إنتاج الكبتاغون بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد أواخر العام الماضي، والتي تورطت الميليشيات والقوات المتحالفة معه في إنتاج هذا النوع من المخدرات المشتق من مادتي "الأمفيتامين والتيوفيلين"
يتضح من خلال تتبع المعلومات الواردة في تحقيق ميدل إيست آي أن الجهاز المستخدم في تصنيع الكبتاغون بمصنع مصفاة جيلي تم شحنه عن طريق شركة Amass Middle East Shipping Services، والتي تتخذ من مدينة دبي الإماراتية مقرًا لها، في إشارة غير مباشرة إلى اتهام الجيش السوداني لدولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم لوجيستي وعسكري لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أبو ظبي أكثر من مرة.
تؤيد هذه الاتهامات ما نشرته مجلة Drug and Alcohol Dependence Reports، في عددها الصادر في يونيو/حزيران 2025، والذي أكد أن الكبتاغون أصبح مرتبطا بشكل ملحوظ بمناطق الصراع في العالم، وأنه يمثل واحدا من أكثر المخدرات خطورة على الصحة العامة، وأن عمليات الاتجار به مرتبطة بعصابات الجريمة المنظمة في مناطق النزاع.
لا يقف الأمر عند الكبتاغون بل وظفت الجماعات المسلحة والحركات المتطرفة أنواعا مختلفة من المخدرات المصنعة كيميائيا، ومن بينها الترامادول، والذي يعرف بأسماء محلية متنوعة في أفريقيا من بينها "كوش" و"قذافي" و"وذيل القرد"، حيث تقول الأمم المتحدة أنها تُشكل مخاطر جمة على الصحة العامة في أفريقيا، وعادة ما تتكون من مزيج خطير من المواد الصيدلانية والترامادول والمواد الكحولية.
يُشير مسؤولون أمميون وخبراء أمنيون إلى أن التجارة غير المشروعة والتعاطي المتزايد للترامادول، يُزعزعان استقرار أجزاء واسعة من مناطق غرب ووسط أفريقيا، خصوصا في منطقة الساحل، حيث يُغذيان الجماعات الإرهابية، ويوفران لها عائدات تُمكّنها من تنفيذ هجمات مسلحة.
الجهات ذاتها تقول إن الاستخدام غير الطبي للترامادول بات يُمثل أزمة صحية في مناطق مثل شمال مالي والنيجر، وأنه يستخدم من قبل الجماعات المنتشرة في هذه المناطق لأغراض القتال والتمويل، حيث تقول ريبيكا غرانت، محللة الأمن القومي والعسكري ورئيسة شركة الاستشارات الدفاعية IRIS Independent Research، إن الاتجار بمثل هذه المواد يمثل موردًا ضخمًا للمال لجماعات مثل داعش والقاعدة.
كما تشير الخبيرة إلى أن مناطق غرب أفريقيا أصبحت سوقًا كبيرة لهذه الجماعات الإرهابية، وأنه إذا لم يتم مواجهة هذه الأنشطة فإن مناطق الساحل ستشهد ازدهارا كبيرا للجماعات المرتبطة بداعش في كل من مالي والنيجر، بالإضافة إلى السودان والسنغال وتشاد وموريتانيا ونيجيريا وبوركينا فاسو.
وظفت الجماعات المسلحة والحركات المتطرفة أنواعا مختلفة من المخدرات المصنعة كيميائيا ومن بينها الترامادول والذي يعرف بأسماء محلية متنوعة في أفريقيا من بينها "كوش"و"قذافي" و"وذيل القرد"
لا يقف الأمر عند تنظيم داعش بل تشير المعلومات ذاتها إلى أن المخدر الذي تعد قارة آسيا منشأه الأصلي، تقوم شبكات الجريمة المنظمة بتهريبه إلى أجزاء من منطقة الساحل الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة، وأنه أصبح أحد موارد تمويل جماعة بوكو حرام، حيث يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن المحققين كثيرا ما عثروا على الترامادول في جيوب المشتبه بهم، والمعتقلين بتهمة الإرهاب في منطقة الساحل، أو الذين نفذوا هجمات انتحارية".
يضيف المكتب أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا فيما ضبط من مخدر الترامادول في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث وصل المعدل إلى أكثر من 3 أطنان سنويًا بزيادة عن 300 كيلوغرام عن المضبوط قبل أربع سنوات، مشيرا إلى أن من بين هذه المضبوطات 600 ألف قرص عُثر عليها في الكاميرون كانت في طريقها إلى بوكو حرام، إضافة إلى أكثر من 3 ملايين قرص ضبطت في نيجيريا على متن شاحنة تحمل صناديق دون عليها شعار الأمم المتحدة، وكانت متجهة إلى مناطق شمال مالي التي تنتشر فيها جماعات مسلحة متطرفة.
تتلاقى هذه المعلومات مع ما ذكره أمادو فيليب دي أندريس، الممثل الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة في غرب ووسط أفريقيا من أن الاتجار بالمخدرات راسخ في منطقة الساحل، وأنه يُقوّض السلام والاستقرار في المنطقة، حيث تجني الجماعات المسلحة عائدات تمويل عملياتها في دول "بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر".
تعليقا على هذه المعلومات يقول روبرت إ. روتبرغ المدير المؤسس لبرنامج الصراعات داخل الدول بكلية كينيدي للإدارة الحكومية، بجامعة هارفارد، إن المخدرات باتت تغذي حروب أفريقيا، إذ أن العديد من الصراعات الداخلية في القارة أصبحت مدفوعة جزئيًا، وأحيانًا بشكل كبير، بأرباح تُجنى من الاتجار بالمخدرات والسلائف الكيميائية أموالا طائلة، وأن حركة هذا السوق غير المشروع تؤثر على المعارك في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال، التي تنتشر فيها عصابات المخدرات الإجرامية المتحالفة مع المتمردين المرتبطين بتنظيم القاعدة.
يشير إلى أن تحقيقات دولية أثبت بشكل قاطع أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والذي ينشط في "موريتانيا ومالي والنيجر والجزائر وليبيا وتونس"، يُموّل نفسه من الاتجار بالمخدرات عبر الصحراء الكبرى من الجنوب إلى الشمال، ومن خلال أسر الأوروبيين وطلب فدية.
يقول إن حركة الشباب الصومالية والتي هي فرع من تنظيم القاعدة تُموّل عملياتها بنقل المخدرات من وإلى شرق أفريقيا، وبفدية الأسرى، وقطع الأشجار وشحن الفحم إلى اليمن والمملكة العربية السعودية، مشيرا إلى أنه لا تخلو أيٌّ من دول أفريقيا الـ 54 تقريبًا من مشكلة المخدرات، والجريمة والعصابات الإجرامية التي ترعاها وتروج لها الجماعات المسلحة، والتي تحقق من ورائها عائدات طائلة.
مناطق غرب إفريقيا أصبحت سوقًا كبيرة لهذه الجماعات الإرهابية، وأنه إذا لم يتم مواجهة هذه الأنشطة فإن مناطق الساحل ستشهد ازدهارا كبيرا للجماعات المرتبطة بداعش في كل من مالي والنيجر، بالإضافة إلى السودان والسنغال وتشاد وموريتانيا ونيجيريا وبوركينا فاسو.
يوضح أن الكوكايين الذي يزرع في بوليفيا وبيرو وكولومبيا، يصل إلى أوروبا عبر غرب أفريقيا، حيث يسهل الفساد المنتشر في القارة السمراء مرور هذه المواد عبر المحيط الأطلسي من فنزويلا، ويعاد شحنه عبر ثلاثة مطارات رئيسية، هي: لاغوس ونيجيريا وأكرا وغانا وداكار، السنغال، حيث يُسهّل الفساد والنفوذ الإجرامي عمليات المرور.
وتتلاقى هذه المعلومات مع أخرى مشابهة نشرتها صحيفة الغارديان في تحقيق لها كشفت خلاله عن آليات تهريب المخدرات وترويجها في مناطق الساحل الأفريقي، مؤكدة أن الجماعات المسلحة والإرهابية في شمال مالي تدفع أموالًا لسائقين محليين لتهريب المخدرات والمهاجرين عبر الصحراء لشحنها إلى أوروبا، مؤكدة أن هذه العمليات تمثل العمود الفقري المالي لهذه الجماعات التي تسيطر على مناطق واسعة من دول المنطقة.
من جهته يرى الباحث الجزائري عبد القادر دندن المختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن التحالف بين الإرهاب والجريمة المنظّمة يمثل خطورة كبيرة على استقرار القارة الأفريقية، إذ أن هذه الجماعات أصبحت تتحالف مع بعضها البعض؛ لتطوير أعمالها وتنفيذ مخططاتها وتحقيق أهدافها، وأنه على الرغم من الاختلاف من حيث البنية والهدف بين الجماعات أو الشبكات الإرهابية، ومجموعة الأنشطة الإجرامية المعروفة بالجريمة المنظّمة، إلا أن مصالحهما تتقاطع معًا ممّا يقتضي منهما التعاون والتنسيق المتبادل.
يضيف الباحث أن هذه التحالفات تزيد من قوّة الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة العابرة للحدود ويجعل مكافحتها وتفكيكها صعبين على السلطات الأمنيّة.
تفرض الوقائع السابق مزيدا من التحديات الأمنية والعسكرية على الدول الأفريقية لاسيما الدول التي تعاني من صراعات أهلية وتنتشر فيها الجماعات المتطرفة، وهو تحدي يستدعى ضرورة العمل بشكل جماعي لمواجهة مثل هذه الجماعات التي بات تحالفها مع شبكات الجريمة المنظمة يمثل تهديدا لكيان الدول واستقرار المجتمعات.