الجمعة 17 أبريل 2026
تبنت إسرائيل منذ إعلانها عام 1948 مخططات خبيثة وأدوات قتل ممنهجة تجاه القارة الأفريقية، إذ كانت ترى في القارة مسرحا لاستراتيجياتها الرامية لتقويض الجهود العربية الرافضة لسياساتها الاستيطانية في فلسطين، وذلك عبر رعاية العديد من حركات التمرد المسلحة، ودعم الجماعات الانفصالية، وتغذية الخطابات العنصرية.
من القرن الأفريقي إلى تخوم الساحل والصحراء، وظفت تل أبيب أدواتها لضمان بقاء النزاعات الأفريقية مشتعلة، وجاء السودان ليمثل واحدة من أكثر البلدان الأفريقية التي غذت إسرائيل الصراعات المسلحة فيها، وذلك بحملات تسليح مكثفة، ورعاية لأحد أطراف النزاع الذي راح ضحيته وفق بعض التقديرات 150 ألف شخص، إضافة لملايين النازحين والمشردين.
على الرغم من توقيع تل أبيب لاتفاق تطبيع العلاقات مع الخرطوم منذ عام 2021، إلا أن الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، رأت أن الأوضاع الأمنية الهشة في البلاد قد تشكل فرصة للتغلغل في مفاصل البلد الذي يعيش أسوأ حربا أهلية منذ أبريل/نيسان 2023، وذلك عبر مساندة ميليشيات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو "حميدتي"، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة لرجل إسرائيل في السودان.
كشفت مجلة "أفريقيا العسكرية" المتخصصة في قضايا الدفاع جانبا مهما من تفاصيل العلاقة السرية التي نشأت بين إسرائيل وقائد الدعم السريع، والتي نشرت تقريرا لها بعد أشهر قليلة من اندلاع الصراع السوداني، أكدت فيه رؤية مدفعية إسرائيلية مع قوات الدعم السريع السودانية.
وقالت المجلة إن مسلحي الدعم السريع استخدموا مدفعية خفيفة إسرائيلية الصنع من طراز لار-160 ضد الجيش السوداني، مؤكدة أن هذه المدفعية يمكنها إطلاق ما يصل إلى 26 صاروخا في المرة الواحدة، ويصل مداها إلى 45 كلم، ويمكن استخدامها لمهاجمة مجموعة متنوعة من الأهداف، بما في ذلك المشاة والدروع والمدفعية.
لعبت تل أبيب الدور ذاته مع حركات التمرد الجنوب سودانية، والتي ربطتها علاقات قوية منذ ستينيات القرن الماضي بتل أبيب، حيث خططت إسرائيل لإغراق السودان في وحل الصراعات المسلحة
ولم يكن الدعم الإسرائيلي لحميدتي وليد لحظة الحرب، إذ ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية في تقرير لها حصول الدعم السريع على أجهزة تجسس إسرائيلية متطورة، نقلت إلى الخرطوم عبر طائرة مرتبطة ببرنامج التجسس «الإسرائيلي»، كانت تجلب تكنولوجيا مراقبة من الاتحاد الأوروبي.
تلاقت هذه المعلومات مع أخرى ذكرتها تحقيقات صحفية، نشرت بعد أيام قليلة من اندلاع الصراع الدموي في السودان، أكدت أن قوات الدعم السريع استعانت عام 2019، بشركة الضغط الكندية "ديكنز آند مادسون"، التي يديرها الجاسوس الإسرائيلي السابق آري بن مناشي، المتهم بانتهاك العقوبات المفروضة على ليبيا، بغرض تحسين صورة حميدتي في العواصم الغربية.
وفقًا للعقد الذي وقعته شركة ديكنز ومادسون مع حميدتي، فقد دُفع للشركة 6 ملايين دولار؛ لترتيب لقاء بين حميدتي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى، بالإضافة إلى عدد من اللقاءات الخاصة بين حميدتي ومسؤولين في روسيا.
لم تكن قوات الدعم السريع هي أولى حركات التمرد المسلح التي تدعمها إسرائيل في السودان، فقد سبق لتل أبيب أن لعبت الدور ذاته مع حركات التمرد الجنوب سودانية، والتي ربطتها علاقات قوية منذ ستينيات القرن الماضي بها، حيث خططت إسرائيل لإغراق السودان في وحل الصراعات المسلحة، في محاولة لتحييده عن تقديم الدعم للحكومات العربية التي خاضت مواجهات عسكرية مع إسرائيل في موجات الصراع الممتد بين الطرفين منذ 1948.
تكشف الباحثة نادية عباس سعد الدين في ورقة بحثية لها، عن تحركات إسرائيل في جنوب السودان مؤكدة أن الكيان الإسرائيلي وجد في التنوع العرقي والثقافي في السودان، أرضية خصبة للتحرك وتأجيج الصراع وتشجيع الانفصال، مشيرة إلى أن تل أبيب استغلت الخطاب الذي كرسه الاستعمار البريطاني في السودان، والذي سعى لخلق واقع ديني جديد، من خلال رعايته جمعيات التبشير المسيحية، وفتح الباب أمامها للعمل في البلاد تمهيدا للانفصال.
ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية في تقرير لها حصول الدعم السريع على أجهزة تجسس إسرائيلية متطورة، نقلت إلى الخرطوم عبر طائرة مرتبطة ببرنامج التجسس «الإسرائيلي»
تشير أيضا إلى أن الدعم الإسرائيلي ظهر بشكل واضح في مساندة حركة "أنيانيا" التي قادها الجنرال جوزيف لاغو، والتي كانت تهدف إلى انفصال الجنوب السوداني عن الشمال، فالحركة تلقت دعما تدريبيا على يد عسكريين إسرائيليين، إضافة إلى العديد من شحنات السلاح التي وصلت جوبا عبر الأراضي الأوغندية، منوهة إلى أن هذا الدعم ظل قائما حتى قطعت أوغندا علاقاتها بإسرائيل عام 1972 على خلفية تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي، مؤكدة أن المساعدات الإسرائيلية المسلحة التي قدمت لجنوب السودان قدرت وقتها بنحو 500 مليون دولار.
كما توضح الباحثة أن التوغل الإسرائيلي في السودان لم يقف عند حد دعم الحركات الجنوبية، بل غيرت إسرائيل من أهدافها وفقا للمرحلة والمتغيرات التي مرت بها المنطقة، فعقب الاستقلال قدمت تل أبيب الدعم لبعض الأحزاب السودانية التي رفضت البقاء تحت العباءة المصرية، حيث التقى مسؤولون إسرائيليون بنظرائهم من السودان في بريطانيا بتاريخ 17 حزيران/يونيو 1954 على أرضية مشتركة مفادها العداء لمصر، ونتج عن هذه اللقاءات حصول هذه الأحزاب على دعم مالي وسياسي من قبل إسرائيل لمواجهة الأحزاب المدعومة من الحكومة المصرية آنذاك.
وفي دارفور لعبت إسرائيل الدور نفسه، حيث دعمت الحركات المسلحة في الإقليم، واستقبلت عددا من قادة هذه الحركات في تل أبيب، على رأسهم عبد الواحد نور الدين زعيم حركة "تحرير السودان"، والذي أعلن عام 2008 افتتاح مكتب لحركته في تل أبيب.
لعبت إسرائيل الدور ذاته مع نيجيريا إبان أزمة انفصال الإقليم الشمالي عام 1967، فكانت تل أبيب من الدول القليلة في العالم التي دعمت تحركات الجنرال أودوميجو أوجوكو، الذي أعلن تأسيس ما سمي بجمهورية "بيافرا" في شمال نيجيريا، وهو ما يقره الباحث الإسرائيلي زاك ليفي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حيفا، فبالرغم من العلاقات بين تل أبيب وأبوجا فإن إسرائيل ساعدت بيافرا سراً، من خلال توريد الأسلحة وتقديم المساعدات، مبررا ذلك بأن محنة الشماليين في نيجيريا ذكرت اليهود بالهولوكوست.
لعبت الآلة الإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي الدور نفسه، حتى أنها قدمت الدعم لطرفي الصراع أحيانا كما هو الحال في الحرب الإثيوبية الإرتيرية، حيث دعمت تل أبيب أديس أبابا بالسلاح والتدريب، حتى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق قال في أحد تصريحاته: "لقد كان على عاتقنا النظام التدريبي الإثيوبي بالكامل"، حدث ذلك تزامنا مع فتح قنوات اتصال مع قادة الثورة الإرتيرية.
لم يقف الأمر على حد دعم الجماعات المتمردة والانفصاليين في أكثر من موقع أفريقي، بل ناقضت إسرائيل نفسها بدعم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فعلى الرغم من ادعاء قادة الحركة الصهيونية في الأراضي المحتلة باحترام الديمقراطية ومعايير حقوق الإنسان، إلا أنهم كانوا من بين الحكومات القليلة في العالم التي دعمت إجراءات الفصل العنصري في الجنوب الأفريقي، من خلال بناء علاقات أمنية واقتصادية قوية بين الطرفين.
يسرد هذه الازدواجية الباحث وفيق أبو حسين، في ورقته التي نشرت تحت عنوان "التكامل الاستراتيجي بين إسرائيل وجنوب أفريقيا" مشيرا إلى أن الجماعات اليهودية في جنوب أفريقيا لعبت دورًا بارزًا في نسج خيوط هذا التحالف، لافتا إلى أن العلاقة بين الطرفين ظهرت قوتها داخل أروقة الأمم المتحدة عام 1948، أثناء انعقاد الدورة الخاصة بفلسطين، ففي ذلك الوقت كان وفد جنوب أفريقيا من أقوى المؤيدين لمشروع التقسيم والاعتراف الدولي بإسرائيل.
وفقًا للعقد الذي وقعته شركة ديكنز ومادسون مع حميدتي، فقد دُفع للشركة 6 ملايين دولار؛ لترتيب لقاء بين حميدتي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى
أقام الطرفان، وفق الباحث، تحالفهما على تشابك المصالح، حيث كانت الدول العربية التي تخوض حربا ضارية مع إسرائيل من أكبر مناهضي نظام الفصل العنصري، لذا بادرا إلى تعميق علاقاتهما، حيث أيدت إسرائيل الاعتداءات الجنوب أفريقية ضد أنغولا، ورفضت استقلال روديسيا (زيمبابوي حاليا).
ليس هذا فحسب بل سعت إسرائيل للتصدي لحركات التحرر الأفريقية، وصوتت ضد استقلال الجزائر في الأمم المتحدة عام 1956، إضافة إلى تصويتها ضد برنامج الانتخابات العامة في الكاميرون عام 1959، ورفض إدانة تفجير فرنسا للقنبلة النووية في الصحراء الكبرى، وامتنعت عن التصويت لصالح استقلال تنزانيا ورواندا وبوروندي.
تشير الأمثلة السابقة إلى أن التغلغل الإسرائيلي في القارة واللعب بورقة الانفصال والتمرد لم يكن مجرد صدفة، بل مثل تحركًا تكتيكيًا عابرًا ضمن استراتيجية طويلة النفس، وظفت فيها تل أبيب أدوات القوة الصلبة والناعمة لتفكيك الجوار المعادي، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، وبينما نجحت هذه الاستراتيجية في بعض الملفات، مثل جنوب السودان، فإن تداعياتها لا تزال تتردد في القارة، حيث تتغذى النزاعات الأهلية على تاريخ من التدخلات الخارجية، ما يجعل من الصعب بناء سلام مستقر دون مواجهة الجذور الحقيقية للصراعات.