اتجهت دولٍ أفريقية خلال الفترة الأخيرة إلى تشديد القيود على مشاركة الأجانب في بعض الأنشطة الاقتصادية الصغيرة، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية على المواطنين واحتدام المنافسة على فرص العمل ومصادر الدخل. فقد جاءت كينيا ضمن الدول التي ذهبت إلى إعادة تنظيم مشاركة الأجانب في الاقتصاد، بعدما وجه الرئيس ويليام روتو بإغلاق المحلات التجارية الصغيرة المملوكة للأجانب، في تقاطع مع سياسات اتخذتها دول غانا وتنزانيا وبوتسوانا. يأتي هذا القرار في إطار توجه لإعادة تعريف الاستثمار الأجنبي، بحيث لا يقتصر على مجرد ممارسة النشاط الاقتصادي، وإنما يساهم في خلق تنمية اقتصادية حقيقة.
وجّه الرئيس الكيني ويليام روتو، في الثاني من سبتمبر/أيلول 2026، بإغلاق المحلات التجارية الصغيرة المملوكة للأجانب في كينيا، قائلا إن التجار الكينيين الصغار والباعة المتجولين بحاجة إلى الحماية الاقتصادية. وأكد روتو أن كينيا منفتحة على الاستثمار الأجنبي، لكنه جادل بأن المستثمرين الأجانب لا بد أن يخلقوا فرص عمل ويوسعوا الإنتاج، بدلا من التنافس مع الكينيين في الأعمال التجارية الصغيرة. يأتي هذا التوجيه في أعقاب احتجاجات متزايدة من قبل التجار الكينيين، على مشاركة الأجانب في البيع المتجول وتجارة التجزئة وغيرها من الأعمال ضمن الاقتصاد غير الرسمي الضخم في كينيا.
إن نجاح هذا التوجه سيظل مرهونًا بقدرة نيروبي على تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على انفتاحها الاستثماري، دون الإضرار بالتجارة والتكامل الاقتصادي مع دول الجوار
ضمن هذا التوجه، أُمرت شركة تاتا للكيماويات التابعة لمجموعة تاتا (Tata Group) الهندية، والتي تدير منشأة ماغادي لرماد الصودا في بحيرة ماغادي بمقاطعة كاجيادو، وهي الأكبر في مجالها في أفريقيا، بالتوقف عن العمل في كينيا، وسط اتهامات للشركة بالفشل في توفير فرص اقتصادية ووظائف وبناء مصانع، بالرغم من مرور قرن على بداية تعدين الشركة في كينيا. مما يشير إلى أن توجه طرد الأجانب لا ينطوي على الشركات الصغيرة أو غير الرسمية فقط، وإنما يمتد إلى الشركات الكبرى غير القادرة على دفع استثماراتها نحو خلق تنمية اقتصادية حقيقية، بما تشمله من توفير فرص عمل وبناء مصانع وغيرها.
يرى هيسبون هانسن أويلا، وهو أستاذ في جامعة آغا خان في نيروبي، في تصريحه للجزيرة الإنجليزية، أن هذه السياسة هي أفضل طريقة لحماية الشركات والتجار الصغار في كينيا، مؤكدًا أن كينيا تسعى إلى استقطاب المستثمرين القادرين على تحفيز التنمية الاقتصادية من خلال خلق فرص عمل، بدلًا من السماح للتجار الأجانب الصغار الذين لا يفعلون سوى خنق التجار الصغار، بينما يتمتعون بالبنية التحتية والضمانات الاجتماعية الكينية.
يأتي ذلك على الرغم من أن البرلمان الكيني ما زال يناقش مشروع قانون المحتوى المحلي الكيني رقم 45 لعام 2025، الذي يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الاستثمار الأجنبي والاقتصاد المحلي، بحيث لا تقتصر الاستثمارات على تدفق رأس المال، وإنما تمتد إلى الشركات والعمالة والمنتجين والموردين المحليين. ويقترح القانون عدة بنود، أهمها أن تلتزم الشركات الأجنبية بتوفير ما لا يقل عن 60٪ من السلع والخدمات والإمدادات من مصادر محلية، إلى جانب توظيف 80٪ من العمالة الكينية داخل الشركات.
تُعد الشركات الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري للاقتصاد الكيني، إلا أن 80٪ منها تعمل بشكل غير رسمي، وتُسهم هذه الشركات بنحو 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي الكيني، وتوفر 83.5٪ من إجمالي فرص العمل، أي ما يقارب 14.9 مليون شخص.
في هذا السياق، يتواجد 14٪ من اللاجئين وطالبي اللجوء في كينيا في المناطق الحضرية، من إجمالي 857 ألف لاجئ في كينيا، وعلى الأرجح تعمل نسبة كبيرة من هؤلاء الذين يعيشون في المناطق الحضرية كباعة متجولين أو أصحاب أعمال صغيرة، إذ يُقر القانون الكيني بحق اللاجئين في العمل وإدارة الأعمال، شريطة حصولهم على الوثائق اللازمة. وقد تسبب التواجد المتزايد للأجانب في حدوث توترات مع التجار والعمال المحليين، الذين يتهمونهم بالتنافس على الوظائف النادرة وفرص العمل.
إن كينيا منفتحة على الاستثمار الأجنبي، لكنه جادل بأن المستثمرين الأجانب لا بد أن يخلقوا فرص عمل ويوسعوا الإنتاج، بدلا من التنافس مع الكينيين في الأعمال التجارية الصغيرة
وفقًا لتقرير منظمة العمل الدولية لإحصاءات هجرة اليد العاملة في كينيا، تستضيف كينيا نحو 419 ألف مهاجر دولي، من بينهم نحو 225 ألف شخص منخرطون في سوق العمل، وتشكل العمالة القادمة من دول شرق أفريقيا، ولا سيما أوغندا وتنزانيا، النسبة الأكبر منهم. وتُظهر بيانات وزارة الداخلية الكينية أن عدد الأشخاص الحاصلين على تصاريح عمل رسمية يتراوح بين 34 ألفًا و43 ألف شخص فقط، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين حجم العمالة المهاجرة وبين عدد العمال المسجلين رسميًا عبر نظام تصاريح العمل. ولا يمكن اعتبار هذه الفجوة بأكملها عمالة غير رسمية، إلا أنها توضح وجود شريحة واسعة من العمال المهاجرين تعمل خارج الأطر الرسمية أو في قطاعات يصعب رصدها وتسجيلها، بما يحد من قدرة الدولة على تنظيم سوق العمل والاستفادة من الإيرادات الضريبية المرتبطة بهذه الأنشطة.
يظهر مسح الاستثمار الأجنبي في كينيا لعام 2024، أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد بلغ 11.27 مليار دولار في نهاية عام 2023، بزيادة قدرها 8.5٪ في نهاية عام 2022. وتشمل هذه الأرقام الاستثمار الأجنبي في جميع أنحاء الاقتصاد الكيني، ولا تقتصر على أنشطة التجارة الصغيرة التي استهدفتها توجيهات روتو.
تكشف هذه المؤشرات عن تعقيد الوجود الأجنبي داخل الاقتصاد الكيني، ففي الوقت الذي تمثل فيه الشركات الصغيرة والمتوسطة مصدرًا رئيسيًا لفرص العمل والدخل للكينيين، تظل نسبة كبيرة منها خارج الاقتصاد الرسمي، بالتزامن مع وجود أعداد من المهاجرين واللاجئين المنخرطين في سوق العمل. تبدو التحديات أمام الحكومة الكينية مزدوجة؛ فمن ناحية، تسعى إلى حماية الأنشطة الاقتصادية الصغيرة ومن ناحية أخرى، الحفاظ على جاذبية كينيا للاستثمار الأجنبي الذي يمثل مصدرًا مهمًا لرأس المال والنشاط الاقتصادي.
من المرجح أن تسبب هذه الخطوة قيدًا على حركة الأفراد والنشاط الاقتصادي بين الدول المجاورة وكينيا، إذ تُعد كينيا مركزًا اقتصاديًا إقليميًا في شرق أفريقيا، والمحرك الأول لحركة الأفراد والسلع والخدمات والاستثمارات ضمن مجموعة شرق أفريقيا (EAC). فكما يدير مواطنون أجانب من الدول المجاورة أعمالًا تجارية في كينيا، يعمل الكينيون أيضًا ويمارسون أعمالهم التجارية في جميع أنحاء المنطقة. ولكن حتى الآن، لم تتضح آلية إقصاء الأجانب، وما إذا كان مواطنو دول تكتل شرق أفريقيا سيكونون ضمن الأجانب أم لا.
تكشف هذه المؤشرات عن تعقيد الوجود الأجنبي داخل الاقتصاد الكيني، ففي الوقت الذي تمثل فيه الشركات الصغيرة والمتوسطة مصدرًا رئيسيًا لفرص العمل والدخل للكينيين، تظل نسبة كبيرة منها خارج الاقتصاد الرسمي
انضمت كينيا إلى عدة دول أفريقية فرضت قيودًا على الأجانب الذين يديرون بعض الأعمال التجارية الصغيرة المخصصة للمواطنين. إذ منعت تنزانيا غير المواطنين من ممارسة 15 فئة من الأعمال في يوليو/تموز 2025، بما في ذلك جزء كبير من تجارة الجملة والتجزئة، وخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، وإصلاح الإلكترونيات، وصالونات التجميل، والتعدين على نطاق صغير، والإرشاد السياحي. وتنزانيا هي الأخرى عضو في تجمع شرق أفريقيا (EAC)، مما يوضح الاتجاه الإقليمي نحو تشديد السياسات الاقتصادية بين دول التكتل.
كانت خطوة تنزانيا تعرضت لانتقادات كينية لاذعة، إذ وصفتها نيروبي بأنها تمييزية وتهدد بعرقلة التقدم المحرز في إطار التكامل لمجموعة شرق أفريقيا (EAC). إذ قال لي كينياجوي، وزير الاستثمار والتجارة والصناعة الكيني، إن هذه الإجراءات رفعت تكلفة ممارسة الأعمال التجارية بنسبة تصل إلى 25٪ بالنسبة للتجار الكينيين، مع انهيار بعض القطاعات، ما جعل كينيا مجرد متلقٍ للسلع. وقد يعني ذلك أن السياسة الكينية جاءت لتتفاعل مع السياسة التنزانية السابقة، التي أضرت بالمصالح الكينية.
ختاماً، تشير السياسة الكينية إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الاقتصاد المحلي والاستثمار الأجنبي، بحيث يصبح بقاء المستثمر مرتبطًا بقدرته على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج ودعم الاقتصاد المحلي، وليس بمجرد ممارسة النشاط التجاري. إلا أن نجاح هذا التوجه سيظل مرهونًا بقدرة نيروبي على تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على انفتاحها الاستثماري، دون الإضرار بالتجارة والتكامل الاقتصادي مع دول الجوار.