الاثنين 7 سبتمبر 2026
شرعت تركيا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعيدا عن الأضواء، في تنفيذ مشروع ضخم وسط الصومال. ومن المقرر أن تحتضن مدينة ورشيخ الساحلية، الواقعة على المحيط الهندي على بُعد 70 كلم شمال مقديشو، أبرز منشآت برنامج الفضاء التركي: قاعدة لإطلاق الأقمار الاصطناعية إلى جانب موقع لاختبار الصواريخ الباليستية التي تطورها الصناعات الدفاعية التركية.
ورغم أن الحكومة التركية لم تكشف عن المشروع رسميا حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، فإن العمل عليه كان جاريا منذ سنوات. تُقدّر تكلفته بنحو 350 مليون دولار، أي ما يعادل 218 مليون يورو. ويرى أردا مولود أوغلو، المدير في شركة "ميرغن للاستراتيجيات التحليلية" الاستشارية، أن المنشأة تمثل بالنسبة إلى أنقرة "بنية تحتية استراتيجية تتيح لها الوصول إلى الفضاء باستقلالية تامة، وتعزيز موقعها في اقتصاد الفضاء العالمي". وباكتمالها، ستصبح تركيا الدولة الثالثة عشرة في العالم التي تمتلك موقعا سياديا للإطلاق الفضائي.
لم يكن اختيار الصومال مدفوعا بالعلاقات الوثيقة بين البلدين وحدها، بل استند أيضا إلى اعتبارات تقنية. فقربه من خط الاستواء يساعد على خفض استهلاك الوقود وزيادة حجم الحمولة التي يمكن إطلاقها إلى الفضاء، فيما يتيح موقع القاعدة على ساحل المحيط الهندي سقوط الحطام في البحر بأمان.
وبحسب مصدر حكومي تركي، تعتزم أنقرة تحقيق عائدات من المنشأة عبر إتاحتها لدول أخرى ترغب في إطلاق أقمارها الاصطناعية إلى المدار. غير أن وكالة الفضاء التركية امتنعت عن التعليق عندما تواصلت معها الصحيفة.
تكشف صور أقمار اصطناعية اطلعت عليها "لوموند" أن أعمال الإنشاء بدأت على أطراف ورشيخ في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبعد أربعة أشهر، كان الموقع قد شهد توسعا ملحوظا؛ إذ ظهر في فبراير/شباط مهبط للمروحيات وسور محيط، تتألف بعض أجزائه من جدران وسواتر رملية. وبحلول نهاية يونيو/حزيران، ظهرت عدة مبان ومنطقة تخزين تحت الأرض. ومن المقرر إنجاز المرحلة الأولى من المشروع بحلول صيف 2027.
مع ذلك، لم يكشف المسؤولون الأتراك سوى القليل عن تفاصيل المشروع. وكان سلجوق بيرقدار، رئيس شركة "بايكار" التركية العملاقة لصناعة الطائرات المسيّرة، قد أعلن خلال قمة "تيك أوف إسطنبول"، في ديسمبر/كانون الأول 2025، أن "لدى تركيا في الصومال منطقة تبلغ أبعادها 30 كلم في 30 كلم". وتعتزم "بايكار"، المعروفة أساسا بطائراتها المسيّرة، استخدام صواريخ طورتها داخليا لإطلاق أقمار اصطناعية مخصصة لنظام تحديد المواقع العالمي من هذه المنطقة.
تمثل هذه المنشأة بالنسبة إلى أنقرة بنية تحتية استراتيجية تتيح لها الوصول إلى الفضاء باستقلالية تامة، وتعزيز موقعها في اقتصاد الفضاء العالمي. وباكتمالها، ستصبح تركيا الدولة الثالثة عشرة في العالم التي تمتلك موقعًا سياديًا للإطلاق الفضائي
بعد أيام قليلة، في 30 ديسمبر/كانون الأول، وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود اتفاقية للتعاون الفضائي، لتضيف فصلا جديدا إلى الشراكة الطويلة بين البلدين.
يأتي بناء القاعدة الفضائية تتويجا لخمسة عشر عاما من الاستثمارات السياسية والعسكرية والاقتصادية التركية في مقديشو. وتعود بداية هذا المسار إلى عام 2011، حين زار أردوغان بنفسه العاصمة الصومالية، بينما كانت ترزح تحت وطأة الحرب الأهلية والمجاعة. ومنذ ذلك الحين، تحول الصومال إلى "مختبر" للسياسة الخارجية التركية في أفريقيا، بحسب وصف محمد أوزكان، الأستاذ في جامعة الدفاع الوطني التركية في إسطنبول.
في أعقاب ذلك، تدفقت الشركات التركية إلى الصومال، واحتلت خلال سنوات قليلة مواقع متقدمة في قطاعات البناء والتنمية والتعاون العسكري والصحة والتعليم. وشيدت أنقرة في مقديشو أكبر سفارة تركية في الخارج، كما أنشأت قاعدة "تركصوم"، وهي قاعدتها العسكرية الرسمية الوحيدة في أفريقيا، وتتولى فيها تدريب القوات الخاصة الصومالية.
لكن هذه الشراكة ما لبثت أن اتخذت طابع الوصاية السياسية؛ إذ بات اعتماد الحكومة الصومالية على أنقرة يجعلها غير قادرة على رفض مطالبها. ففي عام 2024، تعهدت تركيا بحماية المياه الإقليمية للصومال مقابل الحصول على 30٪ من عائداته البحرية. وفي العام نفسه، مُنحت رقعا نفطية بحرية للتنقيب فيها، فيما أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، أواخر ديسمبر/كانون الأول، أن عمليات الحفر ستبدأ خلال العام الجاري.
في مقديشو، لم يعد من الممكن اتخاذ قرار مهم من دون موافقة الراعي التركي، وتجلى ذلك في الأزمة السياسية التي اندلعت مطلع يونيو/حزيران بين الرئيس حسن شيخ محمود والمعارضة، وتولت تركيا نفسها دور الوسيط فيها.
هذه الشراكة ما لبثت أن اتخذت طابع الوصاية السياسية؛ إذ بات اعتماد الحكومة الصومالية على أنقرة يجعلها غير قادرة على رفض مطالبها. وفي مقديشو، لم يعد من الممكن اتخاذ قرار مهم من دون موافقة الراعي التركي
يقول إردم كايسريلي أوغلو، المتخصص في سياسات المساعدات التركية في أفريقيا بجامعة "تيد" الخاصة في العاصمة التركية: "أنقرة هي أقوى حليف للسلطة القائمة، لكن نجاح وساطتها لا يزال غير محسوم. فمن يتابع شبكات التواصل الاجتماعي يلاحظ أن شخصيات صومالية مؤثرة، من بينها البروفيسور عبدي إسماعيل سمتر، المنخرط بقوة في السياسة المحلية، توجه انتقاداتها مباشرة إلى تركيا وتنظر إليها بوصفها قوة استعمارية جديدة. والانتقادات الموجهة إليها آخذة في التزايد".
يواجه الصومال منذ عقدين تمردا إسلاميا تقوده حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة. وتتركز أنشطة الحركة في النصف الجنوبي من البلاد، وتمتد إلى إقليم شبيلي الوسطى، حيث تُقام قاعدة ورشيخ الفضائية. وفي هذا السياق، يقول إردم كايسريلي أوغلو: "في بلد تفككت دولته ولا تزال سلطته غير مستقرة، تجد تركيا نفسها مضطرة إلى تأمين انتشارها واستثماراتها".
سلّمت تركيا في يناير/كانون الثاني إلى مقديشو ثلاث مقاتلات من طراز «إف-16»، وفي الشهر التالي، وصلت إلى الصومال دبابات من طرازي «إم 48» و«إم 60 باتون»، ومركبات «بي إم سي فوران» المدرعة، إلى جانب أنظمة للدفاع الجوي. وبحسب مصادر أمنية عدة نقلت عنها الصحافة، كان من المقرر نشر هذه الترسانة حول منشآت الفضاء والطيران.
للمرة الأولى منذ بدء وجود مدربيه في مقديشو عام 2017، وسّع الجيش التركي انتشاره إلى خارج العاصمة؛ إذ نشر قوات خاصة ومستشارين عسكريين في إقليم شبيلي الوسطى، وفقًا لمصادر دبلوماسية ومحلية متقاطعة. وتتولى هذه القوات الإشراف على عمليات الجيش الصومالي في المنطقة.
إذا صحت معلومات "منتدى الشرق الأوسط"، فلن تكون ورشيخ مجرد مشروع فضائي آخر، بل أول مشروع يتيح لتركيا إسقاط قوتها العسكرية في المحيط الهندي، ووضع مسارات نقل الطاقة العالمية، ومضيقي هرمز وباب المندب، والقواعد الغربية وعواصم الخليج ضمن نطاق عملياتها
في هذا الصدد، يقول دبلوماسي من شرق أفريقيا: "أقامت تركيا طوقا من المواقع العسكرية المتقدمة في المنطقة، لضمان عدم تعرض القاعدة الفضائية للهجوم".
تكتسب هذه الترتيبات الأمنية المشددة أهمية إضافية لأن المشروع لا يقتصر على الأغراض المدنية. فقد صرح برهان الدين دوران، مدير الاتصالات في الرئاسة التركية، في فبراير/شباط، بأن القاعدة قد تفتح آفاقا جديدة للتعاون "في مجالات الأمن والصناعات الدفاعية وتبادل التكنولوجيا".
يكشف تحقيق أجراه "منتدى الشرق الأوسط"، وهو مركز أبحاث يتبنى توجهًا محافظا جديدا ومؤيدا لإسرائيل، مزيدا من التفاصيل بشأن الاستخدام العسكري المحتمل للقاعدة. ووفقا للتحقيق، تعتزم شركة «روكيتسان» لتطوير الصواريخ، والمدعومة من الدولة التركية، استخدام المنشأة لاختبار صواريخ باليستية بعيدة المدى. وقد صُممت القاعدة لاستيعاب أنظمة يصل مداها إلى ألفي كيلومتر.
إذا صحت معلومات "منتدى الشرق الأوسط"، فلن تكون ورشيخ مجرد مشروع فضائي آخر، بل أول مشروع يتيح لتركيا إنزال قوتها العسكرية في المحيط الهندي، ووضع مسارات نقل الطاقة العالمية، ومضيقي هرمز وباب المندب، والقواعد الغربية في المنطقة، وعواصم الخليج ضمن نطاق عملياتها في آن واحد.
إنه طموح يتجاوز بكثير حدود الشراكة الثنائية بين تركيا والصومال، وستكون له تداعيات مباشرة على إسرائيل، في ظل تحول علاقاتها مع أنقرة إلى العداء. فامتلاك هذه القدرة سيضع صوماليلاند المجاورة، التي تحظى بدعم عسكري من تل أبيب، ضمن المدى العملياتي المحتمل لتركيا.