تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

من الانفتاح إلى الإقصاء: التحوّل الأوغندي يعيد تشكيل مشهد اللجوء في شرق أفريقيا

13 ديسمبر, 2025
الصورة
من الانفتاح إلى الإقصاء: التحوّل الأوغندي يعيد تشكيل مشهد اللجوء في شرق أفريقيا
Share

تجد أوغندا نفسها اليوم أمام منعطف حاسم في سياستها تجاه اللجوء، بعدما كانت المثال الأكثر انفتاحًا في القارة الأفريقية. بدأت ملامح نهج جديد تتشكل داخل الدولة التي احتضنت ملايين الفارّين من الحروب، لتضع قيودًا لم تكن مطروحة في السابق، وتعيد تقييم قدرتها على الاستقبال. هذا التحوّل يثير أسئلة حول أسباب تغيّر الموقف الأوغندي، وما إذا كان يمثل استثناءً مؤقتًا أم بداية مرحلة مختلفة تتراجع فيها البلاد كوجهة رئيسية للاجئين.

أوغندا توقف منح اللجوء لوافدين جدد وسط أزمة تمويل حادة

أوقفت الحكومة الأوغندية في أكتوبر/تشرين الثاني 2025 منح صفة لاجئ للنازحين من الدول التي لا تشهد صراعًا مفتوحًا، وفي مقدمتها الصومال وإريتريا وإثيوبيا، في خطوة تمثل تحولًا حادًا. كما باتت المساعدات والخدمات مقتصرة على الفئات الأكثر هشاشة، بينما يجد آلاف الوافدين الجدد أنفسهم في فراغ قانوني بلا اعتراف بوضعهم، ولا آليات رسمية لتنظيم إقامتهم أو تأمين احتياجاتهم الأساسية.

أوضحت هيلاري أونيك، وزيرة شؤون اللاجئين في أوغندا، أن هذا القرار جاء نتيجة ضغوط مالية غير مسبوقة. فحجم التمويل الدولي تراجع بصورة حادة، إذ انخفض الدعم السنوي من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من نحو 500 مليون دولار عام 2019 إلى أقل من 100 مليون دولار في عام 2025، بالتوازي مع تراجع حصص برنامج الغذاء العالمي، واستمرار التدفقات البشرية إلى البلاد.

الانكماش في مساحات اللجوء لا يقتصر على أوغندا وحدها؛ بل يكشف عن موجة أوسع من التحول في شرق أفريقيا، حيث تتفاعل الضغوط الاقتصادية مع تصاعد الهواجس الأمنية

ووفق بيانات الأمم المتحدة، لم تتلقَّ خطة الاستجابة للاجئين في أوغندا حتى أغسطس/آب 2025 سوى 18٪ من التمويل المطلوب، بينما تحتاج إلى 968 مليون دولار لضمان استمرار الخدمات الأساسية داخل منظومة اللجوء. وكانت إدارة ترامب فكّكت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في يناير/كانون الثاني 2025، بعد أن قدّمت الولايات المتحدة خلال العام السابق 83 مليون دولار كمساعدات للاجئين في أوغندا.

كما خفّضت الحكومة البريطانية في فبراير/شباط 2025 الإنفاق المخصّص للمساعدات الخارجية من 0.5٪ من الناتج القومي الإجمالي إلى 0.3٪ فقط، وهو ما زاد من الضغوط المالية على برامج دعم اللاجئين.

تتزامن هذه التخفيضات الحادّة في التمويل مع موجة متصاعدة من الوافدين. فوفق بيانات الأمم المتحدة حتى أغسطس/ آب 2025، ارتفع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين إلى نحو 89 ألف شخص في أوغندا، وشكّل النازحون من الكونغو الديمقراطية ضغطاً إضافياً على البنية الهشّة بالفعل، إذ استقبلت أوغندا بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025 ما يقرب من 71 ألف كونغولي، بمتوسط يومي يناهز 600 فرد.

يشير تقرير منظمة Refugees International إلى أن قرار أوغندا وقف منح صفة اللاجئ للقادمين من إثيوبيا والصومال وإريتريا يمثّل تراجعاً عن نهجها الإنساني التقليدي، ويترك آلاف النازحين في فراغ قانوني يعرّضهم لمخاطر متزايدة. فرفض اللجوء على أساس الجنسية يخالف المبادئ الأساسية للقانون الدولي للاجئين، ويهدّد بتوسيع فئة عديمي الجنسية في البلاد، التي تضم أصلاً نحو 67 ألف شخص بلا حماية قانونية.

في السياق ذاته، أكدت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أنّ الواقع الإنساني في المخيمات الأوغندية يكشف عن تآكلٍ منهجي في منظومة الحماية للاجئين، حيث يعيش أكثر من 1.7 مليون في بيئة تتداخل فيها الهشاشة الاقتصادية مع انعدام الأمن. فشحّ الغذاء وتراجع الدعم الإغاثي لا تُعدّ مظاهر معيشية صعبة، بل تمثّل بنية ضاغطة تولّد صراعات داخلية على الموارد، خصوصًا في ظل ضعف قدرة السلطات على ضبط المخيم.

ويؤدي هذا التآكل إلى انفجار توترات بين المجموعات المختلفة، كما حدث في أغسطس/آب 2025 حين اندلعت مواجهات دامية على الغذاء بين لاجئين من جنوب السودان ولاجئين من السودان، انتهت بمقتل شخص سوداني وإصابة نحو 100 آخرين.

أوغندا من الباب المفتوح إلى القيود

تستضيف أوغندا حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نحو 1.96 مليون لاجئ وطالب لجوء، ما يجعلها الأولى أفريقيًا والثالثة عالميًا، وفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ويعيش 91٪ من هؤلاء داخل المخيمات، بينما يقيم 9٪ فقط في المناطق الحضرية.

يشكّل القادمون من جنوب السودان 55٪ من إجمالي اللاجئين، يليهم القادمون من الكونغو الديمقراطية بنسبة 30٪، إضافة إلى نحو 56 ألف إريتري و50 ألف صومالي و16 ألف إثيوبي. ومع تواصل تدفقات النزوح من السودان والكونغو خلال عام 2025، تُقدّر الجهات الأممية أن يرتفع العدد الإجمالي إلى مليوني لاجئ مع نهاية العام الجاري.

بموجب الإجراءات الجديدة بات الحصول على الوثائق القانونية مشروطاً بالإقامة داخل المخيمات، وهو ما عنى عملياً تقويض مبدأ حرية الحركة وتحويل اللاجئين من فاعلين اقتصاديين مستقلين إلى سكان مُقيّدين داخل جغرافيا مغلقة

قبل التحوّل الأخير في سياسات اللجوء، كانت أوغندا تُقدَّم في الخطاب الدولي باعتبارها النموذج الأكثر تقدماً في التعامل مع اللاجئين داخل القارة الأفريقية؛ نموذج يجمع بين الانفتاح القانوني والبراغماتية السياسية، حيث فتحت البلاد حدودها أمام لاجئين وطالبي لجوء من ثلاث عشرة دولة مجاورة.

استند هذا الانفتاح إلى قانون اللاجئين الأوغندي لعام 2006 ولوائح 2010 التي منحت اللاجئين ما يشبه المواطنة الوظيفية: حق العمل وحرية التنقل والاندماج في الأسواق والحصول على التعليم والرعاية الصحية، بل والعيش بصورة مستقلة خارج المخيمات أو داخلها على مساحات زراعية تصل إلى 536 كلم.

يرى المحللون أن سياسة الباب المفتوح التي تتبناها أوغندا ليست مجرد ترتيبات إنسانية أو استجابة لواقع الجغرافيا، بل تعبّر عن الأيديولوجية التي يستند إليها الرئيس موسيفيني في مشروعه الإقليمي -الوحدة الأفريقية-. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021، أعاد موسيفيني تأكيد هذا المبدأ بوصفه خياراً سياسياً يتجاوز الضرورات الطارئة، مشدداً على أن استقبال أوغندا لأعداد كبيرة من اللاجئين الأفارقة هو جزء من رؤية تقوم على حماية وحدة القارة من مشاريع التقسيم.

يوضح تقرير أن هذه السياسة تخفي وراءها، اعتبارات انتهازية تتجاوز روح التضامن الإنساني التي تُروَّج رسمياً. فمع تدفّق التمويل الدولي، تسلّل الفساد إلى منظومة الاستقبال، وبرزت فضيحة كبيرة تتعلق بتضخيم أعداد اللاجئين من جنوب السودان وسوء تخصيص المساعدات، ما أدى إلى إقالة مفوض شؤون اللاجئين أبولو كازونغو عام 2021، بينما ظل داخل هياكل الحكومة.

في السياق ذاته، انتقد الأكاديمي كريستوف تيتيكا، أستاذ بجامعة أنتويرب، وسائل الإعلام الغربية لنشرها روايات تُضفي طابعاً مثالياً على نهج أوغندا، دون تفحّص كيفية استغلال نظام موسيفيني لهذه الصورة، مشيراً في تصريح لصحيفة "ذا نيشن" إلى أن المجتمع الدولي ظل شبه صامت إزاء تحوّل البلاد من نظام شبه استبدادي إلى استبداد كامل.

انكماش سياسة اللجوء في شرق أفريقيا

منذ عام 2023 بدأ التحول المفصلي في سياسة اللجوء الأوغندية يتجلى على نحو أكثر وضوحاً. ففي ذلك العام أوقفت كمبالا تسجيل طالبي اللجوء من الصومال داخل العاصمة، قبل أن توسّع الدائرة في يناير/كانون الثاني 2024 ليشمل السودانيين أيضاً، ليس في كمبالا وحدها بل في المدن الكبرى كافة.

يكشف التحوّل الأوغندي في التعامل مع اللاجئين عن لحظة فارقة، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع الحسابات الأمنية وتداعيات الانهيار الإقليمي

لم يكن هذا التحول مجرد تعديل إداري بل كان خرقاً لقانون اللاجئين لعام 2006، الذي شكّل لعقود أساس صورة أوغندا كأفضل نموذج انفتاح في أفريقيا. فبموجب الإجراءات الجديدة بات الحصول على الوثائق القانونية مشروطاً بالإقامة داخل المخيمات، وهو ما عنى عملياً تقويض مبدأ حرية الحركة وتحويل اللاجئين من فاعلين اقتصاديين مستقلين إلى سكان مُقيّدين داخل جغرافيا مغلقة.

غير أن هذا الانكماش في مساحات اللجوء لا يقتصر على أوغندا وحدها؛ بل يكشف عن موجة أوسع من التحول في شرق أفريقيا، حيث تتفاعل الضغوط الاقتصادية مع تصاعد الهواجس الأمنية. إثيوبيا، التي كانت تعلن نفسها دولة مفتوحة أمام الأفارقة، ألغت الإعفاءات من التأشيرات، فيما باتت الشرطة تحتجز كل من لا يحمل أوراقاً رسمية، بما يعكس انتقال الدولة إلى نموذج يقوم على فرز أمني صارم.

أما كينيا، ففي يوليو/ تموز 2025 أصدر مفوض شؤون اللاجئين في كينيا توجيهً يقضي بوقف تسجيل طالبي اللجوء من إريتريا وإثيوبيا، في خطوة مرتبطة بتصاعد خطاب الأمن الوطني ومخاوف تسلل الجماعات المسلحة عبر الحدود. لاحقاً علقت المحكمة العليا في نيروبي التوجيه مؤقتاُ بعد طعن المنظمات الحقوقية أمام القضاء.

تصل موجة التشدد إلى تشاد، حيث لوّحت نجامينا في يونيو/تموز 2025 بإغلاق حدودها البرية مع السودان تحت وطأة العجز المالي المتفاقم. ووفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تواجه البلاد فجوة تمويلية تتجاوز 280 مليون دولار هذا العام، رغم استضافتها أكثر من مليون شخص فرّوا عبر الحدود هرباً من الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل/ نيسان 2025. هذا الانهيار في بنية التمويل الدولي أعاد تشكيل مقاربة دول الإقليم للجوء، فبات يُنظر إليه كعبء أمني ضاغط.

يكشف التحوّل الأوغندي في التعامل مع اللاجئين عن لحظة فارقة، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع الحسابات الأمنية وتداعيات الانهيار الإقليمي. لم تعد أوغندا ومعها جيرانها قادرة على حمل عبء منظومات لجوء متضخّمة دون دعم دولي فعّال، ما يفتح الباب أمام مرحلة تُعاد فيها صياغة مفهوم الحماية ذاته. إذ يبدو القرن الأفريقي مقبل على واقع جديد تتراجع فيه نماذج الانفتاح التقليدية لصالح مقاربات أكثر انكماشًا وصرامة.