الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
تدور في مرتفعات شمال غربي إثيوبيا واحدة من أكثر حروب العالم غيابًا عن الأنظار. فمنذ عام 2023، نجح تمرد يقوده قوميون من الأمهرة، ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلاد، في بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الإقليم الذي يحمل اسمهم. تقول الميليشيات المحلية المسلحة، المعروفة مجتمعة باسم «فانو»، إنها تخوض هذه المعركة دفاعًا عن مجتمع الأمهرة في مواجهة عنف الحكومة الفيدرالية والجماعات العرقية المجاورة.
وتدور فصول هذا التمرد في إقليم يشبه حصنًا طبيعيًا، إذ تتجاوز بعض قممه أربعة آلاف متر. كما يُعد أمهرة المهد التاريخي للممالك الإثيوبية الأولى، وظل قرونًا المركز السياسي والديني للبلاد، ما منح الأمهرة مكانة محورية في الحياة الوطنية استمرت حتى نهاية القرن العشرين.
دفعت سنوات من الإصلاحات السياسية مجتمع الأمهرة تدريجيًا نحو الهامش، قبل أن يؤدي انهيار الأوضاع الأمنية وتصاعد العنف بين المجموعات العرقية إلى تعميق التوترات، وتهيئة البيئة لظهور ميليشيات محلية مثل «فانو».
وعندما اندلعت حرب تيغراي عام 2020، قاتلت «فانو» إلى جانب الحكومة الفيدرالية، آملةً في استعادة نفوذ الأمهرة في السياسة الوطنية والسيطرة على أراضٍ تيغرانية ظلت موضع نزاع طويل. لكن الحرب خلّفت دمارًا واسعًا في أجزاء من الإقليم، وخرج منها سكان أمهرة منهكين.
ثم جاء اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022، الذي أنهى صراعًا دمويًا يُقدّر أنه أودى بحياة نحو 600 ألف شخص، من دون إشراك الأمهرة. وأثار استبعادهم شعورًا عميقًا بالخيانة، سرعان ما اتسع تحت تأثير الخطاب القومي الأمهري.
كان قرار الحكومة عام 2023 تفكيك القوات الخاصة الإقليمية، التي تمثل الذراع العسكرية المحلية، الشرارة التي أشعلت التمرد في أمهرة. فقد كان سكان الإقليم ينظرون إلى هذه القوات بوصفها خط دفاعهم الأخير في مواجهة المجازر المرتكبة على أساس عرقي.
ومع أن «فانو» نفسها واجهت اتهامات بممارسة التطهير العرقي في تيغراي، فإن محاولة تفكيك القوات الخاصة دفعت آلاف المقاتلين الأمهرة إلى العمل سرًا والانضمام إلى صفوفها. وسرعان ما اتسع نطاق التمرد في أنحاء الإقليم، وشنّ مقاتلو الحركة غارات على مدن عدة، من بينها غوندار، العاصمة الإمبراطورية السابقة، ولاليبيلا.
تسود الفوضى إقليم أمهرة، ويحتاج نحو 2.3 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وأصبحت «فانو» صاحبة السيطرة الفعلية على مساحات ريفية واسعة، معزولة عن العالم بفعل حكومة تنخرط باستمرار في القتال، وتحظر دخول الصحفيين وتعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
منذ عام 2023، تشن «فانو» هجمات على القوات الفيدرالية في معظم أنحاء إقليم أمهرة تقريبًا، من خلال اشتباكات محدودة وهجمات منسقة. وفي الوقت نفسه، تحاول حركة التمرد تنظيم صفوفها.
في مسعى إلى سحق التمرد وتقويض حاضنته الشعبية، صعّدت القوات الفيدرالية التي أرسلتها أديس أبابا قصفها للمدنيين في إقليم أمهرة، بالتزامن مع حملة من الاعتقالات التعسفية وأعمال العنف الجنسي.
لكن هذه الانتهاكات أتت بنتائج عكسية، إذ دفعت جيلًا من الشباب، لا يرى لنفسه مستقبلًا في إقليم أنهكته الأزمات الاقتصادية، إلى الالتحاق بصفوف «فانو»، ليتحول التمرد إلى حركة متنامية لا تكف عن التوسع.
وفي يناير/كانون الثاني، أُعلن تشكيل «القوة الوطنية لفانو أمهرة» في محاولة لتوحيد الفصائل المتفرقة وبناء جبهة مشتركة في مواجهة حكومة تتهمها الحركة بالسعي إلى شق صفوفها.
ومنذ ذلك الحين، أصبح القتال جزءًا من الحياة اليومية على امتداد خطوط مواجهة دائمة التغير، حيث تتوالى الكمائن والغارات التي ينفذها مقاتلو «فانو» على المدن والمراكز الحضرية.
سيُعرض مشروع «مملكة فانو» في مدينة بربينيان الفرنسية، خلال الفترة من 29 أغسطس/آب إلى 13 سبتمبر/أيلول 2026، ضمن الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان «فيزا للصورة».