تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

مليشيات «فانو» الأمهرية تتحدّى حكومة آبي أحمد في إثيوبيا

2 ديسمبر, 2025
الصورة
مليشيات «فانو» الأمهرية تتحدّى حكومة آبي أحمد في إثيوبيا بعد ثلاث سنوات فقط من اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي رسمياً، تجد إثيوبيا نفسها أمام تمرد مسلح جديد يشتعل في إقليم أمهرا شمال غربي البلاد، حيث تسيطر ميليشيات «فانو» القومية على مساحات واسعة من الأرياف وتدفع البلاد إلى شفا صراع أوسع. تعد «فانو» حركة مسلحة أمهراوية ذات طابع قومـي، تضم في صفوفها بالأساس جنوداً وضباطاً سابقين من قوات الشرطة الخاصة الإقليمية التي قررت الحكومة الفدرالية حلّها في 2023. هذا القرار اعتُبر في أمهرا تهديداً مباشراً لأمن السك
Share

بعد ثلاث سنوات فقط من اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي رسمياً، تجد إثيوبيا نفسها أمام تمرد مسلح جديد يشتعل في إقليم أمهرا شمال غربي البلاد، حيث تسيطر ميليشيات «فانو» القومية على مساحات واسعة من الأرياف وتدفع البلاد إلى شفا صراع أوسع.

تعد «فانو» حركة مسلحة أمهراوية ذات طابع قومـي، تضم في صفوفها بالأساس جنوداً وضباطاً سابقين من قوات الشرطة الخاصة الإقليمية التي قررت الحكومة الفدرالية حلّها في 2023. هذا القرار اعتُبر في أمهرا تهديداً مباشراً لأمن السكان، في بلد تقوم بنيته السياسية على حساسيات عرقية عميقة، ما فتح الباب أمام موجة تجنيد واسعة في صفوف الحركة.

في جبال «لاستا» ومنحدرات «أبونا يوسف» المطلّة على مدينة لاليبيلا التاريخية، وثّقت عدسة المصوّر روبن توتنجس حياة يومية لميليشيات «فانو» وهي تتحرك في قرى وبلدات باتت خارج سلطة الحكومة المركزية. المقاتلون، ومعظمهم في العشرينيات من العمر، ينتقلون بين القرى بسيارات «بيك أب» محمّلة بالمقاتلين والعتاد، ويقيمون نقاط تفتيش كل بضعة كيلومترات على الطرق الرئيسية، في مشهد يعكس واقع «تقاسم نفوذ» ميداني بين الدولة والميليشيات.

الحركة تقدّم نفسها كمدافع عن قومية الأمهرا في مواجهة ما تعتبره تهميشاً من أديس أبابا واعتداءات من جماعات مسلحة أخرى. الاسم نفسه يستعيد ذاكرة تاريخية قديمة؛ إذ يُحيل إلى متطوعين مسلحين قاتلوا الاحتلال الإيطالي في ثلاثينيات القرن الماضي. اليوم، يستند مقاتلو «فانو» إلى إرث الكنيسة الأرثوذكسية والهوية الأمهراوية، ويقدّمون مناطقهم على أنها «قلب إثيوبيا التاريخي» الذي يضم كنائس منحوتة في الصخر عمرها قرون.

وفق التقرير، أعلنت أربعة تشكيلات رئيسية من «فانو» مؤخراً توحّدها ضمن مظلة جديدة تحمل اسم «قوة فانو الوطنية للأمهرا» (ANFF)، في محاولة لإظهار وحدة سياسية وعسكرية في مواجهة الحكومة التي تتهمها بالسعي لتفتيت الحركة. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عدد المقاتلين قد يصل إلى نحو 20 ألفاً، فيما تزعم الحركة أنها تسيطر على أكثر من 80% من ريف إقليم أمهرا.

في المقابل، تُتهم القوات الفدرالية بارتكاب انتهاكات جسيمة في سعيها لقمع التمرد؛ من قصف بالمسيرات على مراكز صحية وقرى، إلى اعتقالات تعسفية وعنف جنسي، بحسب شهادات وثّقها التقرير. إحدى النساء روت أن قذيفة هاون سقطت في حقلها فمزقت جسد طفلها ذي الخمس سنوات، بينما تحدث رجل عن مقتل والدته المسنّة إثر ضربة جوية استهدفت منزلها. هذه القصص، كما تقول الصحيفة، تغذي غضباً شعبياً متصاعداً ضد الحكومة وتزيد من شرعية «فانو» لدى جزء من السكان.

لكن الصورة ليست أحادية؛ فالحركة نفسها متهمة بارتكاب تطهير عرقي وانتهاكات في مناطق مثل ولكايت ورايا إبان حرب تيغراي، إضافة إلى اتهامات حديثة بابتزاز المدنيين عند نقاط التفتيش وفرض إتاوات، ما بدأ يقوّض ثقة بعض السكان بها مع طول أمد القتال وانهيار الاقتصاد المحلي.

ومن زاوية إنسانية، ترسم الصحيفة لوحة قاتمة: أكثر من 670 ألف نازح داخل أمهرا، ومنطقة تستضيف في الوقت نفسه لاجئين فارّين من الحرب في السودان، وملايين بحاجة ملحّة للمساعدات في بيئة يصعب الوصول إليها بسبب تغيّر خطوط التماس باستمرار وتعقيد شبكة الحواجز التي تقيمها الأطراف المتحاربة. مراكز صحية تُستهدف، وفرق طبية تُحتجز أو تُمنع من الوصول إلى المصابين، ما يزيد من هشاشة أوضاع المدنيين.

سياسياً، يأتي تصاعد تمرد «فانو» في لحظة تتزايد فيها هشاشة اتفاق بريتوريا، وتتصاعد فيها لغة التهديد المتبادل بين إثيوبيا وإريتريا حول البحر الأحمر، بينما تتهم أديس أبابا جبهة تحرير شعب تيغراي بالتحضير لجولة جديدة من القتال وربما التنسيق مع أسمرة. وسط هذا كله، تبدو أمهرا ساحة مركزية لصراع أوسع، تتقاطع فيه حسابات قومية محلية مع تنافس إقليمي ودولي على النفوذ والموارد.

الخلاصة أن ما يجري في أمهرا ليس مجرد تمرد محلي معزول، بل حلقة جديدة في سلسلة الأزمات التي تمزق إثيوبيا منذ سنوات، وأن استمرار الحرب في مرتفعات الشمال يهدد بإشعال مواجهة أوسع في القرن الأفريقي، في غياب مسار سياسي جاد يعالج جذور المظالم ويضع حداً لدائرة العنف والانتقام المتبادَل.