تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مليارديرات أفريقيا.. أزمة توزيع للثروة لا مشكلة إنتاج

25 يوليو, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

يمثل توزيع الثروة المالية في أفريقيا صورة أخرى من الصور التي تثبت في حق القارة لقب قارة المفارقة، فالتدقيق في الموضوع يكشف عن تفاوتات وفوارق عجيبة؛ فتركيز الثروة في عموم القارة في دول بعينها، لاسيما في أطراف القارة، نفس القاعدة تسري داخل الدولة الواحدة، فأقلية معدودة على رؤوس الأصابيع من تستحوذ على الثروة فيما ترزح الأغلبية في دوامات الفقر المتعدد الأبعاد. 

تسجل التقارير والدراسات التي بحثت مسألة الثروة المالية في أفريقيا خلاصة أساسية مفادها المنحى التصاعدي لمؤشر الثراء الفاحش والفقر المدقع في أفريقيا؛ فمثلا بلع إجمالي المليارديرات 22 مليارديرا في القارة عام 2025، بعد أن كانت بلا ملياردير (0) عام 2000، بإجمالي ثروة وصلت إلى 112,6 مليار دولار. 

في المقابل، توسعت دوائر الفقر في بقاع كثيرة من القارة، حيث يعاني نحو 850 مليون أفريقي من انعدام الأمن الغذائي، ما يشكل زيادة قدرها 20 مليون شخص ما بين عامي 2022 و2024. ما يعكس التناقض الصارخ بين الأرقام الفلكية لنخبة ثرية (أقلية) وباقي سكان القارة (الأغلبية) حيث الفقر المدقع. 

 الاقتصاديات الحدودية تحتكر الثروة في أفريقيا  

وفقا لقائمة فوربس الخاصة بأغنى أغنياء العالم التي انطلقت منذ عام 1987، كواحد من أهم مؤشرات توزيع الثورة حول العالم، تسجل أفريقيا حضورا متزايدا للأثرياء في القائمة منذ سنة بعد أخرى، ما يعني أن أفريقيا، وخلافا للسردية الرائجة، عالم خصب لخلق وتوليد الثورات المالية. 

قاريا، كشف المجلة الأمريكية عن أن مجموع المليارديرات في أفريقيا بلغ 22 شخصا، مقابل 20 مليارديرا عن ذات الفترة من العام الماضي، بإجمالي ثروة بلغ 112,6 مليار؛ ما يمثل زيادة قدرها 27 ٪ عن السنة الماضية، حيث لم يتجاوز الرقم 82,4 مليار دولار. 

بذلك يكون أثرياء أفريقيا قد تخطوا، ولأول مرة، عتبة 100 مليار دولار. ما دفع فوربس إلى تعليق يكسر الصورة النمطية القاتلة عن القارة الأفريقية، فكتبت تقول: "تحقيق مثل هذا المستوى من الثروة في قارة تسودها الاضطرابات السياسية، والأزمات النقدية والأسواق الاستهلاكية الصعبة، ليس بالأمر السهل".  

 

قائمة 22 مليارديرا الأفارقة مارس/آذار 2025 

 

قائمة 22 ملياردير

 

تكشف المعطيات أعلاه عن فجوة كبيرة في التوزيع، فالظاهر أن الثروات تتركز في أسواق محددة في أطراف القارة، في الجنوب والشمال؛ جنوب أفريقيا (8) ومصر (5) والمغرب (3) والجزائر (1) وبدرجة أقل في الشرق والغرب؛ نيجيريا (3) وتنزانيا (1) وزيمبابوي (1)، ما يؤكد الهيمنة القطبية في توزيع الثروات، حيث تقع مراكز إدارة الثروات في أقصى الجنوب (جنوب أفريقيا) وأقصى الشمال (مصر والمغرب). 

تسجل أفريقيا حضورا متزايدا للأثرياء في القائمة منذ سنة بعد أخرى، ما يعني أن أفريقيا، وخلافا للسردية الرائجة، عالم خصب لخلق وتوليد الثورات المالية 

لكن توقعات المراقبين تفيد أن صعود الاقتصاديات الحدودية التي تجذب ثروة جديدة من خلال وضع نفسها كوجهات استثمارية مفضلة، بات محل نظر في السنوات المقبلة. فخريطة الثروات هناك تشهد تقلبات كبرى بسبب تحركات رجال الأعمال، فمثلا غادر نحو 4500 فرد من أصحاب الثروات العالية جنوب أفريقيا خلال العقد الماضي، وهناك 15 مليارديرا من مواليد جنوب أفريقيا في العالم، 5 منهم فقط يعيشون في البلد.  

بناء على ذلك، يتوقع المراقبون صعود اقتصاديات الثروة الجديدة، جنبا إلى جنب مع المدن الكبرى، وتنويع مصادر الثروة، ما يعني ظهور مراكز جديدة للثروات في القارة مستقبلا (موريشيوس وكينيا وناميبيا...)، في ضوء نظرة مستقبلية تتحدث عن بلوغ إجمالي الثروة الخاصة المحتفظ بها في أفريقيا 3 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2031.  

ثروات بيد أقلية من المليارديرات  

على غرار البون الشاسع في توزيع الثروة من الناحية الجغرافيا بتمركزها في الأطراف القارة، يسجل تباين آخر على مستوى التوزيع بين أثرياء أفريقيا. فأخر تقرير لمنظمة أوكسفام صدر في 9 يوليو/ تموز الجاري بعنوان "أزمة عدم المساواة في أفريقيا صعود الأثرياء فاحشي الثراء" كشف عن هوة كبيرة في توزيع الثروة بالقارة، فأربعة من أثرياء أفريقيا يملكون ثروة تفوق ما يملكه نصف سكان أفريقيا؛ أي ما يعادل نحو 750 مليون شخص. 

يتشارك في هذه الثروة، وفقا للتقرير، أربعة مليارديرات بقيمة إجمالية بلغت 57,4 مليار دولار، يأتي النيجيري أليكو دانغوتي في الصدارة بثروة تقدر بنحو 23,3 مليار دولار؛ ما يمثل 40 ٪ من إجمالي تلك الثروة، يليه تباعا من جنوب أفريقيا يوهان روبرت بنحو 14,2 مليار دولار ونيكي أوبنهايمر ب 10,2 مليارات دولار، ثم ناصف ساويرس من مصر ب 9,4 مليارات دولار. 

يربط التقرير غياب العدالة في توزيع الثروة بين الأفارقة بالنظام الضريبي المعمول به في القارة، إذ بالكاد تجمع الحكومات الأفريقية في المتوسط 0,3 ٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي من ضرائب الثروة، مقابل 1,8 ٪ في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يجعلها بذلك تسجل أدنى نسبة التحصيل الضريبي في هذا المجال على الصعيد العالمي. 

أرقام علقت عليها فاتي نزي حسان، مديرة أوكسفام في أفريقيا، قائلة: "ثروة أفريقيا ليست مفقودة، بل تنهب عبر نظام منحاز يسمح للنخبة بجمع ثروات هائلة، بينما يحرم الملايين من أبسط الخدمات"، قبل أن تضيف "هذا فشل سياسي صارخ، وغير عادل، ولكنه قابل للتغيير بالكامل". 

يبدأ التغيير من مراجعة الأنظمة الضريبة الجاري بها العمل هناك، فأفريقيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لم ترفع بلدانها معدلات الضرائب الفعلية منذ عام 1980، لانعدام الإرادة السياسة من جانب القادة الذين يحافظون على أنظمة ضريبية غير فعالة تناسب الأغنياء فقط. 

تؤكد أوكسفام، أن الأثرياء الذين يستثمرون أصولهم في هياكل مؤسساتية، وينقلون رؤوس أموالهم إلى الخارج، يضاعفون ثرواتهم من دون أن تفرض عليهم ضرائب عادلة. فالحكومات الأفريقية تظل في المتوسط من بين الأقل انخراطا في الحد من انعدام المساواة في العالم. 

لذا لا تتواني في المطالبة بمراجعة هذه السياسية، وتقترح فرض ضرائب على 1٪ من أصول أغنى الأفارقة، وعلى 10٪ من دخول هؤلاء، ما سوف يدر نحو 66 مليار دولار سنويا، وهو مبلغ كاف للمساعدة في تمويل الوصول إلى التعليم والكهرباء في كافة أنحاء القارة. 

أفريقيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لم ترفع بلدانها معدلات الضرائب الفعلية منذ عام 1980، لانعدام الإرادة السياسة من جانب القادة الذين يحافظون على أنظمة ضريبية غير فعالة تناسب الأغنياء فقط 

يعد توزيع الثروة المالية في ربوع أفريقيا فيما بين البلدان من ناحية، وداخل نادي الأثرياء من ناحية أخرى مظهرا أخر من مظاهر الأعطاب التي تعيق إقلاع القارة رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات وموارد جعلتها محل صراع بين القوى الدولية، فتركيز الثروات في مناطق بعينها في القارة، وفي أيدي أقلية قليلة يعيق مشاريع التغيير والتنمية في أفريقيا. 

كما تزيد طبيعة الروح الرأسمالية الفجة المشهد قتامة في قارة تعاني أمراضا وأوبئة، أضحت جزءا من التاريخ في باقي مناطق العالم، فأقلية من أثرياء أفريقيا يتبنون فكرة "الرأسمالية المواطنية" (أليكو دانغو، ميلود الشعبي...) بإنشاء مؤسسات للعمل الإنساني والخيري، تساهم إلى جانب الحكومات في مواجهة الكوارث والأزمات التي تواجه الأغلبية الساحقة في ربوع القارة.