تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ملف أمادو سيلا.. تعويض متأخر وعدالة لم تكتمل في غامبيا

10 فبراير, 2026
الصورة
ملف أمادو سيلا.. تعويض متأخر وعدالة لم تكتمل في غامبيا
Share

بعد أكثر من 31 عاما على إعدام الضابط المتدرّب أمادو سيلا، في غامبيا، خارج أي مسار قضائي في 11 نوفمبر/تشرين الأول عام 1994، تلقت عائلته أخيرا تعويضا ماليا رسميا في مطلع عام 2026، ضمن برنامج جبر الضرر الذي أطلقته حكومة غامبيا، بعد سقوط نظام يحيى جامع في يناير/كانون الثاني 2017. يبلغ التعويض الذي حددته لجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر 600 ألف دالاسي غامبي، أي نحو 8 آلاف دولار أميركي لكل حالة قتل خارج القانون.

ترى عائلة أمادو سيلا، أن الاعتراف جاء متأخرا، إذ لم تتسلّم جثمان ابنها، ولم تحصل حتى اليوم على رواية رسمية كاملة لما حدث؛ يقول مامودو سيلا، شقيق أمادو، في تصريح نقله مراسل موقع العدالة أنفو: "هذا حرفيا ثمن دمه، كأن الحكومة جاءت لتعزيتنا بعد ثلاثين سنة، لكن لا أحد يستطيع أن يدفع ثمن روح إنسان".

بين التعويض المالي وغياب الرفات، تعود قضية أمادو سيلا إلى الواجهة لتطرح سؤالا أكبر حول مسار العدالة الانتقالية في غامبيا: هل يكفي التعويض المالي لإغلاق ملف قتل سياسي بقي طي الكتمان لعقود؟ أم أن العدالة الحقيقية تتطلب كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن واحدة من أولى موجات الإعدام التي شهدتها البلاد بعد انقلاب عام 1994؟

من انقلاب يوليو إلى إعدامات نوفمبر 1994

بدأت أحداث القضية بعد انقلاب 22 يوليو/حزيران 1994، الذي أطاح بالرئيس داودا جاوارا، وأوصل الملازم يحيى جامع إلى الحكم، حيث بقي في السلطة حتى عام 2017. وفي الأشهر التالية للانقلاب، سادت حالة توتر داخل الجيش، وتعرّض عدد من الجنود للاعتقال بتهمة التخطيط لانقلاب مضاد.

التحق أمادو سيلا بالقوات المسلحة عام 1992، وكان الابن الأكبر والمعيل الرئيسي لأسرته بعد وفاة والده في أغسطس / آب 1994. جرى توقيفه مع مجموعة من العسكريين، في 11 نوفمبر/ تشرين الأول 1994، قبل أن يُعدموا بإجراءات موجزة دون محاكمة.

تبقى قصة سيلا تذكيرًا بأن جرائم الماضي لا تسقط بالتقادم، وأن المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، بل على الاعتراف الكامل، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين

لاحقا، كشفت شهادات أمام لجنة الحقيقة أن الجنود أطلق الرصاص عليهم واحدا تلو الآخر داخل مواقع عسكرية، وليس في ساحة قتال. وذكرت صحيفة The Point أن العائلات لم تُبلّغ رسميا بوفاة أبنائها، ولم تُسلّم الجثامين، ما أبقى مصيرهم مجهولا لسنوات طويلة. وتشير تقارير "العدالة أنفو" إلى أن ما يقارب 20 جنديا قُتلوا في تلك الحادثة، التي أصبحت إحدى أكثر القضايا حساسية في تاريخ غامبيا الحديث، إذ ظلت تفاصيلها مخفية إلى أن بدأت جلسات الاستماع العلنية بعد أكثر من عقدين.

مع وصول الرئيس أداما بارو إلى السلطة عام 2017، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر في 2018 للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت بين يوليو/حزيران 1994 ويناير/كانون الثاني 2017. عقدت اللجنة جلسات استماع علنية بين عامي 2019 و2021، استمعت خلالها إلى مئات الشهادات من ضحايا ومسؤولين سابقين.

في تقريرها النهائي الصادر في نوفمبر/تشرين الأول 2021، وثّقت اللجنة 1,009 ضحايا لانتهاكات جسيمة، من بينها القتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب، وأوصت اللجنة بدفع تعويضات مالية لعائلات الضحايا، مع إعطاء أولوية لضحايا الفترة بين 1994 و1996، غير أن تنفيذ التوصيات تأخر بسبب نقص التمويل، قبل أن تخصص الحكومة ضمن ميزانية 2026 مبلغ 20 مليون دالاسي لبرنامج التعويضات.

الإعدامات نُفذت بإشراف قيادات في المجلس العسكري الحاكم آنذاك، إلا أن النيابة العامة لم تفتح حتى الآن أي ملف قضائي متعلق بأحداث نوفمبر/تشرين الثاني 1994

كانت عائلة سيلا من أوائل الأسر التي تسلمت التعويض الكامل، لكن صرف الأموال لم يترافق مع فتح قضايا جنائية، ما أعاد النقاش حول ما إذا كانت العدالة الانتقالية قد تحولت إلى تسوية مالية بدل أن تكون مسارا قانونيا حقيقيا لمحاسبة المسؤولين.

صورة من لبعض الشهود شاركوا في جلسات الاستماع التي نظمتها لجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر(التقرير).

الرفات المفقودة

رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعدامات نوفمبر/تشرين الثاني 1994، ما تزال رفات عدد من الضحايا محفوظة في مرافق رسمية بالعاصمة بانجول في انتظار الفحوص الجنائية، بحسب شهادات نقلتها تقارير إعلامية محلية ودولية، ويعني ذلك أن العائلات لم تتمكن حتى اليوم من دفن أبنائها، ما يجعل الحداد معلقا والجرح مفتوحا.

ترى الحكومة أن تنفيذ برنامج التعويضات في 2026 خطوة مهمة نحو المصالحة الوطنية، بينما ترى عائلات الضحايا أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في تعويض مالي

في عام 2024، طالبت منظمات مجتمع مدني، من بينها جمعية تنمية سيتّانانكو (JSDA)، بفتح تحقيق مستقل في مقتل عدد من الجنود، معتبرة أن "التعويض دون محاسبة يكرّس الإفلات من العقاب"، وفق ما نقلته شبكة "Fatu Network". وبحسب تقرير لجنة الحقيقة، فإن الإعدامات نُفذت بإشراف قيادات في المجلس العسكري الحاكم آنذاك، إلا أن النيابة العامة لم تفتح حتى الآن أي ملف قضائي متعلق بأحداث نوفمبر/تشرين الثاني 1994، ويؤكد ناشطون حقوقيون أن تسليم الرفات للعائلات وفتح تحقيقات جنائية يمثلان الحد الأدنى من العدالة، لأن التعويض المالي لا يعوض غياب المحاسبة القانونية ولا يطوي صفحة الماضي دون كشف المسؤوليات.

التعويض والعدالة المؤجلة

تكشف قضية أمادو سيلا التوتر القائم في غامبيا بين الرغبة في تحقيق الاستقرار السياسي بعد انتقال السلطة عام 2017، والحاجة إلى مساءلة قانونية تضمن عدم تكرار الانتهاكات. فالحكومة ترى أن تنفيذ برنامج التعويضات في 2026 خطوة مهمة نحو المصالحة الوطنية، بينما ترى عائلات الضحايا أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في تعويض مالي؛ ويقول مامودو سيلا: "لسنا ضد التعويض، لكن العدالة تعني أن نعرف من قتل أخي ولماذا".

بين تقارير لجان التحقيق وضغوط المجتمع المدني، تقف غامبيا اليوم أمام سؤال مفتوح، هل ستتحول توصيات لجنة الحقيقة إلى محاكمات فعلية، أم ستظل العدالة مؤجلة تُدفع على شكل أقساط مالية؟ وتبقى قصة سيلا تذكيرًا بأن جرائم الماضي لا تسقط بالتقادم، وأن المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، بل على الاعتراف الكامل، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، حتى تتمكن العائلات من إغلاق جراح ظلت مفتوحة منذ 1994 وحتى اليوم.