تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عملاق أفريقيا الجريح: لماذا يستعصي تفكيك معادلة الأمن في نيجيريا؟

30 يونيو, 2026
الصورة
عملاق أفريقيا الجريح: لماذا يستعصي تفكيك معادلة الأمن في نيجيريا؟
Share

"إما الاستسلام أو مواجهة القوة الكاملة للدولة"، كانت هذه كلمات حازمة من الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو بمناسبة "يوم الديمقراطية"، الموافق 12 يونيو/حزيران من كل عام، لم تمنع الاحتفالات الحكومية بهذه المناسبة من اندلاع احتجاجات في أبوجا ولاغوس على تفاقم المشاكل الأمنية والاقتصادية وتصاعد الاختطاف، كما لم تلغي الأسئلة الكثيرة عن توقيتها. ولا تخفي حدتها واقعا الأزمة الأمنية التي يتخبط فيها البلد، والذي لم ينجح الرئيس في إنهائها، رغم أنها كانت عنوان حملته الانتخابية، ويبدو استمرار للجدل السياسي الذي يتقن الرئيس قواعده، فهل هي إرادة الحزم أم أنها مجرد خطاب انتخابي سابق لأوانه.

لعنة مستمرة وممتدة

لم تغادر نيجيريا مربع الشكوك بين اقتصادها القوي وإمكاناتها الهائلة، وتتخبط لعقود بين أزمة أمنية، فشلت جميع النخب السياسية في تفكيك محدداتها ووضع حد لها؛ حيث يتقاطع فيها البنيوي والمحلي مع التحديات الإقليمية، بيد أنها نجحت في تثبيت القواعد الديمقراطية في محيط تجرفه الانقلابات العسكرية والأزمات السياسية. وتخلد كل سنة يوم الديمقراطية تجسيدا للعودة للحكم المدني بعد عقود من الحكم العسكري، فتحتفي بنجاح الانتقال الديمقراطي وتستشرف آفاق الاستقرار الأمني والمجتمعي ومعضلة الانفلات الأمني، إذ يظل عنوانها أزمة مستمرة من انعدام الأمن، وتفاقم أنشطة الحركات الإرهابية والاجرامية.

لئن كانت وعود الحزب الحاكم الحالي مؤتمر جميع التقدمين بقيادة بولا تينوبو، الذي استطاع الوصول إلى سدة الحكم في انتخابات مثيرة للجدل فبراير/شباط 2023، بعد سنوات من التواري كان يوصف خلالها بصانع الرؤساء، عنوانها الأساسي تعهده بالقضاء على التهديدات الأمنية والحد من ظاهرة العنف وهجمات المسلحين، بعد أن فشل سلفه محمد بخاري في هذه المهمة. وتقترب ولايته من نهايتها دون أن يتحقق المراد، لعل ذلك ما دفعه أكثر من مرة لتعداد إنجازاته بما فيها الأمنية، فتحولت الأزمة الأمنية الى لعنة تفتك بكل من يصل إلى مربع الحكم، ولم تفلح كل الوصفات المقدمة لحدود الساعة في تفكيك طلاسمها.

الأزمة الأمنية تحولت إلى لعنة تفتك بكل من يصل إلى مربع الحكم، ولم تفلح كل الوصفات المقدمة لحدود الساعة في تفكيك طلاسمها

ولأن الأرقام كما يقال لا تكذب، ينبري الرئيس إلى البيانات الإحصائية التي يقدمها دليلا ماديا على مستويات نجاحه، ففي الخطاب السابق ذكره، أعلن القضاء على أكثر من 13 ألف مسلح خلال العام الماضي، ويعتبره محددا أساسيا على التقدم الملحوظ في تطويق الظاهرة، لاسيما في مواجهة تنظيم بوكوحرام وداعش. ويردف بأن هذا التقدم تؤكده إحصائيات رسمية عن انخفاض أنشطتها مقارنة بوصوله للسلطة، معتبرا أن حصيلة القتلى انخفضت بنسبة 81٪ منذ عام 2023، قد يكون صحيحا بأن هذه الاحصائيات لا تكذب، لكنها بالمقابل لا تستطيع أن ترتفع عن مشهد أمني لا يتغير، لعل عودة نيجيريا للمرتبة الرابعة في مؤشر الإرهاب العالمي عام 2026 برهانا على ذلك، تعضدها عودة قوية للاختطاف وأعمال العنف اليومية.

لم يكن الرئيس الحالي استثناء قد كان سابقه على ذات العهد، إذ كان المجهود الأمني يركز على مكافحة الإرهاب وإنهاء تمرد بوكوحرام الذي يفتك بالبلد تقتيلا وتفجيرا منذ عام 2009، وعجزت كل الحكومات السابقة عن اخماده، إذ يتمدد حينا ويتقلص حينا آخر دون أن تنتهي تحدياته، غير أنه يتغلغل مولدا ظواهر جديدة، ملمحها الأخير ازدهار أنشطة العصابات الاجرامية.

قطاع الطرق الوافد الجديد

تحتدم شمال شرقي البلد المواجهات بين الجيش الحكومي وتنظيمي بوكوحرام وداعش، إذ لم تتوقف هجماتهما رغم كل العمليات التي واجهتها، لعل آخرها هجمات صاروخية أمريكية توجت بالتنسيق الأمني بين البلدين، وبينهما يستمر النشاط الإجرامي في صور أخرى تخوضها عصابات محلية، أضحت الوافد الجديد على الساحة النيجيرية، ولا تقل تحدياتها عن الآخرين. لقد كانت التصريحات الرسمية تهون من مخاطرها، فتمسيها بقطاع الطرق، سرعان ما تغيرت النظرة فأضحت تصنفها "تنظيمات إرهابية" بعد أن شكلت تحديا حقيقيا، يعكس معالمه ارتفاع عدد ضحاياها وإعادة تشكيل نفوذها بعد أن وسعت مجالها الجغرافي، وحولت المناطق الشمالية الغربية مرتعا لأنشطتها.

أضحى هذا الخبر يتكرر بصيغة واحدة؛ هجمات من عشرات المسلحين تستهدف المجتمعات المحلية الريفية، تخلف ضحايا وعمليات اختطاف ونهب، وتتوسع هوامشها لتصبح عمليات شبه يومية. وتقودها جماعات إجرامية مسلحة حولت الغابات والمناطق الحدودية إلى فضاءات ومعسكرات لها، تنطلق منها عبر دراجات نارية لتقوم بعمليات السطو المسلح والسرقة والنهب والاغتصاب، وتعتمد على الخطف من أجل تحصيل الأموال لضمان استمراريتها، فتستهدف المدارس والمزارع والقرى المحلية، مخلفة مئات الضحايا وعشرات المختطفين والالاف المهجرين.

التحدي بنيوي لا يستساغ حصره في التقلبات البيئية وحسب، كما لا يستقيم الجزم بأن محركها توترات عرقية دينية... فهي خليط من كل ما سبق، مدعمة بعوامل داخلية؛ كالتهميش والفقر وتحدي الفساد

غالبا ما كانت بداياتها الأولى ممثلة في أعمال عنف متكررة بين الرعاة والرحل والمزارعين على الموارد، حيث تتعرض المراعي لضغوط بسبب تقلبات المناخ المتطرفة فتدفعهم للهجوم على المزارع، ويصعد الأسباب النزاع على الموارد بين الرعاة والمزارعين من أعمال سرقة المواشي والخطف تقابل بأعمال انتقامية. غير أن تفسير الأمر بهذا العامل قد ينزلق لرؤية اختزالية، فالتحدي بنيوي لا يستساغ حصره في التقلبات البيئية وحسب، كما لا يستقيم الجزم بأن محركها توترات عرقية دينية، وهي أبعد من ادعاءات تصويرها كإبادة ضد المسيحين المضطهدين كما يروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهي خليط من كل ما سبق، مدعمة بعوامل داخلية؛ كالتهميش والفقر وتحدي الفساد، إذ لم تبرح نيجيريا المراتب الأخيرة من المؤشر العالمي للفساد، ويعززها ضعف الدولة والاستغلال السياسي على المستوى الإقليمي.

تصدر مواقع التواصل قبل أيام يتوعد فيها زعيم عصابة يلقب بيلو تورجي، يفتخر بمسؤوليته عن هجمات ضد القوات الحكومية، وتحول إلى أكثر المطلوبين واخطر العصابات التي تنشط في ولايات كاتسينا، انخرط في محادثات سلام لوقف أعماله مقابل العفو غير انها منيت بالفشل، ليواصل عملياته مع تحذيرات من تعاونه مع داعش. كما حافظت "جماعة لاكوراوا" على حضورها بالمشهد، وهي جماعة محلية تحولت إلى عصابات إجرامية امتهن أفرادها الاختطاف وفرض الاتاوات، بعد أن كانت مهمتها الدفاع عن النفس والتصدي لقطاع الطرق آخرين، استئجرت من أجل الحماية وسرعان ما انحرفت كخطر وتهديد في ولاية سوكوتو، دون أن يعني هذا استبعاد جماعات، تنشط بولايات أخرى مثل زامفارا وكاتينا ويتوسع نفوذها إلى الجوار النيجيري.

كان الرهان على المقاربة الأمنية، غير انها فشلت في وضع حد لأنشطتها الاجرامية، أعلن قبل أشهر حالة طوارئ نونبر/تشرين الثاني السنة الماضي على مستوى البلد بعد حوادث خطف مع زيادة في أعداد العناصر الأمنية، كما جربت الحكومة الفدرالية تنسيق عشرات العمليات العسكرية، آخرها عملية درع السافانا وتتوخى تحييد الإرهابيين وحماية المجتمعات المحلية بعد هجمات دامية، كما حاولت بعض الولايات تشكيل قوات دفاع محلية، وبرزت محاولات للتفاوض مع هذه الجماعات كلها باءت بالفشل.

تتأرجح الأوضاع في نيجيريا عنوانها السلام المؤجل، نجح مجلس الشيوخ في تمرير مشروع قانون يتيح إنشاء قوات محلية على مستوى الولايات إلى جانب القوى الأمنية الفدرالية، تحظى بدعم حكومي لكنها تثير مخاوف ونقاشا سياسيا يتطلب تعديلا دستورا، وترسم معالم الاستقطاب السياسي الذي يسبق الانتخابات المرتقبة.

في جدول الاستحقاقات المقبلة

تشهد الانتخابات المقررة عام 2027 تسابقا محموما بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وهي معركة غير محسومة النتائج، وإن بدأت ملامحها تتضح بنجاح الرئيس الحالي في كسب رهان دعم حزبه لسابق الرئاسيات القادم، بينما تستعد أحزاب المعارضة لاختيار شخصياتها، وسط مخاوف من قرارات قضائية استبعدت أحزابا للمعارضة، تصفها المعارضة بأنها محاولات لإسكات صوتها، وهندسة المشهد السياسي لصالح الحزب الحاكم.

تستمر وتعصف القلاقل الأمنية بالبلد وتتوسع لائحة الضحايا، تستمر المحاولات الأمنية لاحتوائها، ومعها الأعناق مشرئبة إلى وعود الانتخابات المقبلة، والتي تحول موضوع الأمن والاستقرار لهاجسها الأول

يستعد الرئيس الحالي لولاية ثانية، وتعززت حظوظه في الانتخابات التمهيدية بعد فوز ساحق على منافس غير معروف، ففي مشهد الاستقطاب السياسي يكرر الرئيس لغة الأرقام ويتباهى بالإنجازات، كما يشتغل لإعادة ترتيب المشهد الأمني بتعينات وتعديلات تشريعية جديدة، كما يكرر الشعارات ذاتها بإنهاء التمرد وتفكيك مخاطر الحركات الإرهابية والاجرامية وإعادة الأمن، يتفاخر بالإنجازات والاحصائيات والإصلاحات يبدو أنها تفتقر للفاعلية، فقد مرت الولاية الأولى وهو يكرر التعهد ذاته بينما الأوضاع تتفاقم بسرعة.

تنتقد المعارضة تقاعس الحكومة وتستعد للانتخابات والتي يظل الاستقرار عنوانها المحوري في خضم الأحداث الأمنية المتصاعدة، فمن جانبه يستعد أتيكو أبوبكر مرشح المعارضة عن حزب المؤتمر الديمقراطي الافريقي، الذي لم يحالفه الحظ منذ عام 1993، لينافس الرئيس الحالي مرة أخرى بعد معركة سابقة بينهما، في خطاب الترشيح برنامج على اتهامه الحكومة بالفشل في وقف أعمال العنف، معتبرا بأن ''نيجيريا في أسوء موجة انعدام الأمن في تاريخها''، وقدم وعودا بتوسيع عمليات التجنيد وتحسين أوضاع لأفراد الأجهزة الأمنية، فهل ستكلل هذه المحاولة السابعة بالنجاح؟

بالمحصلة، تستمر وتعصف القلاقل الأمنية بالبلد وتتوسع لائحة الضحايا، تستمر المحاولات الأمنية لاحتوائها، ومعها الاعناق مشرئبة إلى وعود الانتخابات المقبلة، والتي تحول موضوع الأمن والاستقرار لهاجسها الأول، تجاهد أبوجا لتحصين ديمقراطيتها المحلية ويتطلع المواطنون إلى النخبة القادمة لعلها تستطيع تفكيك معادلات الاأمن ومسلسل الهجمات اليومية.