الأحد 12 يوليو 2026
لا تزال ذكريات الطفولة الممزقة بالحرب تطارد يوسف علي، صاحب متجر في مقديشو، بعدما وجد نفسه، وهو لم يتجاوز سن المراهقة، جنديا طفلا يقاتل في شوارع العاصمة الصومالية.
كان علي الذي يبلغ اليوم 34 عاما، قد انخرط في التمرد الإسلامي الذي اندلع قبل نحو عقدين. وبينما تبدو مقديشو في طور التعافي عمرانيا بعد سنوات طويلة من الخراب المادي، لا تزال الموارد المخصصة لمن يحملون الندوب النفسية لذلك الصراع محدودة إلى حد بعيد.
بدأت القصة حين كان في الرابعة عشرة من عمره، عندما سيطر تحالف من المحاكم الشرعية على السلطة في الصومال، وفرض قدرا من الاستقرار في بلد أنهكته الحروب القبلية، منذ انهيار نظام الرئيس سياد بري عام 1991. غير أن صعود اتحاد المحاكم الإسلامية أثار قلقا واسعا، إذ مثّل واحدة من أبرز حالات ترسخ الإسلام السياسي في القارة الأفريقية بعد هجمات تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة.
وقد نظر صناع القرار في واشنطن إلى الاتحاد بعين العداء والريبة، واتهموه بإقامة صلات مع تنظيم القاعدة. وكان جناحه الشبابي المسلح يُعرف باسم "الشباب". في ديسمبر/كانون الأول 2006، دخلت آلاف القوات الإثيوبية إلى الصومال، تحت غطاء طائرات أمريكية مسيّرة، بهدف إسقاط حكم المحاكم الإسلامية بعد ستة أشهر فقط من سيطرتها على السلطة.
قوبل الغزو الإثيوبي للصومال برفض واسع ومعارضة شرسة، وسرعان ما توحّدت حركة الشباب مع حلفائها، وبينهم ائتلاف من جماعات منشقة عُرف باسم "المقاومة"، لمواجهة القوات الإثيوبية وحلفائها داخل البلاد.
في تلك الحقبة، كان يوسف علي يعيش طفولته في حي هوريوا "Huriwaa" الفقير شمالي مقديشو، وهناك فقد والده ولم يكن قد تجاوز عامه الأول بعد. فقد قُتل خلال ما عُرف لاحقا باسم "معركة مقديشو"، حين اندلعت مواجهات عنيفة بين مقاتلين صوماليين وجنود أمريكيين، في أعقاب إسقاط مروحيتين أمريكيتين من طراز بلاك هوك.
كان اليتم المبكر قاسيًا عليه، لكن حرب العصابات التي اجتاحت مقديشو خلال الغزو الإثيوبي تركت الأثر الأعمق في حياته، وغيّرته إلى الأبد. أخبرني علي: "في الليل، كنت كثيرا ما أسمع صوت أزيز. كنت في المدرسة الثانوية، ولم أكن أدرك حينها أن تلك كانت طائرات تراقب حيّنا".
مع حلول ربيع عام 2007، اشتد القتال في العاصمة، وتصاعد القصف المدفعي والجوي على أحياء مدنية مكتظة بالسكان، كان يُشتبه في أنها تؤوي متمردين. ويتذكر علي إحدى تلك الليالي قائلًا: "أصاب وابل كثيف من القذائف منطقتنا، وسقط بعضها على منزل جارنا. اهتز منزلنا، وشعرت كأن الأرض تحركت تحت قدمي، ثم بدأت أسمع الصراخ".
هرع السكان في حالة ذعر إلى رفع الأنقاض بأيديهم، وهناك، وسط الركام والغبار، رأى علي جسدا بلا حياة. يقول: "وجّه أحدهم مصباحا يدويا، فرأيت بقع دم وجسدا ملقى في مكان قريب. كانت فتاة صغيرة تبدو في مثل سني تقريبا، لكنها لم تكن تتحرك. كنت قد رأيت الموت من قبل، لكن لا شيء كان يمكن أن يهيئني لتلك الليلة".
بعد تلك الليلة، نزحت عائلة علي إلى منطقة "عليشا بياها" شمال غربي مقديشو، التي تحولت إلى ملاذ لمئات الآلاف من الفارين من القتال. غير أن كثيرا من الشباب، وبينهم فتيان في مثل سنه، ظلوا مندفعين للعودة إلى المدينة وقتال من كانوا يُشار إليهم بـ"الكفار". يقول علي: "من خطب المسجد التي كانت تدعو الناس إلى الدفاع عن بلدهم من الكفار، أصبح الجميع مشحونين بالحماس". كان ذلك الحماس كافيا لجذبه إلى صفوف المقاومة، وهي جماعة ضمت في صفوفها قادة سابقين في الجيش. ويضيف: "درّبونا على إطلاق النار بالأسلحة الخفيفة… كنا نتدرب على هجمات الكر والفر".
رأى علي جسدا بلا حياة... كانت فتاة صغيرة تبدو في مثل سني تقريبا، لكنها لم تكن تتحرك. كنتُ قد رأيت الموت من قبل، لكن لا شيء كان يمكن أن يهيئني لتلك الليلة
وبحلول السادسة عشرة من عمره، وجد علي نفسه عائدا إلى مقديشو، يقاتل في شوارعها إلى جانب مقاتلين صغار آخرين. مُنحوا أسلحة، لكنهم لم يتقاضوا أجرا، وكانوا يقتاتون مع بقية المقاتلين.
لم يكن كل من دُفع علي إلى قتالهم أكبر سنا منه؛ فقد كان بين خصومه جنود صوماليون صغار، يقاتلون إلى جانب القوات الإثيوبية ضمن قوات موالية للحكومة الانتقالية. يقول: "شارعًا تلو شارع، ومن النوافذ والمداخل، كنا نطلق النار على الجنود الإثيوبيين وعلى الجنود الصوماليين الذين كانوا معهم". ويضيف: "أحيانًا كنت أجد نفسي أطلق النار... وحين كنا نتقدم ونرى جنديا صوماليا قتيلا يبدو في مثل عمري تقريبا، كنت أتوقف للحظة، لكنني سرعان ما أواصل التحرك، فالقتال كان شديدا جدا. كان الأمر إما أن تقتل أو تُقتل، وكانت تلك قضية مستعدين للموت من أجلها".
كان الصوماليون الذين قاتلوا إلى جانب الإثيوبيين يُنظر إليهم، في نظر علي ورفاقه، على أنهم خونة خانوا بلدهم. في المقابل، كانت الحكومة الانتقالية تحظى باعتراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة ودول غربية أخرى بوصفها السلطة الشرعية في الصومال.
بين عامي 2007 و2009، تحولت أجزاء واسعة من مقديشو إلى ركام. ومع استمرار الحرب، وجدت إثيوبيا، المدعومة من الولايات المتحدة، نفسها تحت تدقيق دولي متزايد بسبب تدخلها العسكري في الصومال، وسط تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب من مختلف أطراف النزاع.
لا تزال ذكريات الطفولة الممزقة بالحرب تطارد يوسف علي... بعدما وجد نفسه، وهو لم يتجاوز سن المراهقة، جندياً طفلاً يقاتل في شوارع العاصمة الصومالية
في نهاية المطاف، انسحب الجيش الإثيوبي، لكن المسلحين الإسلاميين الذين بقوا خلفه سرعان ما انقسموا، وانقلب بعضهم على بعض. وانضم فصيل أكثر اعتدالا إلى الحكومة المؤقتة في مواجهة المتشددين.
عند تلك اللحظة، وجد علي نفسه أمام مفترق طرق، متسائلا عما إذا كانت تلك الحرب تستحق كل ما دفعه من ثمن. يقول: "بعض الرجال الذين قاتلت إلى جانبهم أصبحوا الآن يقاتلون رفاقهم السابقين". ويضيف: "كانت أمي وإخوتي يريدون لي حياة أفضل. وكذلك كان عمي، الذي حث عائلتي على السماح لي بالذهاب إلى جنوب أفريقيا والعيش معه، كي أبدأ من جديد".
في عام 2009، هُرّب علي برا إلى جوهانسبرغ، حيث أمضى خمس سنوات يعمل في متجر عمه، غير أن هجمات كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا، التي كثيرا ما استهدفت متاجر يملكها أجانب، دفعته في النهاية إلى العودة إلى مقديشو.
عاد ليجد مدينة تحاول النهوض من تحت الركام؛ مطار يعمل، وطرقات معبّدة تصطف على جوانب بعضها مطاعم، وإنارة شوارع تبقي أحياء كانت مرعبة في السابق مضاءة بعد حلول الظلام. لكن هذا التعافي العمراني لم ينعكس على المشهد السياسي، الذي ظل غارقا في الفوضى.
فقد تحولت حركة الشباب إلى جماعة مسلحة قوية ومتشددة، تسيطر على مساحات واسعة من البلاد خارج مقديشو، وتفرض هناك تفسيرا صارما للإسلام، شمل قيودا مشددة على اللباس وحظرًا للموسيقى.
داخل العاصمة، امتلكت الحركة شبكة واسعة من المخبرين، ونفذت اغتيالات موجّهة ومتكررة ضد العاملين مع الحكومة الناشئة، المدعومة من المجتمع الدولي وقوة تابعة للاتحاد الأفريقي. يقول علي: "لم يكن أحد يثق بالآخر. لم يكن أحد يجرؤ على الحديث في السياسة علنا. كان يمكن لجيرانك أنفسهم أن يتجسسوا عليك من دون أن تعرف".
مع مرور السنوات، بدأ علي يشعر بأنه يتحمل نصيبا من المسؤولية عما أصاب مجتمعه. يقول: "قاتلنا دفاعًا عن بلدنا وشعبنا وديننا، لكننا لم نفعل إلا أن جعلنا الأمور أسوأ عليهم بعد كل هذه السنوات".
واليوم، رغم أنه متزوج ولديه ابن في الرابعة من عمره، لا تزال مشاهد المعارك تطارده. يقول: "ما زلت أتعرف على بعض المنازل التي أطلقت منها النار، وأتساءل إن كانت العائلة التي تعيش هناك الآن تعرف شيئًا عن بقع الدم التي غطت منزلها ذات يوم".
لم يتلقَّ علي أي مشورة نفسية أو مساعدة متخصصة تساعده على تجاوز ما عاشه في سنوات القتال. والأمر نفسه ينطبق، كما يقول، على جنود أطفال سابقين يعرفهم، انزلق بعضهم لاحقًا إلى إدمان المخدرات. يقول: "في الصومال، لا نتحدث عن مشكلاتنا". ويضيف: "أحاول أن أجد السلام من خلال الصلاة. نصلي ونحتفظ بالأشياء لأنفسنا. هذه هي الثقافة هنا، وهي السبب في أن كثيرًا من الناس يتألمون، لكن معظمهم لا يدركون ذلك".
كان ذلك الحماس كافياً لجذبه إلى صفوف المقاومة... وبحلول السادسة عشرة من عمره، وجد علي نفسه عائداً إلى مقديشو، يقاتل في شوارعها إلى جانب مقاتلين صغار آخرين
يرى إلياس آدم، المستشار القانوني في مجال حقوق الإنسان لدى ائتلاف المدافعين الصوماليين عن حقوق الإنسان، أن هذا الألم النفسي منتشر على نطاق واسع بين الشباب الصوماليين. ويقول إن "تطبيع العنف في بعض المناطق يعني أن الصدمة غالبًا لا يُعترف بها ولا تُعالج، ما يجعلها أزمة صامتة لكنها متفشية". ويضيف آدم: "حين تُطبّع الصدمة، لا يدرك الأفراد في كثير من الأحيان أنهم بحاجة إلى المساعدة. وما يزيد الأمور تعقيدًا هو الحواجز الثقافية، حيث لا تُناقش الصحة النفسية علنًا". وبحسب آدم، فإن اضطراب ما بعد الصدمة قد يكون مُنهكًا بقدر القتال نفسه. ويقول إن آثاره طويلة الأمد قد تشمل أمراضا نفسية مزمنة، وعزلة اجتماعية ووصما، فضلا عن ارتفاع خطر إعادة التجنيد أو الانخراط مجددًا في العنف.
أشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية في 2021 إلى أن خدمات الصحة النفسية في الصومال شبه معدومة، وأن البلاد تفتقر إلى خدمات مجتمعية في هذا المجال. وبعد ذلك بعامين، نُقل عن مسؤول في المنظمة قوله إن الصومال بأكمله لا يضم سوى 82 متخصصًا في الصحة النفسية.
لا تزال الجماعات المسلحة تجند الأطفال في الصومال، إذ سجلت الأمم المتحدة أكثر من 2800 حالة بين عامي 2021 و2024. وكان استخدام الأطفال في القتال، وبعضهم لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات، يتم أساسا على يد حركة الشباب، التي لا تزال تُعد من أكثر فروع تنظيم القاعدة فاعلية، غير أن تقرير الأمم المتحدة رصد أيضا 101 حالة تجنيد في صفوف القوات الحكومية.
يقول مرسل خليف، عضو البرلمان ورئيس وحدة حماية الطفل في وزارة الدفاع، إن الجهود الرامية إلى وقف هذا التجنيد تواجه أحيانا مقاومة، إذ "كان البعض ينظر إليها حتى على أنها أجندة غربية". لكنه يشير إلى أن الأمور تتحسن ببطء، بفضل مبادرات من بينها المدارس المهنية المخصصة للجنود الأطفال السابقين.
لكن في حي هوريوا "Huriwaa"، حيث عاد علي ليعيش مع عائلته، لا تكاد توجد خدمات حكومية. فالحي لا يزال يثير الخوف في نفوس كثيرين، بعدما كان في السابق معقلا لحركة الشباب، ونادرا ما يدخل المسؤولون الحكوميون وموظفو المنظمات الدولية إلى المنطقة، وإن فعلوا، فدائما تحت إجراءات أمنية مشددة.
مع حلول الغروب، يعلو صوت الأذان بينما يتجه علي إلى مسجده المحلي، وهو المكان نفسه الذي شهد مداهمة دامية نفذتها القوات الإثيوبية عام 2008، حين احتجزت 41 طفلا كان يُشتبه في أنهم يتدربون لصالح المتمردين. وبعد موجة استنكار واسعة، أُطلق سراح الأطفال جميعا، لكن المسجد ظل، بالنسبة إلى علي، شاهدًا على فظائع الماضي، وعلى ما يواصل الشعب الصومالي تحمله، في بلد تبدو فيه حلقة العنف بلا نهاية.
لا تزال الحكومة الصومالية تقاتل حركة الشباب، فيما تبادلت القوات الحكومية ومقاتلو المعارضة هذا الأسبوع إطلاق النار في مقديشو، وسط خلاف بشأن الانتخابات المؤجلة. يقول علي: "لا يزال القتال مستمرًا، والناس يعانون، وبعد عقدين من الزمن، ما زال الصومال ساحة لتدخلات عسكرية خارجية متزايدة، مع وجود قوات من دول أكثر من أي وقت مضى".