تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

مجلس حقوق الإنسان يقرّ مهمة تحقيق في جرائم الفاشر… خطوة أولى نحو المحاسبة

15 نوفمبر, 2025
الصورة
مجلس حقوق الإنسان يقرّ مهمة تحقيق في جرائم الفاشر… خطوة أولى نحو المحاسبة
جنيف، الدورة الستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. © محمد إقبال أرسلان/وكالة الأناضول عبر غيتي إيمجز.
Share

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الجمعة، قرارًا يدعو إلى فتح تحقيق عاجل في الانتهاكات الجسيمة المبلَّغ عنها في مدينة الفاشر ومحيطها بشمال دارفور، بعد أسابيع على سيطرة قوات «الدعم السريع» على المدينة وتدفّق تقارير عن إعدامات وقتية، عنف جنسي واسع، واستهدافٍ قائم على الهوية. القرار، الذي أُقرّ دون تصويت، يمنح بعثة تقصّي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان تفويضًا محددًا بفحص الوقائع الأخيرة وتحديد المسؤولين المحتملين، مع طلب تحديث شفهي قبل الدورة المقبلة وتقرير مُفصّل في الدورة اللاحقة.

ينصّ القرار على إدانة واضحة للاعتداءات في الفاشر، ويطالب بإتاحة وصول إنساني غير مقيّد وحماية أفضل للمدنيين المحاصَرين. كما يشجّع على التعاون القضائي الدولي، بما في ذلك مع المحكمة الجنائية الدولية، في ضوء تراكُم أدلة مفتوحة المصدر وصور أقمار صناعية وتقارير طبية وإنسانية تُشير إلى نمطٍ منهجي من الجرائم. خلال الجلسة الخاصة، قدّمت وفودٌ إقليمية ودولية مداخلات حذّرت من أثر الانتهاكات على الاستقرار الإقليمي، ودعت إلى وقف فوري لأعمال القتل والاستهداف العِرقي، وتفكيك أسباب الإفلات من العقاب التي غذّت دوّامة العنف في دارفور منذ سنوات

ووفق ما نُشر عقب الجلسة، شدّد مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان على أن ما يجري في الفاشر «اختبارٌ لإرادة المجتمع الدولي»، مطالبًا الدول ذات النفوذ بالضغط لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين ووقف تغذية أطراف النزاع بالسلاح. كما جدّد التحذير من أن التأخّر في حفظ الأدلة وتمكين الوصول إلى مواقع الجرائم قد يُبدد فرص المحاسبة لاحقًا.

يأتي التفويض الأممي فيما تواصل تقارير مستقلة كشف معالم ما حدث في المدينة عقب سقوطها؛ إذ وثّقت تحليلات صور الأقمار الصناعية ومصادر التحقق البصري وجود جثامين في محيط مستشفى «السعودي» وجامعة الفاشر ومواقع أخرى، مع دلائل على حفر مقابر جماعية قرب الساتر الترابي المحيط بالمدينة. هذه المعطيات—التي تمّ التحقّق من إحداثياتها—تتقاطع مع شهادات ناجين تحدّثوا عن إعدامات ميدانية وقتل مدنيين حاولوا الفرار.

من جانبها، رحّبت وفودٌ عديدة بالتفويض وعدّته خطوة أولى نحو المساءلة، فيما جادل ممثلو دولٍ أخرى ضد «تسييس الملف»، مع نفيٍ متبادلٍ للاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لأطراف القتال. في مداخلتها خلال «حق الرد»، رفضت دولة خليجية اتهامات دعم «الدعم السريع»، بينما دعت وفودٌ أفريقية إلى وقف كل أشكال التدخل التي تُغذّي الحرب وإلى احترام القانون الدولي الإنساني.

عمليًا، يفرض القرار على بعثة التقصّي إعداد خطة انتشار سريعة، تشمل ترتيبات للوصول الآمن وجمع الشهادات وحماية الشهود والسجلات الرقمية، مع تنسيق وثيق مع وكالات الأمم المتحدة والآليات الإقليمية. وسيُقاس أثر التفويض بقدرة البعثة على جمع الأدلة القابلة للاستخدام القضائي، وتحديد سلاسل القيادة، وربط الوقائع بمسؤولين بعينهم، بما يتيح إحالة ملاحقاتٍ محتملة أمام محاكم وطنية أو دولية. كما يشجّع القرار على توظيف أدوات التوثيق الحديثة مثل التتبّع الجغرافي للمقاطع المصوّرة وسجلات الاتصالات لفكّ الالتباس حول زمن ومكان وقوع الجرائم المبلغ عنها.

يبقى الوصول الإنساني أولويةً لا تقلّ إلحاحًا عن التقصّي. فالمدينة ومحيطها شهدا نزوحًا كثيفًا وإغلاقًا لمعابر الإمداد، فيما تتواصل نداءات وكالات الإغاثة لفتح ممرات آمنة وتثبيت هدنة إنسانية تمكّن من إدخال الغذاء والدواء وإجلاء المصابين. وتؤكد منظمات دولية أنّ ربط المساءلة بإنفاذ حمايةٍ فورية للمدنيين خطوةٌ ضرورية لقطع حلقة العنف—إذ إن استمرار الإفلات من العقاب يُنتج جرائم جديدة كما تظهر تجارب دارفور المتكررة.

لكن سياسيًا، يمنح القرارُ الأطرافَ الداعمة للمحاسبة أداة ضغطٍ جديدة في المجلس وخارجه، لكنه لا يُغني عن أدواتٍ موازية مل عقوباتٌ محددة على المعرقلين والجهات الممولة للقتال، ودفعٌ حقيقي نحو وقفٍ للنار، وخطةٌ لإزالة أسباب التطرّف المسلح في الإقليم. فبدون مسارٍ متكاملٍ يجمع العدالة والردع والحماية، سيظل التفويض الأممي خطوةً لازمة لكنها غير كافية لوقف المأساة.

في الخلاصة، تفتح خطوة مجلس حقوق الإنسان نافذةً للمحاسبة عبر تفويض تقصّي حقائق محدّد المهام، لكن أثرها سيُقاس بما إذا كانت ستُعيد للضحايا صوتهم في سجلٍ قضائي موثوق، وتدفع المانعين إلى كلفة سياسية وقانونية ملموسة، وتواكبها إجراءات إنسانية على الطريق نفسه الذي يُساق فيه اليوم الناجون والنازحون.