لا تبدو الخطوة السعودية - السودانية الأخيرة مجرد إعادة ترتيب إجرائي للعلاقات الثنائية، ولا يمكن في الوقت نفسه قراءتها باعتبارها إعلانا عن تحالف سياسي أو أمني مكتمل الأركان. فتوقيع وزيرَي الخارجية السعودي والسوداني، في الرياض في 17 أغسطس/آب 2026، اتفاق إنشاء مجلس التنسيق السعودي - السوداني يضع العلاقات بين البلدين في إطار مؤسسي أكثر اتساعاً، يفترض أن يغطي عشرة مجالات رئيسية، من بينها السياسة والاقتصاد والاستثمار والتجارة، فيما أشار وزير الخارجية السوداني إلى أن الأمن والدفاع والاقتصاد وأمن البحر الأحمر ستكون من أبرز أولويات المجلس.
تكتسب الخطوة أهميتها من السياق الذي جاءت فيه، فالسودان لا يزال يعيش تداعيات حرب دخلت عامها الرابع، فيما تتداخل أزمته الداخلية مع إعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي المقابل، تنظر السعودية إلى البحر الأحمر بوصفه مجالاً استراتيجياً يمس أمنها البحري والتجاري، بينما تتنافس دول المنطقة على النفوذ في الساحل السوداني وموانئه وحدوده وموارده. ومن ثم، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالمجلس في حد ذاته، وإنما بما يمكن أن يكشفه هذا الإطار المؤسسي عن المصالح المتقاطعة بين الرياض والخرطوم، وعن موقع السودان في الحسابات الإقليمية المقبلة.
لم يبدأ المسار الحالي في أغسطس/آب 2026، ففي شهر مارس/آذار من العام الماضي اتفق السودان والسعودية على إنشاء مجلس للتنسيق، قبل أن يعاد تشكيل المجلس بقرار سوداني في يناير/كانون الثاني 2026 عقب لقاء رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. أما التطور الأحدث، في أغسطس/آب الجاري، فنقل الفكرة إلى مستوى أكثر رسمية من خلال توقيع اتفاق إنشاء المجلس وتحديد مجالات عمله.
تشير هذه التطورات إلى رغبة مشتركة في الانتقال من العلاقات الثنائية التقليدية إلى آلية أكثر انتظاما، لإدارة الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية. لكن بناء المؤسسات الثنائية لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى السياسية. فالمؤسسات قد تكون أيضاً وسيلة لإدارة الاختلافات، وتنظيم المصالح، ومنع تحول الملفات الخلافية إلى أزمات مفتوحة. وهنا تحديداً تكمن أهمية المجلس الجديد.
تحتاج السعودية إلى سودان مستقر وموحد وقادر على حماية حدوده وسواحله وموانئه، ليس فقط بسبب الجوار البحري، وإنما لأن استقرار السودان يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وبشبكات التجارة والهجرة والأمن الإقليمي. في المقابل، يحتاج السودان إلى علاقات اقتصادية وسياسية واسعة تساعده على التعامل مع آثار الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والبنية التحتية. لكن التشابه في المصالح لا يعني التطابق في الأولويات.
فالسلطة السودانية تنظر إلى استعادة السيطرة على البلاد باعتبارها هدفاً مركزياً، وتؤكد في خطابها استمرار الحرب ضد قوات الدعم السريع، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام ما تصفه بمبادرات السلام الجادة. في 15 أغسطس/آب، قال البرهان إن الجيش ماضٍ في القتال، لكنه لا يغلق الباب أمام مبادرات حقيقية لإنهاء الحرب، مع رفضه أي تسوية تعيد قوات الدعم السريع إلى السلطة أو المشاركة فيها. أما السعودية، فقد أكدت في مناسبات مختلفة أن أولوياتها في السودان تشمل الاستقرار ووقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم حل سياسي سوداني – سوداني. وقد تتفق الرياض والخرطوم على ضرورة الحفاظ على الدولة السودانية، لكنهما تختلفان في تعريف الطريق الذي يقود إلى الاستقرار.
بناء المؤسسات الثنائية لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى السياسية. فالمؤسسات قد تكون أيضاً وسيلة لإدارة الاختلافات، وتنظيم المصالح، ومنع تحول الملفات الخلافية إلى أزمات مفتوحة
تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في الفصل بين الدولة والسلطة التي تدير مؤسساتها في ظروف الحرب. فدعم وحدة السودان ومؤسساته وسيادته لا يعني بالضرورة تبني كل خيارات السلطة السياسية والعسكرية القائمة. وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع الحكومة القائمة لا يعني تلقائيا منحها تفويضا مفتوحاً لتحديد شكل الدولة بعد الحرب، فهذه المسافة مهمة بالنسبة إلى السعودية تحديدا.
تستطيع الرياض، أن تحافظ على علاقات وثيقة مع مؤسسات الدولة السودانية، وأن تدعم الجيش ومؤسساتها الرسمية في مواجهة مخاطر التفكك، من دون أن يعني ذلك أنها تتبنى بالضرورة كل خيارات السلطة العسكرية أو تعتبر استمرار الحرب الطريق الوحيد لإعادة بناء الدولة. الاختبار الفعلي للعلاقة في المرحلة المقبلة هو هل تستطيع السعودية الجمع بين دعم مؤسسات الدولة السودانية وبين الدفع نحو تسوية سياسية تمنع تحول الانتصار العسكري إلى صيغة دائمة للحكم؟
من المهم أيضاً عدم تحميل المجلس أكثر مما يحتمل، فالإعلان الرسمي عن المجلس يركز على إطار مؤسسي واسع للتعاون، وليس على إنشاء تحالف عسكري. صحيح أن وزير الخارجية السوداني وضع الأمن والدفاع ضمن الأولويات، إلى جانب الاقتصاد والبحر الأحمر. لكن ذلك لا يكفي وحده للقول إن الرياض تتجه إلى التزام أمني مباشر في الحرب السودانية.
في القراءة الأكثر حذراً نجد أن السعودية تحاول توسيع قدرتها على إدارة ملفات متعددة في آن واحد، وهي العلاقة مع الحكومة السودانية، وأمن البحر الأحمر، والاستثمار، والتجارة، وإعادة الإعمار، والبحث عن مسار قابل للحياة لإنهاء الحرب. وهذه المقاربة تتسق مع طبيعة السياسة السعودية الحالية التي تحاول حماية مصالحها الاستراتيجية من دون الانجرار إلى أزمات إقليمية مفتوحة طويلة الأمد.
يكتسب المجلس وزنا أكبر إذا وضع في سياق التحولات المتسارعة في البحر الأحمر، فالسعودية تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه جزءاً مباشراً من أمنها الوطني ومشروعاتها الاقتصادية والتجارية. والسودان يمتلك ساحلاً طويلاً وموانئ وموارد وأراضي زراعية ومعدنية، فضلاً عن موقع جغرافي يصل القرن الأفريقي بالشرق الأوسط.
لكن البحر الأحمر لم يعد مجالاً ثنائياً بين السعودية والسودان، فمصر وإرتريا وإثيوبيا والإمارات وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية والدولية تملك، بدرجات مختلفة، مصالح وحسابات في هذا المجال. كما أن التصعيد الأخير في البحر الأحمر نفسه يعيد التأكيد على هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بالساحل؛ إذ تواجه السعودية مخاطر أمنية مرتبطة بتصاعد نشاط الحوثيين، واستهدافهم مناطق ومصالح على البحر الأحمر. وفي هذه البيئة، يصبح السودان جزءا من معادلة أمنية أوسع من حدوده الوطنية.
أعادت الحرب السودانية تعريف قيمة شرق البلاد، فبورتسودان أصبحت مركزاً للحكومة والبعثات الدبلوماسية والنشاط الدولي خلال الحرب، بينما تحول الساحل السوداني إلى نقطة أكثر أهمية في الحسابات الإقليمية. وفي 14 أغسطس/آب، قدم السفير السعودي الجديد لدى السودان زيد الحربي أوراق اعتماده في القصر الجمهوري بالخرطوم، في خطوة حملت دلالة إضافية على عودة النشاط الدبلوماسي إلى العاصمة، رغم استمرار الحرب والتهديدات الأمنية.
من منظور سعودي، يمثل استقرار الساحل السوداني مصلحة استراتيجية. ومن منظور سوداني، يمكن للاستثمار في الموانئ والزراعة والبنية التحتية أن يمثل مورداً مهماً لإعادة بناء الاقتصاد. لكن المعادلة تحمل جانباً آخر، كلما زادت أهمية شرق السودان الاقتصادية والأمنية، زادت أيضاً قابلية المنطقة لأن تصبح مجالاً للتنافس الإقليمي، خصوصاً في ظل ضعف مؤسسات الدولة المركزية وتعدد القوى المحلية المسلحة والسياسية.
يصعب تحليل مستقبل شرق السودان من دون إدخال إرتريا في الحسابات، فأسمرا تتعامل مع شرق السودان باعتباره جزءاً من بيئتها الأمنية المباشرة. وهي معنية، قبل أي شيء، بمنع نشوء ترتيبات على حدودها يمكن أن تتحول إلى تهديد أمني مباشر. لكن علاقات إرتريا مع إثيوبيا تجعل الحساب أكثر تعقيداً. فقد اتهمت أديس أبابا أسمرا في فبراير/شباط 2026 بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما تتوتر العلاقات بين البلدين منذ نهاية حرب تيغراي، وسط خلافات مرتبطة أيضاً بالوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. وهذا يعني أن شرق السودان لا يمكن عزله عن معادلة إثيوبيا / إرتريا، فأي تغير كبير في العلاقة بين البلدين سينعكس، بدرجات مختلفة، على السودان، ولا سيما على الحدود الشرقية وممرات التجارة وحركة اللاجئين والقوى المسلحة.
الاختبار الفعلي للعلاقة في المرحلة المقبلة هو هل تستطيع السعودية الجمع بين دعم مؤسسات الدولة السودانية وبين الدفع نحو تسوية سياسية تمنع تحول الانتصار العسكري إلى صيغة دائمة للحكم؟
جاءت التطورات الأخيرة في شمال إثيوبيا -غرب تيغراي- لتضيف بعداً جديداً إلى هذه المعادلة. ففي الأول من أغسطس/آب الجاري اندلعت مواجهات بين القوات الفدرالية الإثيوبية وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في منطقة شيررينا قرب الحدود السودانية، في واحدة من أخطر خروقات اتفاق بريتوريا الذي أوقف الحرب الإثيوبية- التيغراوية في 2022، قبل أن يتجدد القتال، ويمتد على منطقة واسعة من حُمرا إلى شيررينا، حيث تم استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة، بينما عبر مدنيون ومقاتلون جرحى إلى السودان، قبل أن يعود الهدوء النسبي إلى المنطقة الحدودية في الأيام التالية.
أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى السودان ليست فقط في احتمال انتقال الحرب الإثيوبية إليه مباشرة، وإنما في احتمال إعادة تنشيط بيئة أمنية عابرة للحدود تشمل النزوح والتهريب وحركة السلاح والجماعات المسلحة، وقد سبق أن وصلت تداعيات القتال إلى الجانب السوداني، مع سقوط مقذوفات داخل مخيمات للاجئين وسقوط ضحايا، وفق السلطات السودانية. وبالتالي، فإن استقرار شرق السودان لم يعد مرتبطاً بالحرب السودانية وحدها.
تراقب مصر الترتيبات السعودية في السودان من زاوية مختلفة. فالقاهرة معنية مباشرة بوحدة السودان واستقراره، وبأمن الحدود، والهجرة، وأمن البحر الأحمر، وبالطبع بتداعيات الأزمة السودانية على ملف مياه النيل. ومن الطبيعي أن ترى مصر في استقرار السودان مصلحة مشتركة مع السعودية، لكنها قد تتحسس من أي ترتيبات إقليمية جديدة تعيد توزيع النفوذ في الموانئ أو الموارد الاستراتيجية. أما إثيوبيا فتملك حسابات مختلفة، ترتبط بحدودها مع السودان، وبمنطقة الفشقة، وبأمنها الداخلي، وبالمياه، وبطموحها الاستراتيجي للوصول إلى البحر الأحمر، وهكذا يمكن أن تتقاطع المصالح السعودية والمصرية في بعض الملفات، وتتباعد في ملفات أخرى، فيما تتعامل إثيوبيا مع أي تحول في الساحل السوداني وفق حسابات أمنها القومي وطموحاتها الإقليمية.
الاقتصاد هو المجال الأكثر قابلية لتحويل العلاقة السعودية- السودانية إلى شراكة فعلية، فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وساحلاً وموانئ وأراضي واسعة، بينما تمتلك السعودية رأس المال والخبرة الاستثمارية والقدرة على تنفيذ مشروعات واسعة النطاق. وقد أشار وزير الخارجية السوداني إلى فرص التكامل بين القدرات السعودية والموارد السودانية، وهو ما يضع الاقتصاد في قلب أهداف المجلس الجديد، لكن الاستثمار في بلد يعيش حرباً ليس مسألة اقتصادية محضة، فالسؤال عن ملكية الأراضي والموانئ والتعدين والزراعة والطاقة والبنية التحتية، يرتبط مباشرة بمسألة توزيع السلطة والثروة بعد الحرب. وإذا جرت الاستثمارات في ظل مؤسسات مستقرة وقواعد قانونية واضحة، فقد تصبح رافعة حقيقية لإعادة بناء السودان، أما إذا تمت في ظل تعدد مراكز القوة وضعف الدولة، فقد تتحول بعض الأصول الاستراتيجية إلى مصادر جديدة للتنافس السياسي والأمني.
يصعب اختزال الموقف السعودي في هدف واحد، فالرياض تريد سوداناً مستقراً، لكنها تريد أيضاً حماية البحر الأحمر. وتريد الحفاظ على علاقاتها مع مؤسسات الدولة السودانية، لكنها لا تبدو معنية بتحمل تكلفة حرب مفتوحة إلى أجل غير مسمى. كما أن لديها مصلحة في منع السودان من التحول إلى ساحة دائمة للتنافس بين القوى الإقليمية، لأن ذلك سيعني استمرار عدم الاستقرار على الضفة المقابلة للبحر الأحمر.
تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في الفصل بين الدولة والسلطة التي تدير مؤسساتها في ظروف الحرب. فدعم وحدة السودان ومؤسساته وسيادته لا يعني بالضرورة تبني كل خيارات السلطة السياسية والعسكرية القائمة
يمكن تفسير السياسة السعودية باعتبارها محاولة للموازنة بين ثلاثة أهداف هي الحفاظ على الدولة السودانية، حماية المصالح السعودية، وتجنب التورط المباشر في صراع السلطة السوداني. والنجاح في تحقيق هذه المعادلة لن يكون سهلاً.
بالنسبة إلى الحكومة السودانية، يوفر المجلس فرصة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع دولة ذات وزن إقليمي كبير، وفتح قنوات للاستثمار وإعادة الإعمار، وتثبيت العلاقات الرسمية مع الرياض. كما أن وجود إطار مؤسسي للعلاقة قد يساعد الحكومة السودانية في جذب استثمارات ومشروعات تحتاج إليها البلاد بشدة. لكن الرهان على المجلس باعتباره وسيلة لتثبيت شرعية سياسية نهائية سيكون أكثر تعقيداً، فالعلاقات الثنائية لا تستطيع وحدها حل أزمة الشرعية الداخلية، ولا يمكن للاستثمار الخارجي أن يعوض غياب التسوية السياسية. وكلما طال أمد الحرب، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً هل تستطيع السلطة التي تدير الدولة خلال الحرب أن تقود وحدها مرحلة ما بعد الحرب؟
أكبر مصدر محتمل للتباين بين الرياض والخرطوم هو تعريف كلمة «الاستقرار»، فإذا كان الاستقرار يعني بالنسبة إلى السلطة السودانية استعادة السيطرة العسكرية الكاملة ثم إعادة بناء النظام السياسي من موقع المنتصر، يختلف هذا التعريف عن المقاربة السعودية التي تركز على وقف الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة والوحدة الوطنية وإيجاد تسوية سياسية. لكن ليس بالضرورة أن يقود هذا الاختلاف إلى أزمة بين البلدين، فالرياض قد تستمر في التعاون مع الحكومة السودانية وفي الوقت نفسه تشجع مساراً سياسياً أوسع. لكن إذا أصبح التعاون الاقتصادي والأمني مرتبطاً حصراً بنتائج الحرب العسكرية، فقد تتعقد العلاقة، لأن السعودية ستجد نفسها أمام خيار صعب بين دعم سلطة قائمة وبين حماية مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى.
المشكلة الأوسع أن السودان يدخل هذه المرحلة وهو محاط ببيئة إقليمية شديدة السيولة، في الشرق توجد إرتريا وإثيوبيا ومصالح البحر الأحمر. وفي الشمال، توجد مصر. وعلى الساحل، تتقاطع مصالح السعودية وقوى إقليمية ودولية متعددة. وفي الغرب والجنوب الغربي تمتد تأثيرات الحرب الليبية والتشادية ومسارات السلاح والمقاتلين والهجرة. وفي الداخل ما زالت الدولة تعاني من تعدد مراكز القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية.
لهذا فإن الخطر الأكبر في أن تصبح الدولة نفسها مجالاً لتقاطع نفوذ متعدد الأطراف، أكثر التدخل الخارجي المباشر، عندها قد تبقى الحدود الدولية كما هي، وتبقى الدولة عضواً في المجتمع الدولي، بينما تتوزع وظائف الأمن والاقتصاد والتجارة والنفوذ السياسي بين أطراف مختلفة.
إذا نجحت السعودية والسودان في تحويل المجلس إلى منصة لإعادة بناء المؤسسات، ودعم الاقتصاد، وتطوير الموانئ والبنية التحتية، وربط الاستثمار بإصلاح الدولة والاستقرار السياسي، فقد يصبح المجلس أداة مهمة في مرحلة ما بعد الحرب. أما إذا أصبح المجلس مجرد إطار لتوسيع التعاون مع سلطة الحرب دون معالجة جذور الأزمة، فقد تظل الشراكة محدودة التأثير في منع تفكك البيئة السياسية والأمنية. وفي المقابل، فإن انخراط السعودية بصورة أوسع في السودان لا يعني بالضرورة إقصاء القوى الإقليمية الأخرى. فاستقرار السودان يحتاج إلى تفاهمات مع مصر وإثيوبيا وإرتريا، وإلى مقاربة أوسع للبحر الأحمر، وليس إلى استبدال محور إقليمي بمحور آخر. هذه هي المسألة التي ستحدد مستقبل العلاقة السعودية- السودانية.
أي دولة ستخرج من الحرب؟ هذا هو السؤال المهم الموازي لسؤال من سينتصر في الحرب السودانية؟ فإذا خرج السودان بدولة موحدة تحتكر السلاح وتدير الحدود والموارد والعلاقات الخارجية عبر مؤسسات وطنية، فإن الشراكات الخارجية -بما فيها الشراكة السعودية- يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة البناء. أما إذا خرجت البلاد بشبكة من مراكز القوة المسلحة، واقتصادات حرب، ومناطق نفوذ، وعلاقات خارجية متباينة، فإن أي استثمار أو ترتيب أمني جديد سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع واقع أكثر تعقيداً.
فإن أهمية مجلس التنسيق السعودي- السوداني في الكيفية التي سيتعامل بها مع سؤال الدولة السودانية نفسها، أكثر من عدد الاتفاقيات التي يمكن أن ينتجها. الواقع أن السعودية لا تستطيع وحدها إنهاء الحرب، كما أن السودان لا يستطيع تجاهل مصالح جيرانه وشركائه في البحر الأحمر، لكن الطرفين يستطيعان، بدرجات مختلفة، التأثير في الاتجاه الذي ستسلكه البلاد. وفي هذه اللحظة، تبدو الأولوية الأكثر واقعية هي الفصل بين دعم السودان ودعم استمرار الحرب، وبين الحفاظ على مؤسسات الدولة وبين تكريس وضع سياسي أنتجته الحرب، فالسودان لا يحتاج إلى حزام أمني جديد يضاف إلى الأحزمة المحيطة به، بقدر حاجته إلى دولة قادرة على إدارة أمنها وحدودها ومواردها وعلاقاتها الخارجية بنفسها.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للمجلس الجديد لن يكون في البيانات السياسية ولا في حجم الاستثمارات وحده، وإنما في قدرته على الإسهام في الانتقال من إدارة أزمة السودان إلى معالجة جذورها. ذلك أن الخطر الأكبر على السودان ليس أن يصبح حليفاً لهذه القوة الإقليمية أو تلك، وإنما أن يتحول إلى مساحة تتنافس فيها القوى الخارجية بينما تتآكل قدرة الدولة على تحديد مصالحها بنفسها. وفي النهاية لن يكون السؤال الحاسم: من يملك النفوذ الأكبر في السودان؟ بل هل يستعيد السودان القدرة على امتلاك قراره؟