السبت 14 مارس 2026
صعّد مجلس المستقبل الصومالي، وهو تكتل معارض واسع يضم قيادات من ولايات اتحادية وشخصيات سياسية بارزة، موقفه من مسار التعديل الدستوري في الصومال، معلنا رفضه ما وصفه بـ"التعديلات الأحادية" على الدستور المؤقت، ومطالبا بإجراء فوري لانتخابات الولايات الأعضاء وفقا لدساتيرها المحلية ومبادئ النظام الفيدرالي. وقال المجلس أيضا إنه يعتزم عقد "قمة إنقاذ وطني" في 10 أبريل/نيسان، بعد تعثر التفاهم مع الحكومة الفيدرالية بشأن ترتيبات الانتخابات المقبلة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تؤكد فيه الحكومة الفيدرالية أنها ماضية في تنظيم انتخابات "دستورية وشاملة وشفافة"، وأن المشاورات التي جرت في فيلا صوماليا استهدفت التوافق على لجنة استشارية للانتخابات، وجدول زمني لانتخابات الولايات، وقمة وطنية أوسع في أبريل 2026. كما تتمسك الحكومة بأن أي إصلاح، بما في ذلك الانتقال إلى نظام "شخص واحد، صوت واحد"، يجب أن يتم داخل إطار الدستور والقوانين النافذة، مع إبقاء باب الحوار مفتوحا أمام القوى السياسية
والخلاف هنا لا يدور فقط حول موعد الاقتراع، بل حول قواعد العملية السياسية نفسها. فالدستور الصومالي المؤقت لعام 2012 ينص على أن الدولة تقوم على مستويين للحكم: الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، كما يشدد على ضرورة التشاور مع الولايات في القرارات المتعلقة بالنظام الفيدرالي. وتنص المادة 60 على أن مدة البرلمان أربع سنوات، بينما تضع المادة 132 مسارا محددا لتعديل الدستور يشمل لجنة مشتركة، ونقاشا عاما، وإدماج ملاحظات الولايات عندما تمس التعديلات مصالحها، ثم تصويتا نهائيا بأغلبية الثلثين في المجلسين. ولهذا يرى معارضو الحكومة أن جوهر الأزمة ليس سياسيا فقط، بل إجرائي ودستوري أيضا.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى مارس/آذار 2024، عندما أقر البرلمان تعديلات على الفصول الأربعة الأولى من الدستور. ووفق وكالة الأنباء الوطنية الصومالية، شملت تلك التعديلات الانتقال من انتخاب الرئيس عبر البرلمان إلى انتخابه مباشرة من السكان، مع منحه سلطة تعيين رئيس الوزراء. لكن هذه الخطوة فجرت اعتراضات حادة، إذ أعلنت بونتلاند أنها ستتصرف بصورة مستقلة عن الإطار الفيدرالي إلى أن تُعرض التغييرات الدستورية على استفتاء وطني تشارك فيه الولاية. كما اعتبر منتقدون أن هذه التعديلات تميل إلى تركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية.
وتعمق الانقسام مجددا مطلع عام 2026، بعدما شهدت جلسة مشتركة للبرلمان في يناير/كانون الثاني اشتباكات وفوضى عند محاولة الدفع بتعديلات جديدة على خمسة فصول أخرى من الدستور. وبحسب أسوشيتد برس، قال نواب معارضون إن المقترحات الجديدة قد تفضي إلى تمديد ولاية البرلمان، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاوف من تكرار أزمة الشرعية التي عرفتها البلاد في 2021. هذا التصعيد البرلماني عزز قناعة المعسكر المعارض بأن مسار التعديل الدستوري يجري من دون توافق سياسي كاف.
في المقابل، تستند الحكومة إلى مسار انتخابي بدأ يتبلور بعد إقرار حزمة قوانين انتخابية وتأسيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود، وهي الجهة التي تقول إن مهمتها ضمان انتخابات حرة ونزيهة. وقد شهدت مقديشو في ديسمبر/كانون الأول 2025 أول اقتراع بلدي مباشر منذ عام 1969، في خطوة اعتُبرت اختبارا أوليا للعودة إلى الاقتراع العام. غير أن المعارضة لا تعترض على مبدأ توسيع المشاركة الشعبية بقدر ما تعترض على تسريع هذا الانتقال من دون توافق سياسي وأمني كامل، وتخشى أن يؤدي فرضه من أعلى إلى أزمة شرعية جديدة بدل أن يفتح الباب أمام استقرار مستدام.
ويشير تسلسل هذه الوقائع إلى أن الأزمة الصومالية لم تعد مجرد سجال قانوني حول نصوص الدستور، بل تحولت إلى صراع سياسي على من يدير المرحلة الانتخابية ويحدد توقيتها وحدودها. وبين إصرار الحكومة على المضي في الاقتراع العام، وتمسك مجلس المستقبل بوقف التعديلات المختلف عليها وإجراء انتخابات الولايات بصورة عاجلة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة لتفادي فراغ مؤسسي جديد في بلد ما تزال فيه ملفات الأمن وبناء الدولة والتوازن بين المركز والولايات شديدة الحساسية.