الأحد 14 ديسمبر 2025
عادة ما يُشار في السرديات التقليدية لنشأة الدولة الحديثة إلى معاهدة ويستفاليا، عام 1648، كعلامة فارقة باعتبارها آخر الحروب الدينية الكبرى في أوروبا، وهي حرب الثلاثين عامًا. ووفقًا لهذا السرد، يُفهم الدور الجوهري للدولة الحديثة بوصفها ضامنة للسلام المدني من خلال مبدأ التسامح الديني. غير أن محمود ممداني، المفكر الأوغندي البارز، يرى أن هذا السرد ذو طابع أوروبي داخلي يتجاهل -إن لم يكن يتغاضى عمدًا- عن الجذور الاستعمارية للمؤسسات الحديثة للدولة. فمعاهدة ويستفاليا، بحسب ممداني، لم تُنهِ فقط النزاعات الدينية الأوروبية، بل مهّدت أيضًا لتوسّعها الكولونيالي خارج القارة، حيث أُدرج "التسامح الديني" في الداخل بوصفه غطاءً لسيادة استعمارية في الخارج. ومن هنا، تلازمت عملية العلمنة الأوروبية مع المشروع العالمي للاستعمار.
في كتابه الأخير "لا مستوطن ولا مواطن"، يقدّم محمود ممداني قراءة تحليلية معمّقة لبنية الدولة الحديثة من منظور كولونيالي، مسلطًا الضوء على ارتباطها الوثيق بمفاهيم الانتماء والجماعة السياسية. ويرى ممداني أن السردية التي تربط نشوء الدولة الحديثة بمعاهدة ويستفاليا تبدأ في وقت متأخر ومُفتعَل. فبدلًا من عام 1648، يعيد تأريخ تشكّل مشروع الدولة الحديثة إلى عام 1492، حيث وقعت فيه حادثتان متزامنتان: من جهة، أقدمت الإمبراطورية الإسبانية على تطهير عرقي استهدف المسلمين واليهود؛ ومن جهة أخرى، بدأت في التوغّل الاستعماري في ما سيُعرف لاحقًا بـ"العالم الجديد".
هاتان الواقعتان تؤسسان، في نظر ممداني، لفهم بديل للحداثة السياسية، بوصفها مشروعًا يقوم على الغزو والسيطرة بقدر ما يقوم على التسامح الديني والعلمنة. ومن هذا المنطلق، تشكّل أحداث عام 1492 لحظة انطلاق للعمليات السياسية والثقافية التي ستتكرّس لاحقًا في أوروبا ما بعد ويستفاليا. فالقومية والاستعمار العالمي، بحسب ممداني، ليسا مسارين منفصلين في مسار الحداثة، بل هما مكونان متلازمان في تشكّلها البنيوي.
يتتبع الكتاب العلاقة البنيوية بين القومية والكولونيالية للكشف عن عنف الدولة الحديثة بوصفه امتدادًا لهذا الإرث الاستعماري. ويتخذ ممداني من الولايات المتحدة نموذجًا للمستعمرة الحديثة، التي ألهمت مشاريع مثل الرايخ الثالث في ألمانيا ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ليبرهن أن فظائع الحداثة متجذرة في عمليات التطهير العرقي منذ 1492. وهو ما يلتقي مع ما ذهب إليه إيمي سيزير قبل سبعين عامًا في خطابه الشهير حول الاستعمار، حين اعتبر أن العنف القومي ليس انحرافًا عن الحداثة، بل جزء بنيويا منها.
وتكمن قوة هذه المساهمة في تحليله المقارن لخمس حالات من الاستعمار الاستيطاني: الولايات المتحدة وألمانيا وجنوب أفريقيا والسودان وإسرائيل. ويرى ممداني أن اختزال العنف القومي في هذه الحالات ضمن مقاربة قضائية جنائية يفشل في إدراك الطابع السياسي لتلك الجرائم. تُعد ألمانيا حالة نموذجية في هذا الصدد؛ فقد اقتصرت محاكمات نورمبرغ على ملاحقة الأفراد، دون تفكيك المؤسسات التي أنتجت النازية ومكنتها من الترسّخ. وعلى العكس من ذلك، تعامل المجتمع المدني في جنوب أفريقيا مع الفصل العنصري بوصفه قضية سياسية، تتطلب بناء نظام سياسي جديد يتجاوز البنى القديمة، لا مجرد محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات.
ورغم ما شاب هذا المسار من تعقيدات وتسويات وصراعات، فإنه يجسّد، في نظر ممداني، الإمكان التحرّري الذي ينطوي عليه مشروع تفكيك الاستعمار، ويكشف عن إمكانية تأسيس جماعة سياسية تتجاوز الحدود التي فرضتها الدولة الكولونيالية.
يختم ممداني كتابه بالدعوة إلى "تفكيك استعمار السياسة"، أي إعادة تصور الجماعة السياسية وآليات السلطة والتمثيل على أسس جديدة. إذ لا يمكن تحقيق العدالة في عالم بُني على الاستعمار دون إعادة بناء المؤسسات التي شكّلت العنف القومي ذاته. "التحدي الذي يواجه المناهضين للاستعمار اليوم"، يقول ممداني: "هو أن نعيد تخيّل الجماعة السياسية خارج التصنيفات الكولونيالية وأن نُصلح السياسات انطلاقًا من هذا التصور".
في هذا السياق، يستعيد تجربة جنوب أفريقيا مجددًا، عبر مفهوم "الناجي" الذي يتجاوز ثنائية "الجلاد/الضحية" في الخطاب الجنائي. فالناجي من العنف الحديث/الاستعماري هو، في هذا التصور، "لا مستوطن ولا مواطن"، وهو ما يُجسّد، وفق تعبير مستلهم من فانون، "القفزة الحقيقية" التي تدمج بين الخلق السياسي والابتكار المفهومي في مشروع تفكيك الاستعمار.
في ربيع عام 2021، أجريتُ هذا الحوار مع محمود ممداني، المدير التنفيذي لمعهد البحوث الاجتماعية في جامعة ماكيريري (كمبالا، أوغندا)، وأستاذ الحكومة في قسم الأنثروبولوجيا والعلوم السياسية وكلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا (نيويورك).
رافاييل فيثكاينو: أثار انتباهي في كتابك الأخير تناولك لفترة تشكّل الحداثة السياسية، وهو طرح أراه متجددًا ومحوريًا في السجال النظري حول ما بعد الكولونيالية. كفيلسوف من أمريكا اللاتينية، وجدتُ هذا الطرح يتقاطع مع أبرز انتقادات الدراسات الكولونيالية اللاتينية: أن الحداثة مشروع تشكّل منذ 1492 باaلتوازي مع الاستعمار. في هذا السياق، يبدو أنك تقترب من تجاوز الفجوة القائمة بين ما بعد الكولونيالية والتفكيك الكولونيالي، وهي فجوة أثارت نقاشًا واسعًا مؤخرًا.
وتحديدًا حينما تُنهي كتابك بالدعوة إلى "تفكيك" فهمنا للجماعة السياسية. كيف تُموْقِع مداخلتك الفكرية ضمن موجة التنظير الكولونيالي الجديدة، التي انتقدت محدودية نظرية ما بعد الكولونيالية؟ أسألك خصوصًا لأنك تنتقد بشدة بعض أطروحات التفكيك الكولونيالي، وتصف بعضها بأنه "يعكس التحرر بشكل مقلوب"، كما تنتقد أيضًا بعض تيارات "الفكر المناهض للاستعمار" لوقوعها في قدر من السذاجة. هل يمكنك توضيح هذه المآخذ؟
محمود ممداني: أنا متعاطف مع منظّري التفكيك الكولونيالي عندما يقولون إن نظرية ما بعد الكولونيالية تفتقر إلى عمق تاريخي، وتُقصي التجربة الأمريكية. وأنا أشاركهم الرأي في أن الحداثة تشكّلت بالتوازي مع المشروع الكولونيالي منذ 1492، وأن القومية والاستعمار وجهان لعملة واحدة. ومع ذلك، لديّ تحفّظان رئيسيان على الرواية التي يطرحها بعضهم.
أولًا، فهمهم للكولونيالية يقتصر غالبًا على "الحكم المباشر"، بما يتضمنه من "رسالة التمدين" وتقسيم العالم على أساس العرق فقط. ما يُغفل هنا هو تحوّل الاستعمار، منذ منتصف القرن التاسع عشر، نحو الحكم غير المباشر، وهو تحوّل استبدل خطاب التمدين بخطاب "الحفاظ على التقاليد"، ما أدى إلى ترسيخ التمايزات العرقية، وتعميق الانقسامات الثقافية داخل المجتمعات الأصلية على أساس "القبيلة" والهويات المحلية.
ثانيًا، يغيب عن السردية الكولونيالية دور أمريكا الشمالية، التي شكّلت "الحجز" المؤسسي الأساسي لتقنيات الحكم غير المباشر، مثل "الوطن القبلي" و"القانون العرفي" و"السلطة العرفية". وهذه هي "الحلقة المفقودة" في السردية الكولونيالية؛ الحلقة التي تربط بين التجربة الأميركية الشمالية وتجارب أفريقيا وآسيا، ليس فقط في المستعمرات الاستيطانية، بل أيضًا في تطبيقات الحكم غير المباشر في المستعمرات الأفريقية، وامتداداته إلى المناطق "القبلية" في المستعمرات الآسيوية.
فيثكاينو: هذا تفسير دقيق. يبدو لي إذًا أن تركيز النظرية الكولونيالية على غزو الأمريكيتين هو سيف ذو حدين: فهو من جهة يصحح إقصاء التجربة الأمريكية من السرديات ما بعد الكولونيالية، لكنه من جهة أخرى يُقصي التحوّلات الأخرى في الاستعمار التي حدثت في مناطق أخرى من العالم، وكأن الرابط الوحيد بينها هو مفهوم "كولونيالية السلطة".
دعنا ننتقل إلى تناولك لمفهوم "تفكيك الاستعمار". دون الدخول في وصفات جاهزة، وهو ما تنأى عنه في كتابك، يبدو أن تصورك لهذا التفكيك أقرب إلى الإصلاح منه إلى الثورة، في سياق جدلية "الإصلاح/الثورة". هل ترى تفكيك الاستعمار بوصفه عملية إصلاح تدريجية ضمن الهياكل القائمة، أم بوصفه تحوّلًا جذريًا؟ أسأل ذلك لأنني أخشى أن يؤدي التصور الإصلاحي إلى تجميل البُنى القائمة بدل تفكيكها، كما يحدث أحيانًا في خطاب العدالة الجنائية. فإلى أي مدى ترى أن تفكيك الاستعمار ينبغي أن يكون جذريًا بالفعل؟
ممداني: فهمي لتفكيك الاستعمار يتجاوز ثنائية الإصلاح والثورة. أنا أطرح ما يُعرف بالفلسفة الهيغلية بـ"الرفع" (sublation)، أي تجاوز المتناقضات عبر استيعابها ضمن تصور أوسع. فالحركات السياسية، في نظري، تنبثق من الواقع الاجتماعي ولا تأتي خارجه، كما أن أي تحوّل اجتماعي لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح عميق في البنية السياسية. فغياب هذا الإصلاح يعرض الحركات الاجتماعية لخطر إعادة إنتاج البنية السياسية الكولونيالية ذاتها، بما تحمله من انقسامات داخلية على أسس عرقية أو قبلية أو غيرها.
أطرح هذا المفهوم في سياق النقاش حول مرحلة ما بعد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1994: هل كان التحول نصف إنجاز أم نصف فشل؟ فالعنف الذي تلا هذا التحول، والذي استهدف "الغريب القبلي" وليس "الغريب العرقي"، يوضح محدودية هذا التحول. فقد واجه التسييس العرقي، لكنه تعامل مع التسييس القبلي كأمر طبيعي. ومن هنا، لا بد لأي تحرك بعد 1994 أن يُبنى على دروس تلك التجربة، وإلا فإن النتيجة ستكون تمامًا ما تخشاه: إصلاح بلا تحوّل حقيقي في البنى والهياكل القائمة، بل وربما نفي لما تحقق أصلًا في 1994. هدفي هو تقديم تحليل يمكنه أن يشكّل جسرًا بين الإصلاح والتحوّل.
فيثكاينو: فهمت الآن. وربما يمكن القول إن إعادة التفكير في هذه الثنائية القديمة بين الإصلاح والثورة تُعد من أبرز التحديات النظرية الملحّة في زمننا الراهن.
بالعودة إلى السياق الأمريكي، لفتني طرحك في فصل "مناهضة العنصرية وتفكيك الاستعمار" (ص 93-100)، وهو تذكير ضروري بأن النظام الكولونيالي يمتلك القدرة على امتصاص النقد وإعادة إنتاج نفسه. تقول مثلًا إن أي ممارسة مناهضة للعنصرية تتجاهل "المسألة الهندية" في أمريكا تساهم في الواقع في ترسيخ المشروع الاستيطاني الذي يقوم عليه المجتمع الأميركي ذاته، أو ما أسمَته كتابات أنيبال كيجانو وإيمانويل والرشتاين "الحداثة الأميركية".
وهذا طرح مهم اليوم في ظل تزايد "البرامج المضادة للعنصرية" السطحية، التي تروّج لها الشركات النيوليبرالية والمؤسسات الكبرى كوسيلة لإخماد المطالب الجذرية التي تطرحها الحركات الاجتماعية، خصوصًا في أعقاب العنف العنصري المتجذّر في بنية الدولة الأميركية، وليس عنف الشرطة المتكرر سوى مثال واحد على ذلك. وهنا تذكّرنا بأن تفكيك الاستعمار أوسع وأكثر تعقيدًا من مجرد مناهضة العنصرية.
وفي الختام، من المداخل المهمة التي تقدمها في كتابك هو إعادة التفكير في الحداثة السياسية خارج إطار التسامح العلماني. وسؤالي الأخير يتعلّق بذلك: كيف ترى العلاقة بين الدين والعلمانية في مشروع تفكيك الاستعمار؟ أعلم أنك لم تُعالج هذه المسألة مباشرة في الكتاب، لكن قراء مجلة "اللاهوت السياسي" مهتمون بها بالتأكيد.
ممداني: سؤالكم في محله، لكنني بصراحة لست الشخص الأنسب للإجابة عليه في هذه المرحلة. لم أتطرق لمسألة التسامح العلماني بصورة مفصلة في هذا الكتاب. تركيزي كان منصبًّا على العرق والإثنية. ربما أتناول هذه المسألة في مشروع مستقبلي، وأظن أن حالة إسرائيل ستكون نقطة بداية مهمة: من هو اليهودي؟ من هو الفلسطيني؟ ومن هو العربي؟
نُشر هذا الحوار في افتتاحية العدد الخامس من المجلد الثاني والعشرين من مجلة "اللاهوت السياسي"، والذي تضمّن أيضًا مائدة مستديرة حول كتاب "الله، الشر، وحدود اللاهوت" لكارين كيلبي، بالإضافة إلى مناقشات حول أحدث الإصدارات المتعلقة بالقانون والدين ومفارقات السيادة. ومن ترجمة فريق تحرير جيسكا.