تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

محاكمة دافينون: لحظة مواجهة بين إرث الاستعمار وذاكرة الكونغو

13 أغسطس, 2025
الصورة
محاكمة دافينون: لحظة مواجهة بين إرث الاستعمار وذاكرة الكونغو
Share

بعد أكثر من ستة عقود على اغتيال باتريس لومومبا، تعود القضية الأصعب في ذاكرة الكونغو الديمقراطية إلى واجهة المشهد القضائي، عبر إحالة الكونت إتيان دافينون إلى المحكمة الجنائية في بروكسل، المُقرّر انعقادها في يناير/كانون الثاني 2026. يُعد دافينون آخر شخص من بين عشرة مسؤولين بلجيكيين يُتهمون بالتواطؤ في اغتيال لومومبا.

وُصف القرار بـ"الزلزال السياسي"؛ ليس فقط لأن الرجل تجاوز الثانية والتسعين من عمره، بل لأن مسيرته الممتدة بين الدبلوماسية الأوروبية وكبرى الشركات والمجالس الثقافية جعلته تجسيدًا مكثفًا لـ"الدولة العميقة" التي عايشت الاستعمار وظلاله الثقيلة في مرحلة ما بعد الاستعمار.

يتهم القضاء دافينون بـ"الاحتجاز غير القانوني" و"النقل القسري" و"الحرمان من محاكمة عادلة"، فضلًا عن "المعاملة المهينة" تجاه لومومبا، بينما تم إسقاط تهمة القتل العمد عنه. لكن من وجهة نظر عائلة لومومبا، تأخرت العدالة كثيرًا، بسبب وجود بنية أجّلت مساءلة رموزها لفترة طويلة عبر عقود من الصمت المتواطئ.

من الاستقلال إلى الاغتيال: الطريق إلى كاتانغا

يصعب فهم التطور الراهن من دون العودة إلى الأشهر العاصفة التي أعقبت إعلان الاستقلال في 30 يونيو/ حزيران 1960. جاء باتريس لومومبا إلى السلطة عبر انتخابات شرعية، وتولّى رئاسة أول حكومة في بلد يخطو للمرة الأولى خارج العباءة البلجيكية. لكن سرعان ما انفجرت أزمة الجيش الكونغولي، وصعد نجم ضابط شاب يدعى جوزيف ديزيريه موبوتو. ففي الخامس من سبتمبر/أيلول، أعلن الرئيس جوزيف كاسا-فوبو إقالة رئيس الوزراء، لتتحول البلاد إلى مسرح مطاردة مفتوحة لرجل أصبح رمزًا للاستقلال الوليد: اعتُقل، فرّ، ثم أُعيد القبض عليه على يد قوات موبوتو، وسط دعم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وتنسيق مع بلجيكا التي رأت في القائد الشاب تهديدًا لنفوذها ومصالحها المعدنية في قلب أفريقيا.

قبل ذلك بأسابيع، كان خطاب الاستقلال قد رسم حدود الصراع الجديد. وقف لومومبا أمام الملك بودوان وضيوف العالم ليقلب السردية الاستعمارية المطمئنة رأسًا على عقب، معلنًا: "عرفنا السخرية والضرب والإهانات، ولم يكن القانون يومًا واحدًا على البيض والسود سواء…". بالنسبة لكثير من الكونغوليين، كان ذلك إعلان ولادة سياسية، أما في بروكسل فقد بدت كلماته صفعة علنية لهيبة إمبراطورية آيلة إلى الانكماش. وفي مناخ الحرب الباردة، كان اتهامه بـ"التعاطف مع الشيوعية" كافيًا لوضعه في خانة الخطر الذي ينبغي التخلص منه، حتى لو كانت تحالفاته الفعلية أكثر تعقيدًا من هذه التهمة الجاهزة.

كان الهدف واضحًا: ليس إسكات ثلاثة رجال معارضين للاستعمار فحسب، بل دفن القدرة على الحداد، ومنع نشوء ذاكرة مؤسسة يمكن أن تتحول إلى سردية مقاومة طويلة النفس

انتهت رحلة لومومبا سريعًا في كاتانغا، الإقليم الانفصالي الغني بالمعادن بقيادة مويس تشومبي. نُقل في يناير/كانون الثاني 1961، هو ورفيقاه وزير الشباب موريس مبولو والسيناتور جوزيف أوكيتو إلى هناك، ليتعرضوا طوال ليلة كاملة للإهانات والضرب على أيدي مسؤولين محليين، قبل أن يُعدموا رميًا بالرصاص صباح اليوم التالي. لم تتوقف المأساة عند القتل؛ فقد جرى تقطيع الجثث بمنشار كهربائي وإذابتها في الحمض لمحو أي أثر. كان الهدف واضحًا: ليس إسكات ثلاثة رجال معارضين للاستعمار فحسب، بل دفن القدرة على الحداد ومنع نشوء ذاكرة مؤسسة يمكن أن تتحول إلى سردية مقاومة طويلة النفس.

إحياء الملف في بروكسل

في مطلع الألفية الجديدة، اخترق الصمت كتاب الباحث البلجيكي لودو دي ويت اغتيال لومومبا، الذي وثّق بدقة تورط شخصيات عسكرية ودبلوماسية بلجيكية، وروى لحظة بلحظة كيف أُخفيت الجثث وصيغت الرواية الرسمية. واحدة من أكثر لحظاته صدمة كانت اعتراف الشرطي البلجيكي جيرار سويتي بأنه احتفظ بسنّين من أسنان لومومبا؛ ألقى إحداهما في بحر الشمال واحتفظ بالأخرى حتى صودرت عام 2016، وأودعت لدى النيابة العامة في بروكسل. وبعد عامين، ومع وصول فيليكس تشيسيكيدي إلى الرئاسة، طالبت العائلة بإعادة الرفات، فاستجابت السلطات البلجيكية. لكن ضريح لومومبا في كينشاسا تعرّض لاحقًا للسرقة، ما دفع السلطات إلى نقل البقايا إلى مكان مجهول.

أمام الضغوط، شكّل البرلمان البلجيكي لجنة تحقيق أقرت بأن خطة تصفية لومومبا وصلت إلى مكتب الملك بودوان، وأن الأخير اطّلع عليها ووقّعها دون اعتراض. لكنها لم تتوسع في مساءلة شخصيات بارزة، مثل: جاك براسين وإتيان دافينون. تشير وثائق اللجنة بوضوح إلى أن القصر تلقى تحذيرًا من ضابط مقرّب من مويس تشومبي حول تهديد حياة لومومبا، ومع ذلك لم يُتخذ أي إجراء. وهنا برز الفارق بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الأخلاقية، وما معنى أن تعرف الخطر وتختار الصمت؟

لا تختزل العدالة في قضية لومومبا، بالنسبة للكونغو، في إنصاف رجل اغتيل، بل تمثل خطوة نحو استعادة السيادة الوطنية التي انتُزعت منذ اللحظة الأولى للاستقلال، وبناء سردية وطنية متماسكة

في مذكراته، يروي دافينون أنه حضر خطاب الاستقلال ورأى "وجه الملك يبيضّ من الغضب"، لكنه يؤكد أنه لم يعلم بمقتل لومومبا إلا بعد الإعلان الرسمي. ومع ذلك، تبقى المسافة بين الذاكرة الشخصية ووثائق الدولة مسافة شاسعة؛ ومسألة تحديد موضع الخط الفاصل بين البراءة البيروقراطية والتواطؤ بالصمت ستكون من صلب المحاكمة.

دافينون لم يكن شاهدًا عابرًا. وُلد في أسرة أرستقراطية نافذة، درس في مدارس كاثوليكية مرموقة، وتدرج في السلك الدبلوماسي البلجيكي حتى بلغ مناصب عليا في المفوضية الأوروبية والشركات الكبرى، وظل وجهًا ثابتًا في النخبة البلجيكية. وهنا يطرح استدعاؤه سؤالًا ملحًا: هل كان هذا المسار المرموق مكافأة صامتة على أدوار أُديت في لحظات حاسمة من تاريخ الكونغو، أم نتيجة كفاءة مهنية أتقنت قواعد اللعبة السياسية؟

اختبار العدالة بين الكونغو وبلجيكا

لا تختزل العدالة في قضية لومومبا، بالنسبة للكونغو، في إنصاف رجل اغتيل، بل تمثل خطوة نحو استعادة السيادة الوطنية التي انتُزعت منذ اللحظة الأولى للاستقلال، وبناء سردية وطنية متماسكة تستند إلى حقيقة موثقة ومسؤوليات مُسمّاة، بدل الاتكال على شذرات اعترافات متفرقة. من دون ذلك، تبقى الدولة أسيرة روايات مشروخة، ويظل المجتمع عرضةً لإغراءات الإنكار أو الارتهان لنظريات المؤامرة. فالذاكرة قد تخبو، لكنها لا تموت؛ وما يصنع الفرق بين الخبو والموت هو وجود مؤسسات ديمقراطية تملك شجاعة النظر في المرآة من دون أن تهشمها.

المحاكمة المرتقبة لرجل بحجم دافينون ليست مجرد إجراء قضائي، بل امتحان قاسٍ لقدرة بنية سياسية وقضائية كاملة على مواجهة ماضيها من دون أقنعة أو التفافات

أما في بلجيكا، فالمحاكمة المرتقبة لرجل بحجم دافينون ليست مجرد إجراء قضائي، بل امتحان قاسٍ لقدرة بنية سياسية وقضائية كاملة على مواجهة ماضيها من دون أقنعة أو التفافات. فالقضية لا تتعلق بادعاء أوروبا امتلاكها معيارًا أعلى لسيادة القانون، بل باختبار استعدادها لتطبيق هذا المعيار على ذاتها حين تمسّ الحقائق صميم نخبتها التي شكّلت سياسات الاستعمار وما بعده. ودافينون، بما يمثّله من تداخل فريد بين السلطة الدبلوماسية والشبكات الاقتصادية والثقافية، ليس اسمًا عابرًا في سجل المسؤولين البلجيكيين، بل هو أحد الوجوه التي تستحضر، في الذاكرة الأفريقية، صورة النخبة التي صاغت مسار ما بعد الاستقلال على مقاس مصالحها، وأبقت جراح التحرر مفتوحة تحت غطاء من العلاقات الدولية والمصالح العابرة للقارات. وبين يناير/كانون الثاني 1961 ويناير/كانون الثاني 2026 مسافة زمنية طويلة، لكنها لم تُبدّد أسئلة القتل والتواطؤ والطمس، بل جعلتها أكثر إلحاحًا.

وحتى بعد أكثر من ستة عقود، لم تعد قضية لومومبا صفحة مطوية في تاريخ ما بعد الاستعمار، بل مرآة تعكس كيف يواصل الماضي التسلل إلى الحاضر، وكيف تتحول الجرائم إلى جزء من البنية السياسية ذاتها. في قاعة المحكمة المقبلة، لن يُحاكم رجل مسنّ وحده، بل ستُعرض على العلن شبكة مصالح وغرور قوة وصمت متعمد صار سياسة رسمية.

في مواجهة هذا الإرث، لا يكفي أن تلوّح بلجيكا بلغة الاعتراف؛ فالاختبار الحقيقي هو أن تفتح الأرشيفات بلا انتقاء، وأن تسمح للحقائق بأن تستعيد مكانها الكامل في الذاكرة العامة، حيث يمكن للحظة المحاكمة أن تتحول من إجراء قضائي متأخر إلى حدث يعيد ترتيب علاقة القارة الأفريقية بذاتها، وبمن حاولوا صياغة مستقبلها من وراء البحار.