الثلاثاء 19 مايو 2026
تشهد مدينة توليار في أقصى جنوب مدغشقر حراكاً سياسياً لافتاً في أبريل/نيسان 2026، حيث توافدت قيادات بارزة من مختلف التيارات السياسية نحو هذه المنطقة التي باتت تمثل ثقلا استراتيجيا في ميزان القوى الحالي. تعكس هذه التحركات رغبة النخبة السياسية في الخروج من تمركزها التقليدي في العاصمة أنتناناريفو والاقتراب من القواعد الشعبية في الأقاليم، خاصة في ظل حالة الترقب التي تسود الشارع الملغاشي بشأن مستقبل العملية الانتقالية التي يقودها الرئيس ميكائيل راندريانيرينا.
تأتي هذه الزيارة الجماعية للطبقة السياسية في توقيت أمني بالغ الحساسية، تزامناً مع إعلان السلطات القضائية عن اعتقال العقيد باتريك راكوتومامونجي وضباط كبار آخرين، بتهمة التخطيط لمحاولة انقلاب، واغتيال الرئيس الانتقالي. وقد كشفت التحقيقات عن تورط 13 شخصا، من بينهم جنرال، في مخطط اعتمد على تمويلات ضخمة واتصالات مشفرة لإسقاط الحكومة، مما جعل من توليار اليوم "مختبرا سياسيا" يحاول فيه الفاعلون تأكيد ولائهم للدولة، أو صياغة تحالفات جديدة تضمن الاستقرار بعيدا عن هزات الانقلابات.
على الصعيد الدبلوماسي، تحظى هذه التحركات الميدانية والتحقيقات الأمنية بمتابعة دقيقة من قبل الوسطاء الدوليين، وعلى رأسهم بعثة مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (SADC). يرى المراقبون أن اعتقال العقيد المتهم، الذي كان يشغل منصباً رفيعاً في الرئاسة قبل إقالته، يضع الطبقة السياسية المجتمعة في الجنوب أمام اختبار حقيقي لإثبات جدية الالتزام بخارطة الطريق الدستورية، وضمان عدم انزلاق البلاد نحو مواجهة بين الأجنحة العسكرية والمدنية في ظل التوترات المتصاعدة.
إلى جانب البعد الأمني والسياسي الصرف، تحمل هذه الزيارة طابعاً اقتصادياً ملحاً لسكان الجنوب الذين يواجهون تحديات الأمن الغذائي والتنمية. وقد تزامنت لقاءات توليار مع تقارير استخباراتية تفيد بإحباط هجمات محتملة بطائرات مسيرة، مما دفع القوى السياسية للمطالبة بربط الاستقرار الأمني ببرامج تنموية حقيقية تستهدف مناطق الإنتاج الزراعي والتعديني، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الأوضاع المعيشية في تأجيج الحراك الانقلابي.
يمثل الوجود المكثف للطبقة السياسية في توليار، وسط تداعيات إحباط المخطط الانقلابي، محاولة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي من خلال التركيز على الأطراف وضمان تماسك الجبهة الداخلية. وسيكون لنتائج هذه المداولات أثر مباشر على شكل التعديلات الدستورية المرتقبة وموعد الانتخابات المقررة في 2027، حيث تظل توليار هي نقطة الارتكاز التي قد يتحدد من خلالها مسار الاستقرار ومستقبل الديمقراطية في مدغشقر للسنوات القادمة.