تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

مأزق المعارضة السياسية في جيبوتي

27 نوفمبر, 2024
الصورة
UMP
أنصار الاتحاد من أجل الحركة الشعبية (اتحاد الأغلبية الرئاسية) يهتفون خلال اجتماع في 6 فبراير 2008 في جيبوتي. دعت أحزاب المعارضة الرئيسية الثلاثة في جيبوتي يوم 2 فبراير/شباط 2008 الناخبين إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 8 فبراير/شباط، وو
Share

عرفت جيبوتي تعددية حزبية نشطة قبل الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وظهرت العديد من الأحزاب والحركات التي لعبت دورًا أساسيًا في مقاومة الاستعمار، وبناء الوعي السياسي الوطني، ثم فقدت البلاد تعدديتها الحزبية في دستور الاستقلال الذي تبنى حكم الحزب الواحد.
عادت البلاد إلى التعددية السياسية، استجابةً للحرب الأهلية عام 1991، مع دستور 1992، دون أن يتغير الكثير، فالحزب الحاكم بقيادة الرئيس إسماعيل عمر جيله يُحكم قبضته على البلاد، ويقمع المعارضة أو يدمجها في تحالفه الحاكم.

تعددية حزبية شكلية

كان حزب وحدة الشباب الصومالي (فرع جيبوتي) في طليعة الحياة السياسية قبل الاستقلال، إلى جانب آخرين منهم حزب الاتحاد الجمهوري وجبهة تحرير الساحل الصومالي وغيرها من الكيانات السياسية التي سعت إلى تحقيق الاستقلال، وبناء الهوية الوطنية. بيد أن هذه التعددية الحزبية لم تدم طويلًا، بسبب اختيار النخبة السياسية التي تولت مقاليد الأمور بعد الاستقلال نظام الحزب الواحد، الذي أفضى إلى تأسيس حزب "التجمع الشعبي من أجل التقدم" في عام 1979، ليصبح الحزب الحاكم منذئذ حتى اليوم، دون أي منافسة تذكر.

اندلعت الحرب الأهلية بداية التسعينيات، فبدأ الضغط الداخلي والدولي يتزايد على النظام الحاكم، ما دفع الحكومة إلى إجراء إصلاحات دستورية في عام 1992، تضمنت إقرار هذا الأخير لتعددية حزبية. كانت الخطوة في مجملها شكلية، دون أن تقود إلى تغييرات جذرية في مسار التحول الديمقراطي، فظلت السلطة في يد الحزب الحاكم، مع الإمعان في تهميش المعارضة تارة واستيعاب بعضها تارة أخرى، مما أدى إلى فشل عملية التحول الديمقراطي.

تحاول المعارضة الجيبوتية، في ظل هذا المشهد السياسي المعقد، إعادة تشكيل نفسها وممارسة دورها في الساحة السياسية. وإن ظل تأثيرها السياسي محدودًا، على الرغم من تعددها، بسبب القيود القانونية والاستهداف الأمني والإخفاقات الداخلية. يبقى حزب التحالف الجمهوري من أجل التنمية ،(ARD) وحركة التجديد من أجل الديمقراطية والتنمية (MRD) من أبرز ممثلي المعارضة في البلد.

يعاني المشهد السياسي من تحديات كبيرة تحول دون تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، فالحزب الحاكم يستمر في بسط سيطرته المطلقة على النظام السياسي، بينما تظل التحولات القائمة مجرد إجراءات شكلية، لا ترقى إلى مستوى التغيير الجوهري. كما يشكل انتشار الفساد وتقييد الحريات السياسية وضعف البنية التنظيمية للمعارضة عوامل رئيسية، تعيق أي جهود جدية نحو إرساء أسس الديمقراطية المستدامة.

يحكم الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية (UMP) جيبوتي منذ عام 2005، ويضم مجموعة من الأحزاب السياسية تحت قيادة الرئيس جيله. يتكون التحالف من حزب "التجمع الشعبي من أجل التقدم" (RPP)؛ القوة السياسية التاريخية في البلاد، و"الجبهة من أجل استعادة الوحدة والديمقراطية" (FRUD)، التي تحولت من حركة تمرد مسلحة إلى حزب سياسي، بموجب اتفاقية السلام عام 1994. كما يضم الحزب "الوطني الديمقراطي" (PND) الذي انضم لاحقاً إلى الائتلاف، بالإضافة إلى أحزاب صغيرة مثل: الحزب "الشعبي الاجتماعي الديمقراطي" (PSD)  و"الحزب الجيبوتي للتنمية" (PDD).

عمل التحالف رافعة لتعزيز السيطرة السياسية للحزب الحاكم، عبر توحيد القوى المؤيدة للحكومة، وتحجيم المعارضة، معتمدًا على نهج متكامل من السيطرة الشاملة على الموارد الأساسية للدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والإعلامية الرسمية، مما يعزز استقرار النظام ويضمن استمراريته. 
علاوة على الموقع الجغرافي الإستراتيجي لجيبوتي الذي يشكل نقطة جذب هامة للقوى الدولية، إذ تستضيف قواعد عسكرية لدول كبرى، مثل: الولايات المتحدة وفرنسا والصين، ما يمنح النظام الحاكم دعمًا قويًا على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية. كما أنّه يضيف تعقيدات للمشهد السياسي، ويحجم فرص التغيير الداخلي، ويحد من قدرة المعارضة على دفع عجلة التحول السياسي في البلاد.

خريطة المعارضة

تحاول المعارضة في جيبوتي من جهتها إيجاد موطئ قدم لها، عبر تشكيل تحالفات جديدة والتركيز على قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. تضم المعارضة بدورها مجموعة من الأحزاب السياسية البارزة، من أبرزها حزب "الائتلاف الجمهوري من أجل التنمية" (ARD) بقيادة آدم محمد عبدو، والذي تأسس عام 2005، بموجب اتفاقية أديس أبابا للسلام بين الحكومة وجبهة استعادة الوحدة والديمقراطية - جناح أحمد ديني أحمد، وقاد حملة قوية ضد النظام الحاكم خلال الانتخابات التشريعية عام 2005، إلا أن تلك الجهود قوبلت بالقمع والتضييق من قبل السلطات.

وثانيها، حزب "حركة من أجل التجديد الديمقراطي والتنمية" (MRD)، بقيادة الدكتور طاهر أحمد فارح. يعتمد الحزب على خطاب ديمقراطي يلقى قبولًا واسعًا بين قطاعات كبيرة من الشعب، ويتميز بقاعدة شعبية قوية. وثالثها، حزب "التجمع من أجل العمل والديمقراطية والتنمية البيئية" (RADDE)، بقيادة عبد الرحمن محمد جيله، الذي تتأسس عام 2012، ويتبنى أهدافا منها تعزيز العدالة الاجتماعية والحريات السياسية وحقوق الإنسان. والرابع الحزب "من أجل التنمية والحرية" (MODEL)؛ الذراع السياسية للحركة الإسلامية، بقيادة خضر عبدي إبراهيم. يتمتع بقاعدة شعبية كبيرة داخل البلاد، وله تأثير واسع في الأوساط السياسية، ويرتبط بعلاقات إقليمية كبيرة مع قوى إسلامية أخرى، مما يعزز موقعه في الساحة السياسية. ويُعد الحزب مصدر قلق دائم للسلطات الحاكمة، نظرًا لمواقفه المنتقدة للنظام، وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

استعدادًا لمواجهة التحديات المتزايدة، وخصوصا قضية خلافة الرئيس جيله، أعلنت ثلاثة من أحزاب المعارضة الرئيسية (ARD وMRD وMRD) عن تشكيل ائتلاف جديد، تحت اسم "الكتلة من أجل الإنقاذ الوطني" (BSN)، في 25 مايو/ أيار 2024. وذلك في سياق السعي إلى توحيد صفوف المعارضة، لمواجهة السياسات الحالية للنظام الحاكم، مع التركيز على الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، ويعمل على تحقيق انتقال سياسي سلمي من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة، بما يضمن تمثيلًا حقيقيًا لجميع أطياف المجتمع الجيبوتي.

رغم أن تشكيل الائتلاف خطوة هامة نحو توحيد صفوف المعارضة، إلا أنّها تواجه تحديات كبيرة من داخلها، لعل أبرزها الانقسامات الداخلية، حيث تختلف الرؤى والإستراتيجيات، مما يؤدي إلى ضعف تنسيق الجهود، ويقلل من فعاليتها كجبهة موحدة.

إجمالا، تواجه العملية السياسية مجموعة من العوامل التي تعرقل تطورها، منها انعدام الحريات السياسية والتنظيمية، وغياب دور فاعل للمجتمع المدني، وضعف البنية التنظيمية والسياسية للمعارضة، وغياب الآليات القانونية.

توظيف التواجد الدولي

يضيف الحضور الدولي المتعدد والمتنافس في جيبوتي طبقات من التعقيد على الحياة السياسية في البلاد، التي يعاني أغلب سكانها من أوضاع اقتصادية صعبة، زادت شدتها مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، في ظل احتياج 24٪ من السكان إلى مساعدات لتأمين الغذاء. تعتبر العلاقات الدولية فاعلة في تشكيل المشهد الداخلي إلى حد ما، سواء من خلال توظيف النظام الحاكم لها لتجنب ضغوط الدول الغربية، من خلال المناورة بورقة الصين أو من خلال استفادة المعارضة من الضغوط الغربية، لا سيما الفرنسية منها.

قد يدفع تصاعد الضغوط الشعبية من جهة، وتزايد الانتقادات الدولية للانتهاكات الحقوقية من جهة أخرى النظام إلى تقديم بعض تنازلات، لكنها غالبًا ما ستكون محدودة، ولا تمس جوهر النظام السياسي القائم، طالما كان قادرًا على المناورة، وتجنب الانفجار الشعبي.
يبقى مستقبل المشهد السياسي في جيبوتي رهينًا بعدة عوامل، منها قدرة المعارضة على تجاوز خلافاتها الداخلية وتوحيد جهودها، فضلاً عن استمرار الضغوط الدولية لدفع النظام نحو إصلاحات حقيقية. من جانبه، يمتلك النظام الحاكم أدوات قوية للبقاء في السلطة، بما في ذلك الدعم الخارجي والسيطرة المؤسسية الكاملة.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن أي تغيير جذري في جيبوتي سيحتاج إلى توافق داخلي واسع يعضده تحرك شعبي كبير، مدعوماً بضغط دولي مستمر، وحتى ذلك الحين، ستبقى البلاد مسرحاً لمعادلة معقدة بين قبضة السلطة وطموحات التغيير.