تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

مائة عام على "الزنجي الجديد": الحلم الأفروأمريكي واستعمار أفريقيا الناعم!

18 ديسمبر, 2025
الصورة
مائة عام على "الزنجي الجديد":  الحلم الأفروأمريكي واستعمار أفريقيا الناعم!
Share

تحل في ديسمبر/ كانون الأول الجاري ذكرى مررو قرن كامل على صدور واحد من أهم الكتب المؤثرة في تاريخ القرن الماضي وفكره وسياساته (لاسيما العرقية منها)؛ ألا وهو كتاب "الزنجي الجديد" (The New Negro) الذي حرره المفكر الأمريكي البارز آلان ليروي لوك عام 1925، وفي أجواء صعود مطالب الحقوق السياسية والاجتماعية التي اجتاحت النخب الأفروأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أخذًا في الاعتبار مساهمات الأفارقة (في الولايات المتحدة وخارجها) الملموسة في الجهود العسكرية لهذه الحرب في صفوف "الدول الغربية".

يمكن اعتبار "الزنجي الجديد" بيانًا أدبيًا وفكريًا لتحرر العقل الزنجي، أثر بقوة في حركة الحقوق المدنية الأفروأمريكية داخل الولايات المتحدة منذ منتصف العشرينيات. كما فتح الكتاب نافذة فكرية ثرية أمام الشباب الأفريقي الذي جاء للولايات المتحدة في ذلك الوقت للدراسة الجامعية قبل العودة إلى بلدانهم عبر الأطلسي، وقاد بعضهم حركات التحرر مثل أول رئيس نيجيري نامدي أزيكيوي، وأول رئيس وزراء لغانا كوامي نكروما وغيرهما.

يمكن فهم تأثير كتاب الزنجي الجديد في أفريقيا بملاحظة أن من بين خريجي جامعة هوارد، التي تلقى فيها لوك تعليمًا ثم عمل بها أستاذًا، عدد كبير من قادة أفريقيا مستقبلًا، ومن بينهم وليام تولبرت ونيلسون مانديلا، وأن هذه الجامعة كانت تحمل، منذ تأسيسها عام 1915 من قبل "أخوة في بيتا سيجما" (Phi Beta Sigma Fraternity)، شعارً ملفتًا ثقافيًا ودينيًا: "الثقافة من أجل الخدمة؛ والخدمة من أجل الإنسانية".

الزنجي الجديد: سجل لوقائع نهضة وجيزة؟

رغم امتداد جذور ما تعرف بالحركة الزنجية في الولايات المتحدة ودول الكاريبي إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، فإن تحرير آلان لوك لكتاب "الزنجي الجديد" عبر تمامًا عن منجز الزنجي الأسود "في السنوات الأخيرة" ثقافيًا واجتماعيًا. كما سجل، حسب لوك في المقدمة بالغة الأهمية التي صدر بها هذا العمل، تحولات حياة الزنوج الداخلية والخارجية في أميركا؛ لاسيما مع وفرة شواهد أن الزنجي الجديد، قد بات في آخر مراحل التغير والتقدم الاجتماعي، ورغم أنه لا يزال هناك المزيد مما يرتقب تحققه في "في العالم الداخلي لعقل الزنجي وروحه".

وركز الكتاب على التعبير الأدبي والفني والفكري عن الذات وقوى تقرير المصير ودوافعه، وترك "الزنجي" يتحدث عن نفسه. ولاحظ لوك وجوب النظر للزنجي الجديد من وجهة نظر "عالم جديد"، وبشكل أكثر تحديدًا "أميركا جديدة"، وهو ما يشي بطبيعة مشروع الزنجي الجديد، وانفصاله شعوريًا عن أفريقيا في فهم لوك.

وقد بزغت فكرة تحرير الكتاب، بشكل أكثر تحديدًا وتعبيرًا عن طبيعته ونهجه، عندما تجمع أكثر من مائة شخص من كبار الكتاب والناشرين والمحررين السود والبيض، ومن بينهم لوك، في "النادي الأهلي" في نيويورك في مارس/آذار 1924 للاحتفال بنشر جيسي فوسيت روايتها الشهيرة "There is Confusion" في العام نفسه، وتداول الحاضرون خلاله أفكارًا حول نهضة الأدب والفكر الأفريقيين، وربما كان ذلك بمثابة "بروفة" على وقائع نهضة زنجية، أدبية على الأقل.

فتح الكتاب نافذة فكرية ثرية أمام الشباب الأفريقي الذي جاء للولايات المتحدة في ذلك الوقت للدراسة الجامعية قبل العودة إلى بلدانهم عبر الأطلسي، وقاد بعضهم حركات التحرر مثل أول رئيس نيجيري نامدي أزيكيوي، وأول رئيس وزراء لغانا كوامي نكروما

كان نشر فوسيت أولى رواياتها حدثًا مهمًا في حد ذاته؛ لأن الرواية أضيفت لعدد قليل من الأعمال البارزة التي كتبها سود على مدار أول عقدين من القرن العشرين إلى جانب أعمال لوليام دوبويس، والموسيقي جيمس ولدون جونسون، والأديب كلود ماكاي، وجان تومر وغيرهم؛ وأدى الاجتماع إلى قرار من الأدباء السود بنشر عدد خاص من دورية "The Survey Graphic" يكون مخصصًا لتناول أدب السود.

بالفعل صدر هذا العدد في مارس/آذار 1924 وحرره آلان لوك، وجاء الغلاف كاشفًا بعنوان "هارلم: مكة الزنوج"، وكان نجاح هذا العدد دافعًا بشكل كبير للوك لنشر كتابه "الزنجي الجديد" باعتباره بيانًا للأهداف الفنية لنهضة الزنوج تلك، حسب ما قدمته شارون ل. جونز في مؤلفها الهام "قراءات في نهضة هارلم" (2002). وكان ملاحظًا إهداء لوك للكتاب إلى الجيل الشاب، وتركيزه على إسهام الزنوج في الفنون والآداب، مع مقدمة وجيزة ومهمة للغاية كتبها آلان لوك.

يمكن القول إن كتاب الزنجي الجديد جاء استكمالًا، وبلورة بشكل أكثر دقة، لجهد زنجي حثيث منذ حقبة "إعادة البناء" حتى فترة ما بين الحربين العالميتين؛ وعلى سبيل المثال قدم كل من أ. فيليب راندولف وتشاندلر أوين، محررا مجلة The Messenger، قراءة موجزة وثورية "للزنجي الجديد: ما هو؟" نشرته الصحيفة (عدد أغسطس/آب 1920)، وأعادت دراسات عدة نشره بملاحظات وتعليقات هامة، ومما برز فيه: "في السياسة فإن الزنجي الجديد، خلافًا للزنجي القديم، لا يمكن التغرير به بشعور زائف بالأمن في ظل الفسدة والعملاء في السياسة. وليست الوظيفة هي ثمن صوته؛ فالزنجي الجديد لن يواصل قبول أوراق سياسية تم التعهد بها من أحد الدائنين السياسيين، والذي يملك القوة/ السلطة بالفعل، لكنه يرفض تلبية التزاماته السياسية. إن الزنجي الجديد يطالب بمساواة سياسية. ويقر بضرورة التمثيل الانتقائي كما التمثيل النيابي. واكتشف أنه طالما أن الزنجي يصوت للحزب الجمهوري او الحزب الديمقراطي، فإنه لن يكون له سوى حق وحيد بانتخاب وليس اختيار ممثليه؛ إن الزنجي الجديد يطالب بحق التصويت الشامل".

هكذا فإنه عندما أعلن آلان لوك، في مقدمة "الزنجي الجديد" عن بدء "نهضة زنجية" في المشهد الأدبي (والفكري) في مدينة نيويورك، كانت ملامح هذه "النهضة" راسخة إلى حد كبير بفضل مجموعة من الكتابات الثرية والمتنوعة للغاية من منطقة الكاريبي، مثل قصائد المهاجر الجامايكي في نيويورك كلود ماكاي التي كانت ذائعة على نحو ملفت منذ عقد ونيف، وقصائد الكاتب إريك والروند ودراسات مهمة قدمها البورتوريكي آرثر وكتابات الصحفي الجامايكي المولد الشاب جويل أ. روجرز وولفريد أ. دومينجو مثل كتابته مقالًا عن "Gift of the Black Tropics" الذي لا يكتفي فيه بمدح كلود ماكاي كشاعر جامايكي، لكن مما جاء فيه بكل وضوح أنه "ربما لم يُكتشف بعد إلى أي مدى ساهم زنوج جزر الهند الغربية في ثروة الولايات المتحدة وقوتها ومكانتها".

امتزج التعليم الديني بالثقافة التي حصلها أزيكيوي، وصاغ، على نهج لوك وكتابه "الزنجي الجديد"، أفكارًا عن التنوع الثقافي واحترامه في أفريقيا، وعلو مكانة الإنسان الزنجي

كما لا يُغفل هنا، حسبما لاحظ بالتفصيل زين عبد الله في كتابه "مكة السوداء: مسلمو هارلم السود"- نيويورك، 2010"، توجه شخصيات دينية وسياسية أفريقية ومسلمة من غرب أفريقيا إما طوعًا أو نفيًا من قبل الإدارات الاستعمارية الفرنسية؛ وهو ما يمكن أن نضع في سياقه تأثر شخصيات مثل أزيكيوي بكتاب الزنجي الجديد حينذاك، وأفكار الوحدة في التنوع (التي طورها لوك لاحقًا في كتابات أخرى). وكذلك أفكار التنوع الثقافي التي استقاها لوك من أستاذه المفكر الأمريكي اليهودي هوراس كالين (Horace Kallen) خلال تتلمذه على يديه في جامعة هوارد مطلع القرن العشرون، وتمثلها أزيكيوي، بخلفيته الكاثوليكية- الإنجيليكانية وانفتاحه على مسلمي بلده وثقافتهم، بشكل واضح في سياساته عند عودته لموطنه.

ما يعني أن حركة الزنجي الجديد كما بلورها كتاب لوك، التي تحفظ مؤرخون بارزون على وصفها بالنهضة قياسًا لمدتها الزمنية الوجيزة، كانت وليدة سياقات وتفاعلات ثقافية واجتماعية وسياسية وسط النخبة الأفروأمريكية، والنخبة الأمريكية الأوسع نطاقًا بأطيافها "البيضاء" المختلفة.

أزيكيوي و"حركة أفريقيا الجديدة": شبح الزنجي الجديد!

توجه نامدي أزيكيوي، الطالب النيجيري الشاب والطموح إلى الولايات المتحدة عام 1924 للتعليم في جامعاتها؛ ونال بالفعل درجة الماجستير في الفلسفة والأنثروبولوجيا، ودرس العلوم السياسية في جامعة لينكولن في بنسلفانيا؛ الأمر الذي ساهم في نجاحه الملفت في الصحافة والأعمال والسياسة، وتحوله لنموذج على جدوى حلم "التعليم الأمريكي" بين جيله عند عودته عام 1937 إلى نيجيريا (بعد عمله في غانا منذ العام 1934 عقب عودته مباشرة من الولايات المتحدة)، ولا سيما الشباب من الإيبو في جنوب شرق البلاد، بحيث باتت الولايات المتحدة الوجهة المفضلة للشباب النيجيري الساعي للتعلم في الخارج طوال الثلاثينيات والأربعينيات، كما لاحظ مازي أوكورو وجيني أولانسكي في دراسة مدعومة بالإحصاءات (1972).

كان لالان لوك، بوصفه أستاذًا في جامعة هوارد، مع المفكر الأرستقراطي وليام دوبويس دور في تهيئة المناخ في الفترة نفسها أمام حركة الاحتجاج الزنجية في الولايات المتحدة، فيما لمس ذلك عدد من قادة القارة في المستقبل خلال دراستهم في الولايات المتحدة منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي؛ وكان لكتاب الزنجي الجديد أكبر الأثر في تبلور فكرة "أفريقيا الجديدة" لدى نامدي أزيكيوي (ك. جونز-كوارتي: حياة أزيكيوي- ميلدسكس 1965)، أول رئيس لنيجيريا، ويعرف بأنه أحد مؤسسي "نيجيريا الحديثة"، والتي رفعها شعارًا لحملته السياسية عقب عودته لغانا في سنوات لاحقة، إلى جانب تأثر أزيكيوي بقوة بأفكار ماركوس غارفي عن العودة إلى أفريقيا، وإجلاء جميع "الزنوج في العالم الغربي وإرجاعهم إلى أفريقيا"، وهو ما ظهر جليًا عقب عودة أزيكيوي من الولايات المتحدة إلى أفريقيا، أولًا في غانا عام 1934، ثم إلى موطنه نيجيريا عام 1937، وطرحه أفكاره التي وصفت لاحقًا بالزيكيوية "Zikist Movement" في فترة الأربعينيات.

وعلى غرار حركة الزنجي الجديد، صاغ أزيكيوي فكرة "أفريقيا الجديدة" في كتاب مبكر في سيرته الحافلة حمل عنوان "أفريقيا الناهضة" (Renascent Africa)؛ وأشار أزيكيوي، بفضل جرأته وصراحته وامتلاكه أداة دعاية فائقة تمثلت في مؤسسته "Zik's Press" النشطة إعلاميًا في غرب أفريقيا حينذاك، إلى ضرورة الفخر بالانتماء الزنجي، مستندًا لتكثيف الضوء على إسهامات الإنسان الزنجي "في جميع مناحي الأنشطة البشرية"، وأن هذه الأنشطة ساهمت بدورها في "تدمير أية ادعاءات واجهت بني وطنه بالدونية، ودفعتهم إلى "احترام وفخر جديدين بالعرق الذي بات مصدرًا للالهام في نضالهم الوطني"، دون أن نغفل الرمز الديني المتضمن في العنوان بعمنى الانبعاث أو العودة للحياة من جديد.

هكذا امتزج التعليم الديني بالثقافة التي حصلها أزيكيوي، وصاغ، على نهج لوك وكتابه "الزنجي الجديد"، أفكارًا عن التنوع الثقافي واحترامه في أفريقيا، وعلو مكانة الإنسان الزنجي، رغم الانتقادات اللاحقة لأزيكيوي بتراجعه عن كثير من أفكاره "الثورية" لصالح برغماتية مراوغة، ظهرت ملامحها خلال توليه منصب الحاكم العام في نيجيريا (1960-1963)، ثم رئاستها حتى العام 1966.

أميركا والزنجي الجديد واستعمار أفريقيا الناعم!

بعد مائة عام من صدور كتاب الزنجي الجديد، والذي تمت ملاحقة مؤلفه في نهاية حياته من قبل السلطات الأمنية والقضائية الأمريكية بتهمة "الشذوذ الجنسي"، وعلى خلفية ملاحقة الأفكار الشيوعية الرائجة في أوساط الجماعات الزنجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، تكشف السلطة الأمريكية عن رؤيتها التقليدية لدور السود في سياساتها الداخلية والخارجية على حد السواء، والتي تتقاطع مع موقع أفريقيا في هذه السياسات.

ساهمت هذه الأنشطة في "تدمير أية ادعاءات واجهت بني وطنه بالدونية، ودفعتهم إلى "احترام وفخر جديدين بالعرق الذي بات مصدرًا للالهام في نضالهم الوطني"، دون أن نغفل الرمز الديني المتضمن في العنوان بعمنى الانبعاث أو العودة للحياة من جديد

خلافًا لما يسود من اعتقاد مناهضة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسود، فإنه عمد منذ بدء ولايته الثانية بالتقرب لمجموعات فاعلة في أوساطهم، ويهمنا في السياق الحالي تقديره واحتفاؤه بالمؤرخين السود وكتابتهم لتاريخ بني جنسهم وبقية مواطني الولايات المتحدة في استضافة البيت الأبيض لإطلاق ما يعرف "بشهر تاريخ السود الوطني" (National Black History Month 2025) في مطلع العام الجاري؛ ومما ورد في خطابه حينذاك رغبته في تعضيد التعاون مع الأفروأمريكيين "فيما تدخل أميركا عهدها الذهبي"، وتدشين هذه الاحتفالية في فبراير/شباط من كل عام، ووجه في الخطاب إلى عقد احتفالات وفعاليات سنوية في هذا الشهر برعاية من المسئولين ومديري المكتبات الكبرى ورجال التعليم.

تلتقي مبادرة ترامب تلك مع سياسات الإدارة الديمقراطية السابقة في تعظيم الاستفادة من الأفروأمريكيين وقدراتهم في دعم سياسات واشنطن الأفريقية، وتوطيد العلاقات مع شعوب القارة، توطئة لتمدد أمريكي كبير داخل القارة، وتأكيدٌ لبعدٍ "ثقافي" في هذا التمدد، وهو ما يرافق السياسة الأمريكية الخشنة تجاه القارة حاليًا، ويكسبها ملمحًا ثقافيًا مهمًا في صورة تعزيز "الحلم الأمريكي"، وأنسنة نهب موارد القارة، وبأداة مجربة تمامًا: تأثير التجربة الزنجية/ الأفروأمريكي وتغلغلها السيكولوجي والعملي في عقول نخب أفريقية، وغرب أفريقية على وجه الخصوص، فاعلة حتى اليوم.

ختامًا؛ تثير مئوية كتاب "الزنجي الجديد" تساؤلات حول التجديد الأفريقي ومدى أصالته، وهل هو قائم في استلهام تجربة "أفروأمريكية" بسياقاتها العنصرية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحفبة إعادة البناء في نهايته ثم حركة النهضة الزنجية في الربع الأول من القرن العشرين؟ أم أن طرح هذا السؤال يمثل أزمة تاريخية في حد ذاته لتجاهله تجارب مواجهة الاستعمار والاستقلال وبناء الدولة، وقبل كل ذلك تجاهله الثقافة والفكر المتغلغلان في بناء المجتمعات الأفريقية ومن تربتها الثرية بالأساس؟ وبين هاتين النقطتين/ السؤالين المتناقضين يمكن النظر لكتاب "الزنجي الجديد" كمشروع فكري إنساني يمكن محاورته ونقده/ نقضه وتفكيكه، وليس بالضرورة "تقديسه".