تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مانديلا موريتانيا.. كيف حوّل "أبو بكر" مرارة الرق إلى وقود للثورة؟

18 مارس, 2026
الصورة
مانديلا موريتانيا.. كيف حوّل "أبو بكر" مرارة الرق إلى وقود للثورة؟
Share

ودّعت موريتانيا يوم الخميس 12 مارس/ آذار الجاري أبو بكر ولد مسعود؛ أيقونة النضال الحقوقي الذي نسج بأسلوبه الهادئ والعنيد خيوط سيرة تضاهي سير كبار الأسماء التي بصمت في تاريخ الحقوق المدنية قاريا وعالميا. بعد ثمانية عقود من الوقوف في وجه الظلم، وتكريس حياته لمناهضة الاسترقاق والدفاع عن ضحايا العبودية، وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية، استراح الجسد المتعب من عناء النضال.

غادرنا أبو بكر تاركا وراءه إرثا نضاليا كُتب بتفاصيل الصبر والمقاومة؛ هو الذي تجرع في نعومة أظفاره مرارة الرق وقسوة أغلاله. لكن تلك المعاناة لم تكن لتكسر روحه، بل كانت الوقود الذي أشعل فيه جذوة التمرد، ليقرر السير على خطى العظماء الذين غيروا وجه التاريخ، أمثال مارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا.

أعلن الراحل ثورته الخاصة على واقع العبودية المرير في موريتانيا، وذلك بعدما فُتحت له أبواب المعرفة، إذ نجح في ولوج المدرسة بفضل تدخل من مديرها الفرنسي الذي تحدى رغبة أسياده، وسجّله رغما عنهم. منذ ذلك الحين، تحولت مسيرته إلى ملحمة إنسانية شاهدة على إرادة لا تلين، ولم تكن حياته في جوهرها إلا صرخة مدوية في وجه الظلم، ومنارة هادية تضيء للأجيال القادمة دروب الحرية والكرامة.

معركة التحرر.. حين يكتب "الأرقاء" تاريخهم

مثّل التعليم نافذة أمل اخترقت جدار المأساة الصلد في حياة الرجل؛ إذ فتحت له منحة لدراسة الهندسة المعمارية في موسكو آفاقا جديدة، حيث تخرج مهندسا عام 1974. لكن هذا الارتقاء الاجتماعي لم يكن وسيلة للتنصل من ماضيه المثقل بالألم، بل ظل مخلصا لمبادئه، وفيا لمقولة نيلسون مانديلا الخالدة: "إن من يرى إنسانا يُهان ولا يشعر هو نفسه بالإهانة، عليه أن يراجع إنسانيته". بهذه الروح المسؤولة، عاد إلى وطنه المنكوب، لا ليبني الحجر فحسب، بل ليضع حجر الأساس لصرح العدالة والمساواة قبل الشروع في تصميم الحواضر والمدن.

شارك في نهاية السبعينيات بمعية لفيف من المثقفين، من فئة الأرقاء السابقين، في تأسيس "حركة الحر"، وقد مثلت هذه الحركة حجر الزاوية في كسر جدار الصمت المطبق حول ظاهرة الرق في موريتانيا، متحدية بذلك تابوهات اجتماعية متجذرة. واجهت السلطات الحركة حينها بالقمع، وعمدت إلى إحالة قادتها على المحكمة العسكرية. لكن الحراك السلمي آتى أكله، ولو بعد حين، ففي عام 1981 أصدرت موريتانيا المرسوم رقم 81/234 يقضي بإلغاء الرق رسميا، لتسجل بذلك اسمها كآخر دولة في العالم تلغي العبودية قانونيا.

تحولت مسيرته إلى ملحمة إنسانية شاهدة على إرادة لا تلين، ولم تكن حياته في جوهرها إلا صرخة مدوية في وجه الظلم، ومنارة هادية تضيء للأجيال القادمة دروب الحرية والكرامة

قرار الإلغاء لم يكن سوى بداية القصة بالنسبة لود مسعود، فالقانون ظل لسنوات بلا تجريم جذري للممارسة نفسها، ما وضعه أكثر من مرة في صدامات أفضت إلى اعتقاله (1992 و1998 و2002...)، خصوصا بعد تأسيسه منظمة "نجدة العبيد" (SOS Esclaves) عام 1995 لمساندة ضحايا الاسترقاق، والترافع عنهم أمام القضاء. وقد ساهمت رغم حرمانها من الترخيص القانوني، حتى عام 2005، في نقل القضية، نتيجة كشفه لحالات الاسترقاق وملاحقة أصحابه، من دائرة الإنكار الاجتماعي إلى النقاش العام والضغط الحقوقي.

نجح الراحل بعد ستة عقود من النضال في إجبار الدولة على تجريم العبودية، ما يعني القطعة مع مرحلة الإنكار السائدة في البلاد لعقود؛ أي نقل القضية من "خيمة القبيلة" إلى "قاعة المحكمة"، هكذا تحول نطاق "العرف الاجتماعي" إلى دائرة "الجريمة القانونية"، وذلك بسن القانون رقم 048/2007 كأول نص قانوني يفرض عقوبات جنائية (سجن وغرامات) على الممارسين للعبودية.

جاءت التعديلات الدستورية لعام 2015 لتنص صراحة على أن العبودية جريمة ضد الإنسانية، ما يجعلها غير خاضعة للتقادم مهما طال الزمن، كما حوّلت التوصيف من جنحة مشددة في قانون 2007 إلى جناية كبرى، تصل إلى 20 عقوبتها إلى عشرين عاما، واستحدث لذلك ثلاث محاكم جنائية متخصصة في قضايا الاسترقاق.

معالجة هذه الظاهرة تقتضي إحداث تحول جذري في البنية السوسيولوجية للمجتمع الموريتاني؛ إذ لا تزال الرواسب النفسية لعلاقة (التابع والمتبوع) متجذرة في الوعي الجمعي

تحول ولد مسعود إلى مانديلا موريتانيا في أعين السلطات التي كانت تحاربه حتى وقت قريب، بعد إقدام بيرام ولد الداه عبيد عام 2008 على تأسيس حركة "إيرا" (مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية) التي سلكت منهجا راديكاليا مقارنة بمنظمة "نجدة العبيد"، حيث تعدت إصدار البيانات نحو تنظيم مسيرات احتجاجية لاقتحام المنازل التي توجد بداخلها حالات استرقاق. وبلغ الصدام مداه عام 2012 بعد حادثة إحراق كتب الفقه بحجة احتوائها على تأويلات بشرية تشرعن الاسترقاق.

عندما تعجز القوانين أمام القيود السوسيولوجية

يبدو أن واقع الأرقام هو السبب وراء تبني بيرام الأسلوب الصدامي، فكسر جدار الصمت القانوني من قبل رفاق ولد مسعود لا يعني كسب المعركة، لأن الحرية ليس مرسوما ينشر في الجريدة الرسمية، بقدر ما هي كرامة تمارس وقدرة على العيش باستقلال. هذا ما تعجز الأرقام على أرض الواقع في تحقيق إلى اليوم رغم تصريحات الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، صيف 2024، عن طموحه إلى "دولة تمحى فيها آثار العبودية وتعلي من شأن العدالة والمواطنة".

نجح الراحل بعد ستة عقود من النضال في إجبار الدولة على تجريم العبودية؛ أي نقل القضية من "خيمة القبيلة" إلى "قاعة المحكمة"، هكذا تحول نطاق "العرف الاجتماعي" إلى دائرة "الجريمة القانونية"

كشف تقرير مؤشر العبودية العالمية (GSI) عن أرقام صادمة تخص موريتانيا، حيث احتلت المرتبة الأولى عربيا والثانية أفريقيا بعد إريتريا، بينما جاءت في المركز الثالث عالميا، فالإحصائيات تقدر الأشخاص الذين يعيشون في ظروف العبودية الحديثة (الرق الوراثي والعمل القسري والزواج القسري) بنحو 149 ألف شخص، ما يعادل 32 حالة لكل 1000 نسمة.

يتأكد هذا الوضع من خلال تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي حول الاتجار بالبشر لعام 2025، والذي صنف الدولة ضمن الفئة الثانية؛ معتبرا أنها لا تمتثل كليا للمعايير الدنيا للقضاء على هذه الظاهرة رغم المساعي المبذولة. يأتي هذا التقييم متسقا مع تقرير الأمم المتحدة الصادر في يوليو/تموز 2025 حول إشكال الرق المعاصرة، حيث أقرّ المقرر الأممي الخاص بحدوث تقدم تقني على الصعيد التشريعي، إلا أنه شدد على أن الواقع المعيشي لآلاف الأفراد لا يزال يعكس ظروفا قاسية ترقى لمستوى العبودية.

تواجه موريتانيا واقعا حقوقيا معقدا يتجاوز حدود الحلول القانونية الجافة؛ فالعبودية هناك لم تعد مجرد ممارسة جسدية عابرة، بل تحولت إلى نظام اقتصادي واجتماعي متجذر صاغته تراكمات عقود من الزمن. يتجلى هذا النظام في العبودية الوراثية التي تنتقل فيها ملكية الأفراد قسرا من الآباء إلى الأبناء، خصوصا في الأرياف، وفي نظام التبعية الاقتصادية المطلقة التي يعيشها "الحراطين" (أرقاء سابقين) باستغلالهم في أعمال الزراعة والرعي مقابل الكفاف من العيش فقط.

إن معالجة هذه الظاهرة تقتضي إحداث تحول جذري في البنية السوسيولوجية للمجتمع الموريتاني؛ إذ لا تزال الرواسب النفسية لعلاقة (التابع والمتبوع) متجذرة في الوعي الجمعي. ويبرز هنا دور التأويلات الدينية المغلوطة التي تُوظف كأداة للهيمنة وبسط النفوذ، مما يولد لدى الضحية ارتكاسا نفسيا يمنعه من التحرر خشية "العقاب" المتوهم. وهذا ما يفسر استمرار بعض الأفراد في الخضوع لسلطة الأسياد رغم انفتاح فرص الانعتاق، نتيجة ترسيخ قناعة ذهنية خاطئة مفادها أن "طاعة السيد هي طريق الجنة، وأن من يعصي سيده يعصي الله".

واضح أن صدمة الأرقام التي كشفها مؤشر العبودية العالمي ليست مجرد إحصائيات، بل صرخة مكتومة لآلاف البشر خلف جدران الصمت. اليوم، لم يعد كافيا أن تُصنف الدولة في الفئة الثانية أو تنجح في تحقيق تقدم تقني، لأن الواقع المعيشي لا يعترف إلا بالحرية التي تُمارس على الأرض. حان الوقت لتنتقل السلطات الموريتانية من مربع الاعتراف بالخلل إلى مربع الاستئصال الجذري، عبر تمكين اقتصادي حقيقي يكسر أغلال التبعية المطلقة، وثورة مجتمعية تعرف العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان على أسس المواطنة لا السخرة.

رحل أبو بكر ولد مسعود بجسده، لكنه ترك خلفه خارطة طريق لا تضل عنها الأجيال. لم يكن مجرد مهندس صمم المباني في موسكو ونواكشوط، بل كان مهندسا للعدالة الاجتماعية، استطاع بصلابته الهادئة أن يهدم جدران الصمت المضروبة حول العبودية. واليوم، وبينما يوارى الثرى، تظل منظمة "نجدة العبيد" وصرخاته في وجه الظلم مناراتٍ حية، تُذكّر الجميع بأن معركة كرامة الإنسان لا تنتهي بموت الفرسان، بل تبدأ من حيث انتهوا.