الاثنين 7 سبتمبر 2026
رسّخ نيلسون مانديلا، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا لجنوب أفريقيا (1994-1999)، حضورًا استثنائيًا في تاريخ العالم، وإن ظل هذا الحضور محيّرًا في بعض جوانبه. فلم يكن خطيبًا آسرًا، ولا زعيمًا مهيبًا من طراز «الرجل العظيم»، ولا مفكرًا معروفًا بإنتاجه النظري الغزير. مع ذلك، اختارت الأمم المتحدة يوم ميلاده، الموافق 18 يوليو/تموز، ليكون «يوم نيلسون مانديلا الدولي»، ليغدو بذلك رئيس الدولة السابق الوحيد في العصر الحديث الذي يحظى بمكانة رمزية عابرة للحدود على هذا النحو. ولعل تفسير هذه المكانة الفريدة يكمن في مدى اقترابه من نموذج «الملك الفيلسوف».
يعود مفهوم «الملك الفيلسوف»، أو «الحاكم الفيلسوف»، إلى الفلسفة الغربية، وتحديدًا إلى مقولة للفيلسوف اليوناني سقراط وردت في كتاب «الجمهورية» لتلميذه أفلاطون: "لن تعرف البشرية راحة من الشرور حتى يتولى الفلاسفة الحقيقيون السلطة السياسية، أو حتى يصبح حكام المدن وأصحاب السلطة السياسية فيها، بتدبير إلهي ما، فلاسفة حقيقيين".
غير أن صفة الفيلسوف هنا لا تقتصر بالضرورة على من درس الفلسفة أو تخصص فيها أكاديميًا. فبحسب الفيلسوف الجنوب أفريقي مابوغو بيرسي مور، ليس الفيلسوف مجرد دارس لهذا الحقل، بل هو أيضًا "فرد يمتلك القدرة على تقديم إسهام أصيل في تطور الفكر الفلسفي وعالم الأفكار، بصرف النظر عن تكوينه الأكاديمي في هذا التخصص".
نشأ هذا المفهوم في سياق تاريخي كان فيه الحكم حكرًا على الملوك أو الأرستقراطيين، وقت كتابة «الجمهورية» بين عامي 380 و375 قبل الميلاد. أما في السياسة الديمقراطية المعاصرة، فلم يعد المصطلح يُستخدم بمعناه الحرفي، بل اتسع ليشمل رؤساء الدول ورؤساء الوزراء والمستشارين، إلى جانب الملوك الذين ما زالوا يتولون الحكم. وهو، في الوقت نفسه، ينطوي على ازدواجية شبيهة بوجهي يانوس. فمن جهة، يجسد النموذج المثالي لقيادة عقلانية وأخلاقية تسترشد بالحكمة؛ ومن جهة أخرى، ينبه إلى خطر انزلاق السلطة إلى الحكم الاستبدادي، وهو الخطر الذي يمثله عنصر الملك أو الحاكم في المفهوم.
بعد خروجه من السجن، قدّم مانديلا نموذجًا عمليًا في تجاوز ما سماه سقراط «الرغبات الوضيعة»، وفي مقدمتها الرغبة في الانتقام، وذلك من خلال تبنيه الصفح والمصالحة
وقد بدا نموذج «الملك الفيلسوف» حاضرًا بوضوح في الجيل الأول من رؤساء الدول الأفريقية بعد الاستقلال، الذين عُرفوا أيضًا باسم «الآباء المؤسسين لأفريقيا». فهؤلاء لم يكونوا قادة سياسيين فحسب، بل كانوا قادة فكر أيضًا، جمعوا بين ممارسة السلطة وصناعة الأفكار.
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي فوسي غوميدي أن "قائد الفكر هو الشخص الذي يمتلك النوع الملائم من المعرفة اللازمة لتحدي نموذج قائم، بغية الدفع نحو تفكير جديد وإلهام الآخرين أيضًا". وهذا بالضبط ما سعى إليه أولئك القادة حين تصدوا للنماذج الإمبريالية والاستعمارية الغربية، وحاولوا ابتكار تصورات جديدة لمستقبل القارة.
ورغم أوجه القصور التي شابت تجاربهم، تحول الآباء المؤسسون إلى رموز ملهمة لشعوبهم في حقبة الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وما رافقها من آمال ونشوة جماعية. ولم يقتصر تأثيرهم على إدارة الدولة، بل امتد إلى عالم الفكر؛ فمن موقعهم بوصفهم «ملوك أفريقيا الفلاسفة»، صاغوا أو روّجوا نظريات ومفاهيم، وألقوا خطبًا بليغة، وألّفوا أعمالًا مؤثرة تناولت الجماعاتية الأفريقية، والقومية الأفريقية، والاشتراكية الأفريقية، والمركزية الأفريقية، وحركة الزنوجة، والنكروماوية، وفلسفة الوعي، والأوجاما.
لكن جنوب أفريقيا خرجت عن هذا المسار التاريخي، فقد بدأ الاستيطان الاستعماري الهولندي فيها منذ القرن السابع عشر، أي قبل موجة «التكالب الأوروبي على أفريقيا» (1880-1914)، ثم رسخت بريطانيا نفوذها الاستعماري في البلاد خلال أواخر القرن التاسع عشر. وبعد ذلك، رزحت جنوب أفريقيا أربعة عقود أخرى تحت حكم الأقلية البيضاء والقومية الأفريكانية ونظام الفصل العنصري، الذي قُدّم رسميًا تحت مسمى «التنمية المنفصلة». ونتيجة لهذا المسار الطويل، تأخر تحرر البلاد حتى عام 1994.
هذا التأخر هو ما جعل مانديلا آخر زعيم أفريقي من جيل قادة ما بعد الاستقلال في القرن العشرين يتولى الحكم. لكنه منحه، في الوقت نفسه، موقعًا فريدًا أتاح له مراقبة نجاحات القادة الأفارقة الآخرين وإخفاقاتهم على مدى أربعة عقود. وخلال سنوات سجنه السبع والعشرين، انصرف إلى القراءة والدراسة على نطاق واسع، وأتيحت له مساحة طويلة للتأمل، منفردًا وبرفقة رفاقه المعتقلين، في أزمات وطنه والقارة من حوله. وقد أسهمت تلك التأملات، إلى جانب الرسائل التي كتبها والاجتماعات التي عقدها وهو لا يزال في السجن، في بلورة فلسفته وصقل نهجه السياسي.
فقد ميّزه تخليه عن الزعامة الموروثة، ثم تنحيه بعد ولاية رئاسية واحدة، عن نظرائه الأفارقة الذين تطلعوا إلى البقاء في السلطة مدى الحياة
تبلور من هذه التجربة نموذج مانديلا في القيادة الفلسفية، مختلفًا عن نماذج أقرانه في أفريقيا والعالم. فقد تميز نهجه بغياب النقائية الأيديولوجية وحضور البراغماتية؛ وهنا يكمن إسهامه الأصيل في عالم الأفكار. فالنقائية الأيديولوجية لا تترك مجالًا للتوترات الجدلية المتأصلة في الوجود الإنساني، في حين تتيح البراغماتية التحرك داخل المساحات الرمادية، والتعامل مع التناقضات، واستيعاب المفارقات، والوصول إلى صيغة توفيقية بين مصالح متكافئة ومتنافسة.
لقد أسهمت هذه البراغماتية، بما تتيحه من انفتاح على التناقض والتعدد، في تنمية مجموعة من الصفات التي يفترض سقراط أن يتحلى بها «الملك الفيلسوف»؛ "فهم محبون لمعرفة ما هو أبدي وللحقيقة بكل صورها؛ يبغضون الزيف؛ وتذوب رغباتهم الوضيعة في السعي إلى المعرفة؛ ويتأملون الزمن كله والوجود بأسره... وهم، فضلًا عن ذلك، ذوو طبع اجتماعي كريم، بعيدون بالقدر نفسه عن الجبن والغرور. يتعلمون ويتذكرون بسهولة؛ وعقولهم متناغمة ومنضبطة؛ وتنساب إليهم الحقيقة عذبة بحكم طبيعتهم".
يقر سقراط بأنه من النادر جدًا العثور على شخص يجمع هذه الصفات كلها. ومع ذلك، يمكن القول إن مانديلا اقترب من هذا النموذج إلى حد لافت.
وُلد مانديلا في كنف أرستقراطية التيمبو المنتمية إلى شعب الخوسا، وكان مقدرًا له أن يخلف والده زعيمًا تقليديًا، لكنه تخلى عن ذلك المسار واختار دراسة القانون ليصبح محاميًا. ومع مرور الوقت، تجاوز حضوره حدود جماعته الإثنية، حتى غدا «ماديبا» الأمة كلها، وهو اسم عشيرته. ويصفه من التقوه بأنه كان يشع نبلًا، مجسدًا ما سماه سقراط «الطبع الاجتماعي الكريم». وفي الوقت نفسه، كان «بعيدًا بالقدر نفسه عن الجبن والغرور»، إذ جمع بين الحزم والتواضع. وقد ميّزه تخليه عن الزعامة الموروثة، ثم تنحيه بعد ولاية رئاسية واحدة، عن نظرائه الأفارقة الذين تطلعوا إلى البقاء في السلطة مدى الحياة.
لم يقتصر هذا التوازن على شخصيته، بل ظهر أيضًا في مسيرته الفكرية والسياسية. فكلما ارتقى درجات القيادة، تحرك بين توجهات أيديولوجية متعددة واستوعب ما بينها من توترات. فقد تبنى القومية الأفريقية والاشتراكية، اللتين شكّلتا ركيزتين لكثير من مشاريع ما بعد الاستعمار في القارة، وكذلك لحزبه، المؤتمر الوطني الأفريقي.
في الوقت نفسه، اعتنق الشيوعية بصفته عضوًا سريًا في الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي. ثم أصبح راعيًا للجبهة الديمقراطية المتحدة متعددة الأعراق وهو لا يزال سجينًا في بولسمور عام 1983. وفي نهاية المطاف، أشرف على وضع الدستور الجديد لجمهورية جنوب أفريقيا عام 1996، الذي حظي بإشادة واسعة بوصفه منارة للديمقراطية الليبرالية. وقد صقلت قدرته على الجمع بين هذه التوجهات المتباينة فهمه للتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية.
انعكست المرونة نفسها في موقفه من العنف، فعندما انضم إلى المؤتمر الوطني الأفريقي في أربعينيات القرن العشرين، دعا في البداية إلى اللاعنف، لكنه غيّر استراتيجيته لاحقًا، وأصبح القائد العام المؤسس لجناح المؤتمر شبه العسكري، «أومخونتو وي سيزوي»، في ستينيات القرن نفسه. ثم عاد، خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، ليحسم خياره مجددًا لصالح اللاعنف. وقد أكسبه التعامل مع هذا الطيف الواسع، الممتد من السلمية إلى الراديكالية، قدرة على التمييز بين عنف قد يخدم غاية أسمى، وآخر مجاني لا مسوغ له.
النقائية الأيديولوجية لا تترك مجالا للتوترات الجدلية المتأصلة في الوجود الإنساني، في حين تتيح البراغماتية التحرك داخل المساحات الرمادية، والتعامل مع التناقضات، واستيعاب المفارقات، والوصول إلى صيغة توفيقية بين مصالح متكافئة ومتنافسة
بعد خروجه من السجن، قدّم مانديلا نموذجًا عمليًا في تجاوز ما سماه سقراط «الرغبات الوضيعة»، وفي مقدمتها الرغبة في الانتقام، وذلك من خلال تبنيه الصفح والمصالحة. وهكذا أصبح قائدًا يتوسط بين الضحايا والجناة، سعيًا إلى صيغة جامعة تتجاوز مصالح كل طرف على حدة.
مع ذلك، لا يخلو إرث مانديلا من النقد. فقد اتُّهم أحيانًا بأنه تخلى، بعد وصوله إلى الرئاسة، عن المطالب الجوهرية، ولا سيما الاقتصادية منها، الواردة في «ميثاق الحرية» لعام 1955. غير أن بوصلته الأخلاقية ظلت موجهة بثبات نحو ديباجة الميثاق التي تنص على أن «جنوب أفريقيا ملك لجميع من يعيشون فيها، سودًا وبيضًا». وكانت قيم اللاعرقية والتعددية الثقافية هي التي وجّهت انخراطه الفاعل مع مختلف مكونات المجتمع، على اختلاف أعراقها وإثنياتها وأديانها وهوياتها ومصالحها.
اكتسبت هذه الرؤية طابعًا أبويًا في صورة مانديلا العامة، إذ عُرف بمودة باسم «تاتا»، أي «الأب» بلغة الإيسيخوسا. وجسّد في تعامله مع أبناء وطنه ذلك النوع من المحبة غير المشروطة التي يسعى الأب إلى منحها لأبنائه، رغم اختلاف شخصياتهم وتفاوت قدراتهم وتنافس مصالحهم. كما تجلت تعدديته الثقافية بوضوح في احتضانه رياضة الرجبي، التي ارتبطت تاريخيًا بالأقلية البيضاء من لاعبين ومشجعين، عندما استضافت جنوب أفريقيا كأس العالم للرجبي عام 1995. وفي المقابل، دعم بنجاح ملف استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2010، وهي رياضة غلب على لاعبيها وجمهورها أبناء الأغلبية السوداء.
تختزل مسيرة مانديلا تحولًا رمزيًا نادرًا؛ فبصفته ناشطًا ثوريًا، أدرجته دول كثيرة على قوائمها للإرهاب، قبل أن يحصل عام 1993 على جائزة نوبل للسلام، وهو تكريم لم يحظ به أي من الملوك الفلاسفة الأفارقة الآخرين. ثم رسّخ مكانته بوصفه رجل دولة من الطراز الرفيع، ونال خلال مسيرته أكثر من 250 وسامًا وتكريمًا، حتى غدا اسمه مرادفًا لـ«القيادة الأخلاقية».
غير أن الجمع بين الحكمة والسلطة، وهو جوهر نموذج الملك الفيلسوف، يظل أمرًا بالغ الصعوبة في النظم الحديثة. ففي كتابه «الملوك الفلاسفة المعاصرون: الحكمة والسلطة في السياسة» (2023)، يرى هيغ باتابان أن «الديمقراطية تبدو العقبة الأشد استعصاءً أمام جميع المحاولات الحديثة لإقامة حكم الملوك الفلاسفة». لكن المفارقة، بحسب باتابان، أن العالم لا يزال في حاجة إلى «محاولات نبيلة لتهذيب السلطة وتمكين الحكمة». ومع ذلك، ينبغي ألا نغفل أن السياسة، وإن كانت «منفتحة على الحكمة والفلسفة»، تضم في داخلها أيضًا قوى مؤثرة تقاوم اقترانهما.
هنا تحديدًا تكمن فرادة مانديلا. فقد أتاحت له براغماتيته الأيديولوجية، بما جمعته من حدس وحسابات استراتيجية، أن يعثر على نقطة التوازن الدقيقة التي تلتقي عندها الديمقراطية والأرستقراطية، والحكمة والسلطة، والفلسفة والسياسة.