تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

مالي.. خطايا النظام العسكري تنذر بتفكك الدولة

9 ديسمبر, 2025
الصورة
مالي.. خطايا النظام العسكري تنذر بتفكك الدولة
Share

شهدت مالي ولادة حركة معارضة جديدة، في 5 دجنبر/كانون الأول الجاري، باسم "ائتلاف القوى من أجل الجمهورية" (CFR) بقيادة الإمام محمود ديكو، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى الإسلامي والأكاديمي المنفي – المعتقل السياسي سابقا- إتيان فاكابا سيسوكو بمعية شخصيات أخرى سياسية ومدنية لم تكشف عن نفسها خوفا من بطش السلطة، تدعو ـ وفقا البيان التأسيسي ـ إلى استعادة النظام الدستوري وفتح حوار وطني شامل انسجاما مع توصيات عام 2017، لأجل ذلك تعتبر "المقاومة واجبا وطنيا" في ظل ما تعتبره "فشلا للدولة في حماية المدنيين".

حركة سلمية سرية قائمة على قيم الجمهورية تدعو، كما أكد على ذلك الإمام ديكو في مقابلة إعلامية، إلى العصيان المدني والمقاولة الأخلاقية من داخل المؤسسات، لأن "المجلس العسكري حوّل السيادة إلى شعار وسلم أمننا للمرتزقة"، ولأن "الدولة تقتل جنودها بعجزها أو إهمالها أو كذبها". لذلك يضيف الشيخ "ْأقول للشعب المالي إن زمن الخوف قد ولى، وأن سفك الدماء يجب أن يتوقف، وأن البلاد قادرة على استعادة السلام".

استراتيجية الأرخبيل.. باماكو والحرب الاقتصادية

ينهار الجيش المالي أمام جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبط بتنظيم القاعدة بشكل مثير، ضد ما سوّقه عن نفسه بوصفه منقذا للبلاد من مختلف الآفات؛ الفساد والتدخل الأجنبي والفشل العسكري. تعيش باماكو منذ أسابيع على وقع ضغوط غير مسبوقة في واحدة من أخطر مراحل الصراع منذ أكثر من عقد، ما حوّل المعركة مع المتطرفين من الهوامش والأطراف نحو مركز الدولة، وفق استراتيجية محكمة الإعداد والتنفيذ من قبل التنظيم الذي رجّح الكفة لصالح على الأرض.

نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي اعتبرت الجماعة جميع الطرق المحيطة بالعاصمة "مناطق حرب"، ونجحت في فرض قواعدها على السكان في المناطق التي أخضعتها لسيطرتها، ما اضطر شركات نقل دولية إلى تعليق خدماتها بين الموانئ الساحلية وباماكو. لا سميا بعد نجاح التنظيم في تنفيذ استراتيجية الأرخبيل القائمة على محاصرة المدن الكبرى عبر قطع الطرق بينها، وتحويل محيطها إلى نقط سيطرة متناثرة، بحيث تبدو أشبه بجزر معزولة داخل بحر واسع من النفوذ المسلح.

يضيف الشيخ "ْأقول للشعب المالي إن زمن الخوف قد ولى، وأن سفك الدماء يجب أن يتوقف، وأن البلاد قادرة على استعادة السلام"

تمكن التنظيم بفضل هذه الخطة من إحكام الطوق على باماكو، ونجح في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة لصالح الضغط الاقتصادي عبر تعطيل إمدادات المحروقات، ما أوقف معظم الأنشطة الاقتصادية في العاصمة التي دخلت، وفقا مجلة جون أفريك، حالة شلل جزئي لم تعرفها منذ اندلاع الحرب عام 2012.

استغلت الجماعة ضعف الدولة وتآكل الثقة في مؤسساتها، لتفرض نفسها من خلال حضورها الاجتماعي والدعوي في عدد من المناطق عبر المحاكم الشرعية، لا كمجرد قوة عسكرية تقاتل الدولة، بل لاعبا اجتماعيا يملأ الفراغ الذي تتركه السلطة وراءها، فالتقديرات تتحدث عن أن الجيش النظامي لا يسيطر سوى على 25٪ من الأراضي ما يزيد الأزمة تعقيدا.

استقواء المتطرفين من أخطاء النظام العسكري

تاريخيا، ارتكزت قوة تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"؛ فرع تنظيم القاعدة في الساحل، في مناطق محددة بشمال ووسط مالي، لكنه نجح في التوسيع والانتشار نحو الغرب قرب الحدود والجنوب، مستغلا تعقد الأوضاع لدى الحكومة التي أعقبت الانقلاب؛ بفتح أكثر من جبهة مع القوى المدنية والأحزاب السياسية المطالبة بالعودة إلى الديمقراطية، ومن ناحية أخرى مع الحركات الانفصالية في شمال البلاد بعد انهيار اتفاق المصالحة لعام 2015.

أتاح ذلك للجماعة فرصة لتعزيز بنيتها التنظيمية، وإعادة بناء قدراتها المالية والعسكرية، فتعدد جبهات انشغال النظام العسكري مكنها من تعزيز مواردها المالية بفرض ضرائب على السكان وزيادة مداخيل الفدية المتأتية من عمليات الخطف؛ آخرها خطف ثلاثة مصريين تم الإفراج عنهم قبل أيام، وبدرجة أقل السيطرة على المعابر الحدودية، فشمال مالي على سبيل المثال لا يزال خارج سيطرة الحكومة.

النصيب الأكبر من المسؤولية على عاتق نظام غويتا، فبذل السعي إلى رص الصفوف الداخلية أمعن في إذكاء الفرقة، بإيقاف مظاهر الحياة السياسية في البلاد، ما خلق جبهات مواجهة مجانية كتلك التي أطلقها الإمام محمود ديكو قبل أيام

يبقى الاستيلاء على الثروات المحلية في المناجم أهم مورد لجل التنظيمات في أفريقيا، التي لا تشكل مالي استثناء منها، حيث تنقلب ثروات معظم الدول نقمة بعد أن يبسط المتطرفون أيديهم عليها. قاريا، تعد مالي ثالث أكبر منتج للذهب، ويقع أكبر مناجم الاستخراج (إنتاكا في غاو) في شمال البلاد، حيث ينتشر الجماعة، ما يجعل المنجم فعليا خارج سيطرة الحكومة.

في السابق كانت اليد الخفية الأجنبية سبب فشل الدول في أفريقيا، خلافا لما عليه الحال اليوم في مالي التي تواجه انهيارا أمنيا وسياسيا صنعته أيادي محلية؛ فما يحدث هناك من عجز واضطراب وفوضى في بنية الدولة طيلة خمس سنوات من صنع الحكام العسكريين الذين استقووا بالخارج لإيجاد مسوغات وحلفاء قصد تبرير قمع الأصوات المخالفة في الداخل والخارج.

الاستقواء بالخارج تحقيقا للشرعية

قدّم النظام العسكري في باماكو بكثرة أخطائه هدايا مجانية للتنظيم، فبطش السلطة وجبروتها ضد السكان دفعهم إلى الارتماء في أحضان المتطرفين بحثا عن الحماية والأمن. بذلك يكون عمل الحكومة عكسيا، فبدلا الاشتغال على وحدة الصف الداخلي، قام بتكريس سلطة الجيش، وتعليق أطوار العملية الديمقراطية الفتية في البلاد؛ بتمديد ولاية أسيمي غويتا خمس سنوات قابلة للتمديد، ما يعني واقعيا إرساء نظام الحزب الواحد القائم على شرعية القوة والعنف (الانقلاب).

لم ينفع كل ذلك النظام الانقلابي في شيء، فالحكومة في باماكو تنتظر ولادة قوة مشركة بين ثلاثي الساحل بهدف محاربة الجماعات المسلحة. لكن تأخر عملية الإطلاق يوحي بتعثر المشروع، وهذا ما يؤكد كلام الخبراء بأن فكرة "قوات مشتركة" ولدت مشوهة من الأصل، ما يعدم أي فرصة لنجاحه.

فعلى فرض تشكيل قوة باسم "تحالف الساحل"، سيكون انعدام الموارد اللازمة من أجل تمويلها قصد توفير الأسلحة المتطورة أولى العقبات في وجهها. هنا تثار متوالية من الأسئلة حول مدى جدية الشعارات التي يرفعها التحالف؟ وأي أفق مستقبلي لهذا التحالف الجديد، بعد عجزه عن تشكيل قوة لتوفير الحماية للمواطنين في أول اختبار لمدى صدقيته؟

يبقى الاستيلاء على الثروات المحلية في المناجم أهم مورد لجل التنظيمات في أفريقيا، التي لا تشكل مالي استثناء منها، حيث تنقلب ثروات معظم الدول نقمة بعد أن يبسط المتطرفون أيديهم عليها

إن لم تتحرك قوة التحالف في أزمة كهذه حيث كيان الدولة مهدد برمته، بعدما دخلت مالي منعطف تفكيك تدريجي لمكونات الدولة، فأي حدث يستحق التحرك أكثر من الذي تعيشه الآن. سياسة الارتهان إلى الخارج حركت الإمام محمود ديكو ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ لثني الجيش على سياسة تجريف الحياة السياسية في مالي، وربما تمتد تداعياته إلى لتعم منطقة الساحل برمتها.

البحث عن دعم عسكري إقليمي يؤكد فشل الدعم الروسي (فيلق أفريقيا) للنظام في باماكو، فالظاهر أن موسكو لم ينجح حتى الآن في تثبيت دعائم النظام العسكري في مالي. وعلى ما يبدو كان لتدخلها مفعول ارتدادي، فحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس ارتكب وحدة عسكرية روسية أثناء تعاونها مع الجيش في ملاحقة المتطرفين جرائم وحشية، شملت الاغتصاب وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث...

وفي شهادة قاسية لمراسل الوكالة عن نقلا عن مدنيين هربوا نحو الحدود الموريتانية، يقول أحد زعماء القرى في مالي: "إنها سياسة الأرض المحروقة. الجنود لا يتحدثون إلى أحد. يطلقون النار على أي شخص يرونه. لا أسئلة ولا تحذير. لا يعرف الأشخاص حتى لماذا يتم قلتهم".

ما يجري في مالي منذ أسابيع يمثل درسا في المسؤولية الذاتية عن الانهيار، رغم مزاعم النظام العسكري تورط قوى خارجية؛ تارة فرنسا وتارة أخرى الجزائر. على فرض صحة هذه الادعاءات، فالنصيب الأكبر من المسؤولية على عاتق نظام غويتا، فبذل السعي إلى رص الصفوف الداخلية أمعن في إذكاء الفرقة، بإيقاف مظاهر الحياة السياسية في البلاد، ما خلق جبهات مواجهة مجانية كتلك التي أطلقها الإمام محمود ديكو قبل أيام.

إن الفوضى التي تعيشها مالي ليست مفروضة من الخارج، بقدر ما هي نتاج سياسات حكومية داخلية اعتمدت على الخارج لتغطية إخفاقاتها الداخلية، فكانت النتيجة تداعي كل شيء بشكل غير مسبوق، فالتماسك الهش ينذر بتفكك الدولة في أي لحظة.