تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

مالي بعد هجمات 25 أبريل.. هل بدأ العد العكسي لنظام غويتا؟

7 مايو, 2026
الصورة
مالي بعد هجمات 25 أبريل.. هل بدأ العد العكسي لنظام غويتا؟
Share

تعرضت مالي، فجر 25 أبريل/نيسان، لهجوم منسق غير مسبوق في حجمه، استهدف ما لا يقل عن ست مناطق، بينها العاصمة باماكو. ونفذت الهجمات جماعتان مسلحتان، هما: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد.

شملت الهجمات مدينة كاتي، وهي مدينة عسكرية تقع شمال باماكو، وتُعد مركزا أساسيا لنفوذ المجلس العسكري المالي بقيادة الجنرال عاصمي غويتا، الذي يحكم البلاد بقبضة مشددة منذ انقلاب 24 مايو/أيار 2021. كما استُهدف المنزل الخاص لوزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، أحد أبرز مهندسي التقارب بين مالي وروسيا. وقد لقي كامارا حتفه متأثرا بإصابته، إلى جانب عدد من أفراد عائلته، في تفجير بسيارة مفخخة.

في شمال البلاد، سقطت مدينة كيدال، المعقل التاريخي للانفصاليين، في أيدي المسلحين. وكانت القوات المالية قد استعادت السيطرة على المدينة عام 2023 بدعم من شركة فاغنر الروسية شبه العسكرية، التي حلّ محلها لاحقا "الفيلق الأفريقي" بعد مقتل يفغيني بريغوجين.

تواجه السلطات في باماكو منذ ذلك الوقت ضغوطا متزايدة، ففي تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية في باريس يوم 29 أبريل/نيسان الماضي، قال محمد المولود رمضان، المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، إن "النظام سيسقط عاجلا أو آجلا". وتبدو أهداف الجماعات المسلحة واضحة، وهو السيطرة على مدن غاو وتمبكتو وميناكا، وقبل ذلك دفع القوات الروسية إلى مغادرة البلاد. وأضاف رمضان: "مشكلتنا سياسية"، مشيرا إلى أن الجبهة "نظرت بسلبية شديدة إلى التدخل الروسي دعما للمجلس العسكري".

بعد غياب عن الأنظار استمر ثلاثة أيام، ظهر عاصمي غويتا في 28 أبريل/نيسان الماضي في خطاب متلفز، مؤكدا أن الوضع "تحت السيطرة". غير أن هذه الرواية سرعان ما اصطدمت بتصريحات جبهة تحرير أزواد، وبعدد من التقارير الميدانية التي تحدثت عن تصاعد الضغط العسكري، وتضييق الخناق تدريجيا حول باماكو.

ولفهم أبعاد هذه الهجمات وتداعياتها، طرحنا أربعة أسئلة على إيفان غيشاووا، وهو محلل في النزاعات الدولية، وتتركز اهتماماته وأبحاثه خصوصا على الأزمة السياسية وحوكمة الأمن في منطقة الساحل.

ميشال بورون: ما الذي يمكن استخلاصه من التحالف بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد؟

إيفان غيشاووا: إن تسلسل الأحداث لافت من حيث حجم الهجمات ومستوى الأداء اللوجستي. فتنفيذ هذا العدد من العمليات، في هذا العدد من المواقع، وعلى امتداد بلد شاسع تبلغ مساحته 1.24 مليون كيلومتر مربع، من دون أن ينكشف الأمر مسبقا، يُعد حدثا تاريخيا. لقد شكّل ذلك صدمة كبرى في تاريخ مالي، وربما فاق في وقعه الحرب التي اندلعت عام 2012. ففي ذلك العام، بدأ التمرد بطريقة كانت، في نهاية المطاف، قريبة من الدورات السابقة للتمرد، مع إطلاق نار في ميناكا وغاو وتمبكتو وكيدال، وهي عمليات كانت مهمة لوجستيا بالفعل. لكن باماكو لم تكن حينها جزءا من المعادلة.

حتى وقت قريب، لم يكن يُعتقد أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد قادرتان على تنسيق عملياتهما بهذا المستوى من الفاعلية. صحيح أن فكرة التحالف بينهما طُرحت ونوقشت على نطاق واسع، لكن قلة كانت تتوقع أن تتحول إلى واقع، بسبب الخلافات بينهما حول المشاريع السياسية. ويبدو أن هذه العقبات جرى تجاوزها جزئيا الآن، على الأقل في سياق هذه الهجمات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن التحالف سيصمد طويلا.

أظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد حتى الآن قدرا من الانضباط؛ فقد التزمت قواتهما أوامر القيادة المركزية بدقة لتنفيذ عمليات في أنحاء البلاد، بما يوحي بوجود مستوى من المسؤولية السياسية لدى المهاجمين

من الواضح أن هذا الانتشار العسكري المنسق يحمل بصمة الاستراتيجي المعروف إياد أغ غالي، الذي يُرجح أنه حرص أيضا على مزج الوحدات بعناية، مراعاة للحساسيات بين المكونات المجتمعية المختلفة. أما جبهة تحرير أزواد، فقد تخلت عمدا عن الصورة التي سعت طويلا إلى ترسيخها بوصفها حركة علمانية قادرة على مخاطبة صناع القرار في الغرب. وبذلك، تكون قد ضحّت فعليا برصيدها الدبلوماسي من أجل هدف تعدّه أكثر إلحاحا بكثير: إزاحة النظام العسكري.

ميشال بورون: ما التبعات السياسية المباشرة لهذه الهجمات؟

إيفان غيشاووا: إلى جانب قدرتها على تنسيق هجمات في جبهات متعددة، نجحت الجماعات المسلحة في توجيه ضربة قاسية للنظام، عبر استهداف شخصية محورية في باماكو، هي وزير الدفاع ساديو كامارا. وهذا من شأنه أن يزعزع تماسك السلطة، التي يديرها عمليا خمس جنرالات يستند كل منهم إلى فصيل موالٍ داخل الجيش. ومن ثم فإن غياب أحد أبرز أعضاء هذا الخماسي يربك المنظومة كلها.

نحن الآن أمام لحظة شديدة الاضطراب، يطغى عليها قدر كبير من الغموض. فثمة أسئلة أساسية لا تزال بلا إجابات واضحة. من يمسك فعليا بزمام القيادة؟ ومن يتولى إدارة المرحلة المقبلة؟

لقد اختفى قائد المجلس العسكري، عاصمي غويتا، ثلاثة أيام قبل أن يظهر مجددا في 28 أبريل/نيسان بخطاب لم يبدد المخاوف. فقد بدا وضعه الجسدي مقلقا، من حيث التعرق وضيق النفس وضعف الصياغة والإلقاء. ولم يقدّم في كلمته أي جديد، بل اكتفى بالتأكيد أن النظام سيقضي على التهديد، كما لو أن شيئا لم يحدث، رغم أن سلطته تلقت للتو واحدة من أقسى الضربات التي تعرض لها نظام مالي في تاريخه.

ينبغي أيضا النظر إلى هذا الهجوم بوصفه حصيلة خمس سنوات من حكم نظام أخمَد كل أشكال المعارضة السياسية بالقسر والترهيب. فقد حكم العسكريون البلاد طوال هذه الفترة من دون قيود فعلية. لذلك، فإن الهجوم المسلح يمثل، بالضرورة، فشلا يتحملون مسؤوليته. غير أنهم يفضلون استحضار فكرة الرعاة الدوليين للإرهاب، في خطاب يقوم على الدعاية والإنكار، بدلا من الاعتراف بأن جذور الأزمة مالية في الأساس. وهم يواصلون إقامة ستائر دخان لإخفاء مسؤوليتهم. وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحا بشأن قدرتهم على إطلاق مسار يتجاوز مجرد الحفاظ على النظام في المدى القصير.

ميشال بورون: ما موقف الروس، حلفاء المجلس العسكري منذ عام 2022؟

إيفان غيشاووا: يبدو الموقف الروسي ملتبسا إلى حد كبير، ففي 28 أبريل/نيسان، ظهر عاصمي غويتا إلى جانب ممثلين روس في مشهد أراد تأكيد تضامن موسكو مع مالي. كما أصدرت السفارة الروسية في باماكو بيانا قالت فيه إنها أحبطت محاولة انقلاب، مؤكدة أن روسيا ستظل دائما إلى جانب مالي. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نشر "الفيلق الأفريقي" مشاهد لضربات نفذتها طائرات مسيّرة، في محاولة لإظهار حضوره العسكري على الأرض.

لكن هذه الرسالة تحمل وجهين؛ فهي تطمئن النظام من جهة، لكنها تكشف من جهة أخرى حجم اعتماده الكبير على القوات الروسية.

في المقابل، يتناقض هذا الخطاب مع صور انسحاب القوات الروسية من كيدال بعد مفاوضات، وكذلك من تيسيت في منطقة غاو. ولكيدال رمزية خاصة؛ فقد رُفع علم فاغنر فوق حصنها بعد استعادتها عام 2023، واستخدم المجلس العسكري ذلك لاحقا لإظهار أنه نجح حيث أخفق أسلافه المدنيون، عبر إعادة المدينة إلى السيطرة المالية. لذلك ارتبط مصير كيدال في السنوات الأخيرة بروسيا ارتباطا وثيقا، سواء في لحظة الانتصار أو في لحظة التراجع.

إن استخدام العنف من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد لا يزال منضبطا نسبيا. فعلى الرغم من أن الهجوم على وزير الدفاع خلّف عددا كبيرا من الضحايا المدنيين، فإن الهدف الأساسي كان عسكريا

تُطرح الآن أسئلة جدية حول فاعلية الإستراتيجية الروسية ومستقبل التعاون مع موسكو. فالنظام المالي والروس يحاولون معالجة هذا الفصل غير المشرّف بحلول مؤقتة ومرقعة. لكن الروس براغماتيون للغاية؛ فإذا لم يقاتل الجنود الماليون بالعزيمة المتوقعة، وإذا رأت موسكو أن الوضع يخرج عن السيطرة، ويكبدها خسائر هائلة، فقد تختار الانسحاب كما فعلت في سوريا. وفي كل الأحوال، فإن إخراج الروس من مالي يظل الهدف العاجل لكل من جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

ميشال بورون: ما البديل السياسي الذي تطرحه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد؟

إيفان غيشاووا: مع كل الزخم العسكري والاضطرابات الحالية داخل النظام، لا تلوح حتى الآن أية انفراجة سياسية في الأفق، لا من المجلس العسكري ولا من المتمردين. هناك شخصيات سياسية تترقب في الخلفية، ومستعدة للعودة إلى الواجهة في مالي خالية من حكم المجلس العسكري. لكن أحدا لا يبادر بعد، لأن أي تحرك في هذه اللحظة قد يجعل صاحبه يبدو كأنه واجهة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

الروس براغماتيون للغاية؛ فإذا لم يقاتل الجنود الماليون بالعزيمة المتوقعة، وإذا رأت موسكو أن الوضع يخرج عن السيطرة ويكبدها خسائر هائلة، فقد تختار الانسحاب كما فعلت في سوريا

يفتح هذا الباب أمام أسئلة مقلقة بشأن المرحلة المقبلة في ظل غياب دينامية سياسية واضحة. هل نحن أمام تصعيد جديد للعنف؟ لقد وقعت بالفعل حوادث قتل غوغائي في باماكو، استهدفت أشخاصا اشتُبه في أنهم إرهابيون. وهذه الوقائع مقلقة، وقد تكون مؤشرا على بداية انزلاق خطير نحو عنف ذي طابع جماعاتي.

حتى الآن، يبدو أن استخدام العنف من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد لا يزال منضبطا نسبيا. فعلى الرغم من أن الهجوم على وزير الدفاع خلّف عددا كبيرا من الضحايا المدنيين، فإن الهدف الأساسي كان عسكريا.

بهذا المعنى، لم تكن أحداث 25 أبريل/نيسان موجة عنف منفلتة، كما أنها لا تشبه حملة على طريقة هيئة تحرير الشام، التي أسقطت نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024 باستخدام أساليب عسكرية تقليدية. ومع ذلك، أظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد حتى الآن قدرا من الانضباط؛ فقد التزمت قواتهما أوامر القيادة المركزية بدقة لتنفيذ عمليات في أنحاء البلاد، بما يوحي بوجود مستوى من المسؤولية السياسية لدى المهاجمين.

لقد كانت هذه الحركات تتواصل وتخطط منذ أشهر، ويبدو أن لديها إستراتيجية، ربما لم تتبلور بعد بصورة كاملة، لكنها تقوم على مراحل يمكن تمييزها: طرد الروس، إسقاط المجلس العسكري، فتح باب النقاشات، ثم تسهيل عودة شخصيات مدنية من المنفى، ولا سيما من صفوف المعارضة. ومع ذلك، يبقى الحذر ضروريا، لأن التاريخ العنيف لمنطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة خالف التوقعات مرارا.