الأحد 7 يونيو 2026
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته للعاصمة الكينية نيروبي أن حقبة "المجال المحفوظ"، أو ما يُعرف بـ "البريكاري" (Pré carré) الفرنسي في أفريقيا قد انتهت تماما بلا رجعة. وأوضح في خطاب ألقاه أمام منتدى للأعمال أن السياسة الفرنسية تجاه القارة السمراء انتقلت إلى مرحلة جديدة تقوم على "الشراكة المتوازنة" والندية، بعيدا عن مفاهيم الوصاية التاريخية أو التدخل المباشر في الشؤون السياسية للدول الأفريقية، مشددا على أن فرنسا تسعى لتكون شريكا استراتيجيا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمناخ.
جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي في سياق محاولات باريس إعادة تموضعها في القارة، خاصة مع تراجع نفوذها التقليدي في دول غرب أفريقيا لصالح قوى دولية وإقليمية أخرى. واعتبر ماكرون أن اختيار كينيا، وهي دولة ناطقة بالإنجليزية ولم تكن يوماً ضمن المستعمرات الفرنسية السابقة، كوجهة رئيسية لهذه التصريحات يحمل رسالة رمزية قوية؛ مفادها أن فرنسا تتطلع للانفتاح على القارة بأكملها بناءً على المصالح الاقتصادية المشتركة وليس بناءً على الروابط اللغوية أو الاستعمارية الموروثة.
في الجانب الاقتصادي، شدد ماكرون على أن الشركات الفرنسية مدعوة للاستثمار في أفريقيا بروح "المشاريع المشتركة" التي تساهم في خلق فرص العمل محلياً ونقل الخبرات التقنية، بدلاً من نموذج الاستخراج والتصدير القديم. وأشار إلى أن بلاده لم تعد تنظر إلى أفريقيا من منظور أمني بحت، بل كقارة شابة تمتلك مفاتيح النمو العالمي، وهو ما يتطلب تغييراً في العقلية الدبلوماسية الفرنسية لتبني نهج أكثر تواضعاً وإصغاءً لتطلعات الشعوب الأفريقية، خاصة في أوساط الشباب والمبتكرين.
وقد قوبلت هذه التصريحات بردود فعل متباينة، حيث رأى فيها بعض المحللين الأفارقة اعترافاً متأخراً بالواقع الجيوسياسي الجديد الذي يفرض على فرنسا التخلي عن نفوذها القديم إذا أرادت البقاء في المنافسة. وفي المقابل، لا تزال هناك شكوك لدى بعض القوى السياسية الأفريقية حول مدى قدرة باريس على ترجمة هذا الخطاب إلى أفعال ملموسة، خاصة فيما يتعلق بالسياسات النقدية والوجود العسكري المتبقي في بعض الدول، وهي ملفات لا تزال تثير حساسيات واسعة تجاه الدور الفرنسي في القارة.
تعكس زيارة ماكرون لكينيا وتصريحاته حول انتهاء "المجال المحفوظ" رغبة فرنسية حثيثة في تنويع شراكاتها الأفريقية بعيداً عن الفضاء الفرنكوفوني التقليدي الذي يشهد تحولات دراماتيكية. ومع تصاعد التنافس الدولي في أفريقيا، تسعى باريس عبر هذه الاستراتيجية إلى تقديم نموذج جديد من التعاون يتجاوز إرث الماضي، في محاولة للحفاظ على موطئ قدم لها في قارة أصبحت ساحة رئيسية لإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد.