تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ماذا يعني يوم استعادة الاستقلال لجيل Z في صوماليلاند؟

18 مايو, 2025
الصورة
ماذا يعني يوم استعادة الاستقلال لجيل Z في صوماليلاند؟
Share

يتكرر المشهد كل عام؛ في 18 مايو/آيار تغرق الشوارع في الأعلام، ويسود الوجوه الترقب والانتظار، وتبعث الأغاني من كل زاوية، كأن المدينة كلها تنبض بلحن واحد. ينشر شيء مختلف في الهواء؛ طاقة لا تشبه الأيام العادية. الكل يستعد لشيء أكبر، لاحتفال لا كباقي الاحتفالات؛ صوماليلاند  تحتفل باليوم الوطني.

أعلنت صوماليلاند استقلالها عن الصومال، في 18 مايو/أيار 1991، إيذانا بميلاد دولة جديدة، تتمتع بالحكم الذاتي. مثل هذا الإعلان، وبالرغم من غياب الاعتراف الرسمي من المجتمع الدولي، إنجازا تاريخيا هاما لشعب صوماليلاند، إذ جسد رغبتهم في الاستقرار والحكم الذاتي والسلام وبناء الدولة، بعد سنوات من الصراع والاضطرابات. خطوة عززت الشعور بالفخر والأمل، وأرست الأساس لجهود متواصلة لتحقيق الاعتراف الدولي.

لم أكن موجودا يوم الثامن عشر من مايو/آيار عام 1991، ولم أكن من المحتفلين بذلك اليوم. لكن، لهذا اليوم هالة فريدة في قلبي ليس باعتباره مجرد تاريخ، بل جزءا معقد من هويتي الشخصية، أنا المنتمي إلى جيل لم يعش الاستقلال، لكنه ولد على حافته، محملا بأسئلته وتناقضاته.

يعتبر جيل Z الذي يأتي بعد جيل الألفية، من أكثر الأجيال تنوعا، وهو من أوائل الأجيال التي نشأت في صعود التكنولوجيا والتحولات الكبرى، لذلك يطلق عليه أيضاً الجيل الرقمي الأصلي. فقد لعب التقدم التكنولوجي دوراً محورياً في تشكيل هذا الجيل، مما انعكس بوضوح على أسلوب حياتهم، وطريقتهم في التفاعل مع العالم، وجعلهم يختلفون جوهريا عن الأجيال السابقة. يُقال عنهم آنهم بعيدون عن التاريخ، وغير مبالين بالهوية، ومنفصلون عن الماضي. لكن هذا التوصيف سطحي، يتجاهل حقيقة أعمق، فهذا الجيل لا يعيش في انفصال عن التاريخ، بل يعيش في صراع معه.  

على الطريقة التقليدية، يحمل الجيل الأكبر سنا شعورا عميقا بالفخر والاعتزاز ليوم الاستقلال، إذ عايشوا أهميته التاريخية عن كثب. يرمز هذا اليوم بالنسبة لهم إلى الانتصار على الظلم، وبزوغ فجر عهد جديد من الحرية، مستحضرا ذكريات التضحيات التي قدمت والنضالات التي تحملوها ضد نظام سياد برى الاستبدادي. لكن نحن أبناء جيل لم يشهد تلك اللحظة نعيش هذا التاريخ من مسافة، ونبحث عن طريقة لفهمه في سياق واقع مختلف تمامًا.

لم أكن موجودا يوم الثامن عشر من مايو/آيار عام 1991، ولم أكن من المحتفلين بذلك اليوم. لكن، لهذا اليوم هالة فريدة في قلبي ليس باعتباره مجرد تاريخ، بل جزءا معقد من هويتي الشخصية، أنا المنتمي إلى جيل لم يعش الاستقلال، لكنه ولد على حافته، محملا بأسئلته وتناقضاته

الجيل القديم والجيل الحديث يرون هذا اليوم من أبعاد مختلفة. الجيل الذي عانى من ويلات الحروب والنزوح والشتات، أدرك أن الاستقرار بحد ذاته هو إنجاز، وأن الحصول على مأوى وطعام ومياه نظيفة يعتبر شيئا مهما. بينما نحن، نحلم بأكثر من مجرد الأساسيات. نحن نتطلع إلى فرص، وتحقيق العدالة وتحسين الظروف المعيشية في القرن الواحد والعشرين. نحن نسمع السياسيين والنخب يقولون إن "لدينا الأمن والاستقرار، وهذا يكفي"، لكن الحقيقة أن هذا لم يعد كافيًا اليوم. في ظل تزايد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، نحتاج لرؤية أوسع، لا تكتفي بالحفاظ على ما نملك، بل تسعى لبناء ما نفتقده.

تعد القصص التي أسمعها عن يوم استعادة الاستقلال والوطن أساس فهمي لهذا اليوم، هذه الحكايات نقلت إلي، وغالبا ما تكون مليئة بالألم والمعاناة، وهذا مفهوم عندما أفكر في ما شهده الناس في تلك الفترة من تهجير وقتل وفقدان. لكن المشكلة أن هذا الفكر، بكل ثقله، استقر في الأذهان، لدرجة أن البعض يعتقد أننا ما زلنا في موقف الضحية.  

ينشأ معظم الشباب، في بيئة اقتصادية صعبة، مما يترك العديد من منهم يواجهون فرص عمل محدودة، وعدم استقرار في الحياة المتقلبة. بدلا من الاحتفال بفخر وإجلال حقيقيين، يحتفل كثير من أبناء هذا الجيل بهذا اليوم باعتباره وسيلة لرفع المعنويات مؤقتا، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية. بالنسبة لهم، لم يعد يوم الاستقلال احتفالًا بالنصر الوطني، بقدر ما أضحى بمثابة استراحة قصيرة من نضالاتهم اليومية، تعكس واقع حياتهم المعقد.

نحن نسمع السياسيين والنخب يقولون إن "لدينا الأمن والاستقرار، وهذا يكفي"، لكن الحقيقة أن هذا لم يعد كافيًا اليوم. في ظل تزايد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، نحتاج لرؤية أوسع، لا تكتفي بالحفاظ على ما نملك، بل تسعى لبناء ما نفتقده

كان يوم 18 مايو/آيار رمزا للبطولة لدى الأجيال السابقة، مجسدا التضحية والفخر الوطني. هذا التاريخ يسفر بشكل مختلف لدى الجيل الذي أنتمي إليه، فهو يجسد لدى الكثيرين تساؤلًا حول معنى التحرير الحقيقي في عالم اليوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.   
ينقسم الجيل الحالي إلى مجموعتين. الأولى تشمل أولئك الذين ما زالوا يعيشون في البلد، محافظين على روابط ثقافية. أما الثانية فتضم أناست غادروه، غالبا سعيا وراء التعليم أو لتحسين أوضاعهم المعيشية، أو بسبب ولادتهم في الخارج. وكثيرا ما يختبر هؤلاء المغتربون وأبناء الشتات منظورا مختلفا لتاريخ وطنهم وتقاليده.   

يبدو يوم التحرير في 18 مايو/آيار، بالنسبة للكثيرين من هؤلاء، حدثا رمزيا أكثر منه احتفالا ذا معنى. وغالبا ما يضعف احتكاكهم بثقافات متنوعة وتأثيرات عالمية ارتباطهم العاطفي بهذا اليوم، مما يجعله يبدو بعيدا أو أقل أهمية. ونتيجة لذلك، لا يحمل هذا اليوم أهمية كبيرة لهذا الجيل الشاب، إذ يسلط الضوء على الديناميكيات المتغيرة للهوية الوطنية والتماسك الثقافي داخل صوماليلاند.

قد نبدو وكأننا جيل منفصل عن التاريخ، لكن في الحقيقة، نحن نحمل الوطن في داخلنا بطريقة مختلفة نراه بعيون نقدية، نعم، لكن أيضًا بعيون تحمل أمل في التغيير

على الرغم من أن الانتماء الوطني يبدو متلبسا من منظورهم، إلا أن ارتباطا عميقا بوطنهم لا يزال قائما. يعبر الكثيرون عن استيائهم بشأن انخفاض مستوى المعيشة، وغالبا ما يشعرون بالانفصال أثناء إقامتهم في الخارج، إلا أن العودة إلى الوطن تشعل شعورًا قويًا بالانتماء. تظل الأرض، بكل ما تحمله من مصاعب وتحديات، جزءا لا يتجزأ من هويتهم، بغض النظر عن الصعوبات التي تواجههم؛ سواء كانت صراعات اقتصادية أو اضطرابات اجتماعية، فإن ارتباطهم بوطنهم لا يزال حاضرًا.

رغم ذلك، لا يمكنني إنكار أن هذا اليوم يعطي شعورًا مختلفا هناك، في تفاصيل المدينة، في اللغة، في العادات، في الملامح، أشعر بانتماء لا يُمحى. قد نبدو وكأننا جيل منفصل عن التاريخ، لكن في الحقيقة، نحن نحمل الوطن في داخلنا بطريقة مختلفة نراه بعيون نقدية، نعم، لكن أيضًا بعيون تحمل أمل في التغيير.

يتميز جيلي بكونه لا يظهر وطنيته بالطريقة التقليدية، بل يعيد تشكيلها بما يتناسب مع العصر الحديث. نحن نستعمل وسائل التواصل الاجتماعي لنعبر عن مطالبنا، نعتقد أن الوطنية اليوم لا تتعلق فقط بالارتباط بالأرض، بل تشمل أيضًا الرغبة في التغيير للأفضل.

هذا اليوم لا ينتمي فقط إلى من صنعوه، بل أيضا إلى من ورثوه، ويحاولون أن يمنحوه معنى جديدًا. أنا، وأبناء هذا الجيل، لسنا مجرد امتدادًا لذكرى قديمة. نحن بداية لرؤية جديدة، تبحث عن حرية لا ترفع في الأعلام فقط، بل تترجم إلى واقع ملموس ومُعاش.

يوم استعادة الاستقلال ليس مجرد يوم وطني يتكرر كل عام، ولا يقتصر على الأعلام والأغاني. إنه لحظة عميقة تتعلق بالصراع الداخلي بين ما عشت وما ورثته. أنتمي لجيل لم يشهد لحظة الاستقلال، ولكن وُلد في ظلالها، وأحمل أسئلة جديدة ومشاكل مختلفة. أنا فخور بوطن كافح من أجل بناء نفسه بنفسه، لكنني لا أريد أن أحتفل بالماضي فقط، بل أرغب في منح هذا اليوم معنى جديدًا، معنى يعكس واقعي وطموحاتي. بالنسبة لي، الاستقلال ليس مجرد علم يُرفع، بل هو صيرورة تحتاج إلى تكملة.