الجمعة 17 أبريل 2026
قضى إسماعيل عمر غيله، رئيس جيبوتي، نحو ربع قرن في كرسي الرئاسة، منذ انتخابه لأول مرة عام 1999، خلفًا لقريبه حسن جوليد، أول رئيس للبلاد، بعد الاستقلال عام 1977، ومقارنةً بسلفه يعتبر غيله أكثر انفتاحًا وتقبلًا للتنوع العرقي والثقافي في البلاد، دون اختلاف في جوهر الحكم غير الرشيد بين الرجلين.
حققت البلاد مع غيله معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة، منذ عام 2001 حتى اليوم، باستثناء أزمة كورونا. لكن هذا الإنجاز لا ينعكس بشكلٍ ملموس على السكان، حيث لا تزال معدلات الفقر مرتفعة، مع العجز على خلق فرص عمل لمواجهة البطالة المقدرة بنحو 27.7%، فضلًا عن تزايد الديون الخارجية التي تمثل 69.4% من إجمالي الناتج القومي في عام 2023.
تولى إسماعيل عمر غيله رئاسة جيبوتي خلفًا لعمه حسن جوليد، بترشيح من حزب التجمع الشعبي من أجل التقدم الحاكم، وينتمي كلاهما إلى عشيرة "مماسن" من قبيلة "العيسى" من العرقية الصومالية، التي تشكل مع العفر والعرب الأغلبية العظمى من سكان البلاد. وأُعيد انتخاب الرجل لخمس ولايات رئاسية، تنتهي الأخيرة عام 2026. تواجه البلاد التي لا تعرف حياة حزبية حقيقية غموضًا حول الخليفة المحتمل للرئيس الحالي، حيث ينصّ الدستور في المادة (23) منه على ألا يتجاوز سن المرشح في الانتخابات الرئاسية 75 عامًا، بينما سيبلغ غيله 79 عامًا بحلول موعد الانتخابات المقبلة.
وُلد غيله عام 1947، في "دير داوا" في إثيوبيا، وبعد أن أكمل دراسته الثانوية الإسلامية التقليدية عام 1968، عمل موظفا حكوميا لدى الإدارة الاستعمارية الفرنسية لجمهورية جيبوتي، وبعد عامين ترقى إلى رتبة مفتش شرطة. فُصل بعدها من منصبه، لشكوك حول تعاونه مع حزب الرابطة الشعبية الأفريقية للاستقلال (LPAI)، التي تزعمت المناداة باستقلال البلاد. نشط غيله في الحزب، وشغل بعد الاستقلال، عام 1977، منصب مدير مكتب الرئاسة والمشرف على الأمن الوطني، حتى تنصيبه رئيسًا عام 1999، في انتخابات شككت المعارضة في نزاهتها.
تمكن غيله من خلال متابعة التحالف مع جبهة استعادة الوحدة والديمقراطية "فرود" التي أشعلت الحرب الأهلية في البلاد (1991 - 1992)، من تأمين الأغلبية في أول انتخابات تشريعية أُجريت في عهده عام 2003، والتي استبقها بتأسيس تحالف اتحاد الأغلبية الرئاسية (UMP) بين حزبه والجبهة. حاز التحالف على 58 مقعدًا في الجمعية الوطنية، في انتخابات 2023، بزيادة مقعد واحد (57 مقعدًا) عن انتخابات 2018، من إجمالي عدد المقاعد البالغ 65 مقعدًا.
مكن هذا التحالف غيله من فرض سلطته المطلقة على الحكومة، بانتخابات لم تسلم من النقد، كانت جولاتها، وطيلة عقدين، محور مقاطعة لقوى المعارضة. ساهم هذا الوضع في تفشي الفساد في البلاد، التي تحتل المرتبة 130 من 180، بحسب مؤشر مدركات الفساد، الذي يشير إلى تراجع مرتبة جيبوتي منذ العام 2012. كما تشتهر البلاد بسجل سيء السمعة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فقد ذكرت منظمة الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH) عن حالة جيبوتي لعام 2022 أنّ "تقييد حقوق وحريات المعارضة السياسية والمدافعين عنها، والسكان المدنيين ككل، أمر مثير للقلق الشديد. والانتخابات، سواء الرئاسية أو البلدية، ليست حرة في جيبوتي. فقد قاطعها السكان، ولم يتجاوز معدل المشاركة فيها 3%.
أما تقرير الخارجية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 2023، فتطرق إلى جملة من انتهاكات حقوق الإنسان، منها: عمليات القتل غير القانونية، والظروف غير الآدمية في السجون، والاعتقال التعسفي الذي طال صحفيين ومدونين وأعضاء من المعارضة ومتظاهرين، والاحتجاز غير القانوني قبل المحاكمات، والمحاكمات غير العادلة، والفساد في القضاء، وعدم احترام السلطات للأحكام القضائية، وانتهاك خصوصية المواطنين وحرمة المراسلات دون إذن من الجهات المختصة، إلى جانب انتهاك حقوق النشر والتعبير، ومطاردة من ينتقد الحكومة، وغير ذلك من الانتهاكات.
تتجلى مظاهر الحكم غير الرشيد في الدوائر الواسعة من المنتفعين حول الرئيس، بدايةً بأسرته، وخاصة زوجته السيدة الأولى خضرة محمود، وابنتيه "فاطمو" و"هيبادو"، وزوجيهما، وابنه عيناشي، وابن السيدة خضرة من زوجها الأول، نجيب عبد الله كامل، أمين عام رئاسة مجلس الوزراء، وأخته سيدة الأعمال نازلي، وغيرهم من أقارب السيدة الأولى الذين يستفيدون من سلطتها في تسيير أعمالهم.
حقق أفراد أسرة غيله وأولاد زوجته السيدة خضرة وأقاربها مكاسب مالية كبيرة، من خلال الدخول في شراكات مع رجال أعمال ومستثمرين، وتنشط الابنة الكبرى والمحببة لغيله، هيبادو، في قطاع العقارات والضيافة. كما تشغل منصب مستشارة والدها للشؤون الاقتصادية، وهي متزوجة للمرة الثانية من صادق جون؛ قائد الشرطة الصومالية السابق.
بعد ذلك تأتي عشيرة الرئيس التي يشغل العديد منها مناصب هامة، مثل سعد عمر غيله، الأخ غير الشقيق للرئيس، الذي شغل منصب المدير العام لميناء جيبوتي، أهم مصادر الدخل في البلاد، حتى وفاته عام 2019. كما يحوز أبناء عمومة غيله على العديد من المناصب الكبرى، ومنهم، جامع علي غيله، مدير عام مؤسسة كهرباء جيبوتي، ووهيب موسى كالينله، قائد القوات الجوية، وحسين إدريس جوليد، الشهير بـ"سيكو توري"، أحد مستشاري غيله.
تخوض الدوائر السابقة صراعات غير معلنة على النفوذ، ويتداخل في ذلك البعد القبلي، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2026، والتي لن يترشح لها غيله على الأرجح. تمثل المحسوبية العائلية والقبلية أحد أسباب استشراء الفساد في البلاد، فبحسب مؤشر الجريمة المنظمة الدولي: "تنتشر الجرائم المالية، وخاصة الفساد والاختلاس، على نطاق واسع في جيبوتي، ويثير الافتقار إلى الشفافية في المشتريات العامة المزيد من المخاوف بشأن الاستخدام المحتمل للممارسات الفاسدة في المشاريع الحكومية". مع ذلك، أشار تقرير المؤشر إلى بذل السلطات جهودًا لمكافحة الفساد، ومنها إلقاء القبض على العديد من المسؤولين.
تعاني أغلبية السكان من أوضاع اقتصادية صعبة، زادت شدتها مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، في البلد الذي يعتمد على استيراد 90% من احتياجات سكانه الغذائية، ما يجعل نسبة الفقر تصل إلى %79، ونسبة الفقر المدقع إلى 42%.
يعتمد اقتصاد البلاد على الخدمات المتمثلة في التجارة والنقل، التي تشكل 85% من إجمالي الناتج القومي، وتتمظهر في الخدمات التي توفرها الموانئ خاصة للتجارة الخارجية الإثيوبية، التي تستحوذ على 75% من نشاط الموانئ في جيبوتي، ما يمثّل مخاطر كبيرة على المديين المتوسط والبعيد في ظل سعي إثيوبيا إلى الحصول على بدائل بحرية عن طريق الشراكة، كما في حالة مذكرة التفاهم التي وقعتها مع صوماليلاند، الجمهورية المستقلة وغير المعترف بها، مطلع العام الجاري.
على صعيد آخر، هناك تحديات طبيعية تواجه التنمية الاقتصادية في البلاد، منها افتقار جيبوتي إلى الموارد الطبيعية اللازمة للتنمية الزراعية والصناعية، والمصادر الأرخص لتوليد الكهرباء، والظروف المناخية الصعبة، وموجات الجفاف، وندرة موارد الطاقة الأحفورية والمعادن.
لكنها في المقابل، تتميز بموقعها الاستراتيجي الهام في الجهة الغربية للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، عند مضيق باب المندب، والتي تستفيد منه خلال تأجير الأراضي لإنشاء قواعد عسكرية للدول الأجنبية، بهدف تحصيل العائدات المالية. منح الرئيس غيله في عام 2002 للولايات المتحدة حقّ إقامة قاعدة عسكرية، مقابل 63 مليون دولار سنويًا، ومنح منافستها الصين حق إقامة قاعدة هي الأخرى، في عام 2017، إلى جانب قواعد عسكرية لدول فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليابان.
تدر هذه القواعد نحو 125 مليون دولار من العائدات المباشرة من حقوق الإيجار، تمثّل نحو 15% من الإيرادات الحكومية، إلى جانب عائدات أخرى غير مباشرة، تتمثّل في نفقات الجنود الأجانب، وأجور الموظفين المحليين العاملين في تلك القواعد والخدمات. من جانب آخر، تهدد هذه السياسية الاستقرار على المديين المتوسط والبعيد، نظرًا للجمع بين القوى الدولية المتنافسة.
وصف أحد الدبلوماسيين الأجانب في جيبوتي هذا الوضع بقوله: "آلاف الجنود من الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإسبانيا وإيطاليا يضمنون أمن الأرستقراطية المحلية من السياسيين الفاسدين هنا مقابل بعض العقارات الأكثر قيمة من الناحية الاستراتيجية على وجه الأرض". وإلى جانب العائدات المالية، يستفيد نظام الرئيس غيله من وجود القواعد العسكرية الأجنبية في ضمان دعم القوى الدولية لنظامه السياسي غير الديمقراطي، وهي ازدواجية ليست بالجديدة في النظام الدولي.
إقليميًا، واجهت جيبوتي العديد من التحديات في عهد غيله، منها الحرب الأهلية في الصومال، والحرب الإريترية الإثيوبية، والحرب في اليمن، وتمكن غيله من تجنيب البلاد تبعات هذه المخاطر. وكان له دور في استعادة الاستقرار النسبي في الصومال، من خلال رعاية العديد من المصالحات، وأهمها مؤتمر "عرتا" للمصالحة عام 2000. لكن الرئيس مُتهم بالتدخل في الشؤون الإثيوبية من خلال دعم الإقليم الصومالي الغربي ضد الإقليم العفري، في النزاعات المسلحة الممتدة بين الإقليميين، والتي خلفت عشرات القتلى من الطرفين على مدار أعوام.
كما اتجهت العلاقة مع صوماليلاند نحو سياسة تصادمية، بعد توقيعها مذكرة تفاهم مع إثيوبيا, تمنح الأخيرة الحق في الحصول على قطعة من الأرض على ساحل المحيط الهندي، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، لإقامة قاعدة عسكرية مقابل الاعتراف باستقلال صوماليلاند. وذلك في مسعى للحصول على حصة من كعكة التجارة الخارجية الإثيوبية، بما يعنيه ذلك من خسارة جيبوتي لأهم مصادر دخلها، وهو ما سيفقد النظام القدرة على استيعاب وتحجيم الرفض الشعبي.
في الختام، تحتاج جيبوتي إلى تنويع اقتصادها، ليتحرر من الاعتماد شبه الكلي على عائدات الخدمات المرتبطة بالتجارة الخارجية الإثيوبية، خاصة في ظل مساعي الأخيرة لإيجاد شراكات مع جيرانها المطلين على البحر الأحمر وخليج عدن، للحصول على موانئ بحرية لأغراض عسكرية وتجارية، وهو الأمر الذي يحمل مخاطر كبيرة على المديين المتوسط والبعيد. لهذا أمام جيبوتي سيناريوهين للتعامل مع هذه التحديات، الأول تنويع الاقتصاد، وتقبل التحولات الإقليمية في القرن الأفريقي، والتي منها تنامي نشاط الموانئ وقطاع الخدمات الذي يسعى للاستفادة من التجارة الخارجية لإثيوبيا، والثاني العمل على إحباط جهود التنمية في جوارها لتظل موانئها هي الخيار الوحيد لإثيوبيا، وهو ما يعني ممارسة أدوار مزعزعة للاستقرار.