الخميس 5 مارس 2026
في عام 1975، وأثناء زيارةٍ رسمية لأوغندا، استقبل الرئيس عيدي أمين ياسر عرفات في المطار بزيّه العسكري الكامل، وإلى جانبه حرس الشرف وتلاميذ مدارس يلوّحون بالأعلام الفلسطينية. لم يكن هذا الاستقبال الصاخب مجرّد بروتوكول؛ بل كان لحظة مفصلية في قصة التضامن الأفريقي–الفلسطيني. وقد بلغ إعجاب أمين بعرفات حدّ أنه اختاره، بحسب ما نُقل، إشبينًا في زفافه. في أنحاء القارّة، كان يُستقبل عرفات لا بوصفه دبلوماسيًا فحسب، بل بوصفه حليفًا وصديقًا تتجاوب قضيته بعمق مع تجارب أفريقيا في مقاومة الاستعمار.
آنذاك، كانت فلسطين بمثابة نموذج مُلهِم للمقاومة المناهضة للاستعمار، تتماهى معه حركات التحرّر وقادةٌ أفارقة كُثر، فشكّلت عامل توحيد بينهم. هذه هي الحكاية التي أسعى إلى روايتها، مع تفكيك الكيفية التي تآكلت بها تلك الروابط الأخلاقية والسياسية تدريجيًا. فاليوم باتت فلسطين تحتل موضعًا أكثر التباسًا وتنازعًا في سياسات دول أفريقية عدّة وفي الخطاب العام. وهذا يطرح السؤال: ماذا حلّ بمكانة فلسطين في المخيال السياسي الأفريقي؟
بلغت العلاقات الأفريقية-الفلسطينية ذروتها بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين؛ إذ قدّمت دولٌ أفريقية، في تلك الحقبة، ما تجاوز الاعتراف الدبلوماسي والدعم السياسي إلى إسنادٍ ماديّ أيضًا. ففي حالات معيّنة، شكّلت دول مثل: ليبيا والجزائر وأوغندا محطات هبوط أو ملاذات آمنة لفصائل فلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أثناء عمليات خطف طائرات بارزة، هدفت إلى لفت انتباه العالم إلى القضية الفلسطينية.
لكن هذه الصلات لم تكن أيديولوجية فحسب؛ بل كانت ثمرة حراكٍ دبلوماسي دؤوب قاده ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. فقد زار عرفات شخصيًا عشرات البلدان الأفريقية -من الجزائر وتنزانيا وأوغندا إلى ليبيا وزامبيا ونيجيريا وإثيوبيا وتونس وغيرها- وبنى تحالفات استراتيجية مع حكومات رأت في القضية الفلسطينية جزءًا من المعركة العالمية الأوسع ضد الفصل العنصري والاستعمار.
بحلول أواخر الثمانينيات كانت أكثر من ثلاثين دولة أفريقية تستضيف تمثيلاتٍ رسمية لمنظمة التحرير، تتعامل معها بوصفها حركة تحرّر ومشروع دولة في آن. ونظّمت المنظمة مؤتمرات تحرّر مشتركة مع نظرائها الأفارقة- منها المهرجان الثقافي الأفريقي "باناف" (PANAF) في الجزائر عام 1969- ونجحت في تأمين دعم الكتلة الأفريقية في التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أثمرت تلك الروابط القوية نتائجَ ملموسة: فقد مُنحت فلسطين صفة مراقب في الأمم المتحدة عام 1974، وكذلك في منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الافريقي لاحقًا). وأتاح الدعم الأفريقيّ حضورًا دبلوماسيًا واسعًا لفلسطين في القارة، مكّنها من حملات سياسية منسّقة، وتبادلات ثقافية، بل ومن مساعدات عسكرية أحيانا، شملت التدريب والدعم التسليحي. ولعلّ إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 الذي قُرئ في الجزائر مثالٌ دالّ؛ كما تدرّب مقاتلون فلسطينيون جنبًا إلى جنب مع كوادر «المؤتمر الوطني الأفريقي» في ليبيا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. بل إن القضية الفلسطينية دخلت مواد المناهج التعليمية في دول مثل تنزانيا. في تلك الحقبة الذهبية، كانت إفريقيا قاعدة سياسية ولوجستية حاسمة للحركة الوطنية الفلسطينية.
بحلول أواخر الثمانينيات كانت أكثر من ثلاثين دولة أفريقية تستضيف تمثيلاتٍ رسمية لمنظمة التحرير، تتعامل معها بوصفها حركة تحرّر ومشروع دولة في آن
غير أن الانكفاء بدأ في مطلع تسعينيات القرن العشرين، حين حوّلت منظمة التحرير بوصلتها نحو التفاوض مع إسرائيل، ووقّعت لاحقًا اتفاق أوسلو عام 1993. وقد مثّل ذلك تحوّلًا جذريًا في الاستراتيجية السياسية الفلسطينية، تمحور حول المانحين الغربيين ومشروع بناء المؤسسات، مع عودة القيادة إلى الداخل طلبًا للدعم المالي. وفي خضم ذلك جرى تهميش الجنوب العالمي -ولا سيما الدول الأفريقية- بناءً على افتراضٍ خاطئ بأن التضامن التاريخي لا يحتاج إلى رعاية دائمة. وقد استهان الدبلوماسيون الفلسطينيون آنذاك بالعواقب البعيدة لهذا الإهمال.
كان جزءٌ كبير من الشبكة الدبلوماسية الفلسطينية في أفريقيا مُستندًا على علاقات شخصية عميقة نسجها ياسر عرفات مع قادةٍ أفارقة مفصليين. شخصيات مثل: جوليوس نيريري وأحمد بن بلة ومعمر القذافي وكينيث كاوندا رأت في عرفات ثائرًا وصديقًا، وتجاوز دعمها حدود الدبلوماسية المؤسسية إلى تناغمٍ أيديولوجي حقيقي ورؤى مشتركة لطبيعة القوى العالمية وتوازناتها. دعا نيريري مثلًا عرفات إلى تنزانيا بوصفه رفيقًا في النضال، وكان أوّل زعيمٍ أفريقي يمنح منظمة التحرير سفارة في بلاده، وقال لاحقًا -كما نُقل عنه- إن الفلسطينيين "حُرموا من وطنهم" وأنهم "يستحقون دعم تنزانيا والعالم بأسره". فيما وصفه عرفات بأنه قائد يفهم حقيقة الكفاح الفلسطيني.
لكن مع تغيّر القيادات بعد وفاة عرفات، وانهيار أنظمة، والتحوّلات الجيلية -لا سيما عقب الربيع العربي والتحولات السياسية الأوسع في أفريقيا- لم تُترجَم تلك الروابط الشخصية إلى صلاتٍ مؤسسيةٍ مستدامة. وكان ذلك ثاني أكبر خطأ دبلوماسي فلسطيني في العلاقة مع القارة. فغياب استراتيجيةٍ طويلة الأمد تصون هذه العلاقات بعد حقبة عرفات جعل قدرًا كبيرًا من الودّ والتعاون يخبو تدريجيًا. وقد لخّص زميلٌ ليبي الأمر بقوله: "تلاشت صورة عرفات في ليبيا -لا عن الجدران فحسب، بل عن مخيلتنا وأولوياتنا أيضًا".
في مطلع الألفية الجديدة، زادت منظمة التحرير انكفاءً، واستغرقتها الانقسامات الفصائلية الداخلية. في المقابل، ملأت إسرائيل الفراغ بإطلاق حملة منظّمة لتوسيع حضورها في القارة. وتحت شعار «العودة إلى أفريقيا» الذي قاده بنيامين نتنياهو، قدّمت إسرائيل نفسها شريكًا مفيدًا للدول الأفريقية في قطاعات الأمن والزراعة وإدارة المياه والتكنولوجيا -وهي قطاعات محورية في أجندات التنمية لبلدان كثيرة. ولم تكن هذه الاستراتيجية اقتصادية أو تنموية فحسب؛ فقد هدفت أيضًا إلى تفكيك كتلة التصويت الأفريقية التاريخية الداعمة لفلسطين في الأمم المتحدة، وتطبيع صورة إسرائيل لدى الحكومات الأفريقية.
إن صلابة التضامن الأفريقي -الفلسطيني على المستوى الشعبي توازن التحوّلات في المشهد الدبلوماسي، وتتيح لنا التأكيد أنّ استعادة الروابط الأقوى على مستوى الدول أمرٌ ممكن- وضروريّ أيضًا
تبدّت نتائج هذه المقاربة بين عامي 2016 و2020، حين قام نتنياهو بسلسلة زياراتٍ رفيعة المستوى لبلدان أفريقية. ومن حضوره قمة دول شرق أفريقيا في أوغندا إلى لقاءاته مع قادة كينيا ورواندا وإثيوبيا وغيرها، دفعت إسرائيل باتجاه توثيق الصلات مع القارة. وقد أُلغيَت «قمة أفريقيا–إسرائيل» المُزمَع عقدها في توغو عام 2017- والتي كانت تهدف إلى إبراز هذا التقارب- بعد ضغوط مارستها دولٌ ما زالت متمسكة بالقضية الفلسطينية. قال نتنياهو: "إن ضغوطًا متعدّدة مورست على رئيس توغو لإلغاء المؤتمر"، ورحّبت منظمة التحرير بالخطوة واعتبرتها "رسالةً قوية مفادها أن العالم لن يترك لإسرائيل يدًا طليقة للتغلغل في قارتي إفريقيا وأميركا الجنوبية".
كما استفادت إسرائيل من تفوّقها في تكنولوجيا التسليح والمراقبة لتعميق التعاون الأمني في منطقتي القرن الأفريقي والساحل. وعلى مرّ السنوات باتت دولٌ مثل: إثيوبيا وكينيا ونيجيريا ورواندا زبائن دائمين وموثوقين للأسلحة الإسرائيلية والأدوات السيبرانية وبرمجيات التجسس. وقد أسهمت هذه الشراكات الأمنية في تحويل دور إسرائيل -من فاعلٍ بعيد- إلى حليفٍ استراتيجي في نظر دول أفريقية عدّة.
على هذه الخلفية، تبدّل موقف عددٍ من الدول الأفريقية من القضية الفلسطينية وقيادتها وعلاقاتها الأوسع. وقد قاد هذا التحول إلى تفكك كتلة تصويتٍ أفريقية كانت يومًا ما شبه موحّدة لصالح فلسطين. بلدان مثل رواندا وأوغندا وإثيوبيا اقتربت أكثر من إسرائيل، ووسّعت التعاون معها في مجالات الزراعة والأمن والتكنولوجيا.
ومع مرور الوقت، تزايد عددُ الدول الأفريقية التي تعترف بإسرائيل وتحتفظ ببعثاتٍ دبلوماسية لديها. وانعكس هذا التعميق في العلاقات الثنائية على المسرح الدولي، ولا سيما عبر أنماط تصويتٍ متباينة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قراراتٍ تخصّ فلسطين.
وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح خلال تصاعد العنف في غزة أواخر عام 2023، حين اتخذت دولٌ أفريقية مواقف متعارضة. فبلدان مثل: جنوب إفريقيا والجزائر أدانت بقوة الاحتلال الإسرائيلي، والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الفلسطيني. في المقابل، أعلنت كينيا وزامبيا وغانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية دعمها لإسرائيل، وأيّدت إجراءاتها بوصفها "دفاعًا عن النفس".
أتاح الدعم الأفريقيّ حضورًا دبلوماسيًا واسعًا لفلسطين في القارة، مكّنها من حملات سياسية منسّقة، وتبادلات ثقافية، بل ومن مساعدات عسكرية أحيانا، شملت التدريب والدعم التسليحي
ومن المهم التنبيه إلى أن هذا التحول على مستوى الدول لا يجد دائمًا صداه لدى الرأي العام الأفريقي أو في أوساط المجتمع المدني. فرغم تنامي الروابط بين بعض الحكومات الإفريقية وإسرائيل، ما تزال المنظمات القاعدية ومجموعات الطلبة في الجامعات والنقابات العمالية وفئات أخرى من المجتمع المدني تعبّر عن دعمٍ قوي للقضية الفلسطينية.
تتجلّى هذه الفجوة في احتجاجاتٍ عامة ومسيرات تضامن وحملاتٍ وبياناتٍ تدعو إلى حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS). ففي عام 2023 مثلًا، قدّمت مجموعاتٌ من المجتمع المدني دعاوى قانونية تحثّ الحكومة الجنوب أفريقية على خفض مستوى العلاقات مع إسرائيل. وأسهم هذا الضغط القاعدي في مبادرة جنوب أفريقيا إلى رفع قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية عام 2024 بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة، وقد أيّدت مصر وناميبيا هذه الدعوى. وخلال تلك الفترة، انطلقت أيضًا قافلةٌ مدنية من شمال أفريقيا سعيًا لكسر الحصار عن غزة.
إن صلابة التضامن الأفريقي–الفلسطيني على المستوى الشعبي توازن التحوّلات في المشهد الدبلوماسي، وتتيح لنا التأكيد أنّ استعادة الروابط الأقوى على مستوى الدول أمرٌ ممكن -وضروريّ أيضًا. وقد ألقى رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد اشتية كلمةً في القمة السابعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي عام 2024 - وهي خطوةٌ ذات دلالةٍ رمزية وسياسية مهمة- غير أنّ التواصل بين فلسطين وأفريقيا ينبغي أن يمضي أبعد من ذلك.
في خضم ذلك جرى تهميش الجنوب العالمي -ولا سيما الدول الأفريقية- بناءً على افتراضٍ خاطئ بأن التضامن التاريخي لا يحتاج إلى رعاية دائمة. وقد استهان الدبلوماسيون الفلسطينيون آنذاك بالعواقب البعيدة لهذا الإهمال
العلاقات الدبلوماسية لا تتلاشى بين ليلةٍ وضحاها؛ إنها تبهت في صمت. وفي حالة فلسطين والدول الأفريقية، حلّ الصمت -وهو صمتٌ سياسي بامتياز- محلّ تعبيرٍ كان يومًا قويًا عن التضامن. إن غياب فلسطين عن جداول أعمال السياسة الخارجية لكثيرٍ من الدول الأفريقية اليوم ليس شأنًا جيوسياسيًا محضًا؛ إنه ثمرة سنواتٍ من الانفصال والتردّد وإضاعة فرص التواصل.
لا طرق مختصرة لسدّ هذه الفجوة. لكن لا يزال ثمّة متّسعٌ لنمطٍ مختلف من الدبلوماسية الفلسطينية: دبلوماسية تُصغي أكثر ممّا تُعلن، تحضر حتى حين لا مكسب مباشرًا لها، وتستعيد التضامن لا بوصفه حنينًا إلى ماضٍ غابر، بل خيارًا سياسيًا حيًا.
في عام 2023، وخلال لقاءٍ طلابي في جامعةٍ بأكرا، نهض ناشطٌ غانيّ شاب عقب محاضرةٍ عن نضالات التحرّر العالمي، وقال: "قاتل والدي الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وجيلي يشاهد الفصل العنصري في فلسطين، ويُطلب منه أن يلتزم الحياد. لكن الحياد ليس سوى نبرة السلطة".
لم تصنع تلك اللحظة عناوين الأخبار، لكنها التقطت جوهرًا ضروريًا: أنّ لغة التحرّر ما زالت تُصغي إليها الآذان، وما زالت تنفذ وتؤثّر، وما زالت تعني الكثير.
تحمل أفريقيا ذاكرة الكفاح -لا بوصفها أثرًا متحفيًا، بل نداءً إلى الفعل. ليست المسألة الالتفات إلى الوراء، بل الوقوف معًا اليوم، بقدرٍ من الصدق والعزم، لإعادة بناء صِلاتٍ تُقوّي معركة العدل في كل مكان.