الاثنين 9 مارس 2026
شهدت كواليس الدورة التاسعة والثلاثين لقمة الاتحاد الأفريقي سجالا غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن مستقبل البحر الأحمر وترتيبات الأمن الإقليمي، في ظل تصاعد الحديث الإثيوبي عن الحاجة إلى منفذ بحري، وتمسك القاهرة بحصر حوكمة البحر الأحمر في الدول المشاطئة له.
في كلمته أمام القمة، شدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على أن أمن القرن الأفريقي واستقراره في يرتبطان بحصول بلاده على منفذ بحري، معتبرا أن دولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة تحتاج إلى "خيارات متعددة" للوصول إلى البحر لضمان النمو المستدام. وأكد أن أديس أبابا تسعى إلى ضمان وصول آمن إلى منفذ بحري عبر "مبدأ التعاون السلمي"، واصفا امتلاك منفذ بحري بأنه عنصر أساسي لتحقيق الازدهار والاستقرار الإقليمي.
تصريحات آبي جاءت امتدادا لخطاب إثيوبي متصاعد منذ أشهر حول أولوية الوصول إلى البحر، في سياق تحركات سياسية واقتصادية شملت اتفاقات ومذكرات تفاهم مع دول في القرن الأفريقي، وأثارت في حينها حساسيات إقليمية واسعة. ترى أديس أبابا أن اعتمادها شبه الكامل على موانئ دول الجوار يضع قيودا على طموحاتها الاقتصادية، فيما تقدم مسألة المنفذ البحري باعتبارها قضية تنموية واستراتيجية طويلة الأمد.
في المقابل، سارعت القاهرة إلى تجديد مواقفها "الثابتة" بشأن المياه والبحر الأحمر. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقاءات مع قيادات أفريقية على هامش القمة، أن حوكمة البحر الأحمر "مسؤولية الدول المشاطئة له فقط"، رافضا أي محاولات من أطراف غير مطلة على البحر لفرض نفسها شريكا في ترتيباته الأمنية أو المؤسسية. وشدد، وفق إفادة رسمية، على أن مصر تعمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بوصفه الإطار الإقليمي المعني بتعزيز التعاون والأمن والاستقرار.
يعكس هذا التباين في الخطاب مقاربتين مختلفتين لطبيعة الأمن في البحر الأحمر: فبينما تربط إثيوبيا استقرار القرن الأفريقي بإعادة صياغة وضعها الجغرافي عبر منفذ بحري، تتمسك مصر بمبدأ قانوني-سيادي يقوم على حصر إدارة البحر الأحمر في الدول الساحلية، انطلاقا من اعتبارات الأمن القومي وحساسية الممرات المائية الدولية. ويأتي ذلك في سياق أوسع من التعقيدات بين البلدين، الممتدة من ملف مياه النيل إلى توازنات النفوذ في شرق أفريقيا.
ورغم أن السجال لم يتخذ طابعا مباشرا داخل القاعة، إلا أن توقيت التصريحات وتسلسلها عكسا حالة من شد الحبال السياسي، في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي للتجارة العالمية، وكساحة تنافس إقليمي ودولي متصاعد. وتبقى كيفية إدارة هذا التباين، عبر الأطر الأفريقية أو الإقليمية، عاملا مؤثرا في رسم ملامح الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر خلال المرحلة المقبلة.