الاثنين 18 مايو 2026
تواصل الصين تعزيز حضورها الإستراتيجي في القارة الأفريقية من خلال جولة دبلوماسية رفيعة المستوى يقوم بها نائب الرئيس الصيني هان تشنغ، والتي بدأت في 22 من مارس/آذار 2026 وتستمر حتى 30 من الشهر ذاته، وتشمل كلاً من كينيا وجنوب أفريقيا وجمهورية سيشيل.
تأتي هذه الزيارة في سياق زمني بالغ الأهمية، حيث تتزامن مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، والذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بكين والقارة الأفريقية مما يعكس رغبة القيادة الصينية في تحويل التعهدات التي قُطعت في قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك) إلى واقع ملموس يعزز مفهوم "مجتمع المصير المشترك" في العصر الجديد.
في محطته الأولى بالعاصمة الكينية نيروبي، عقد هان تشنغ مباحثات مكثفة مع الرئيس الكيني ويليام روتو ونائبه كيثور كينديكي، حيث ركزت النقاشات على تسريع وتيرة التحديث المشترك وتوسيع آفاق التعاون في مجالات البنية التحتية والتمويل والتصنيع.
شهدت الزيارة خطوة عملية بارزة تمثلت في إشراف نائب الرئيس الصيني على انطلاق أول شحنة بضائع كينية متجهة إلى الصين بموجب أحكام الإعفاء الجمركي الشامل التي منحتها بكين لـ 53 دولة أفريقية، وهي السياسة التي يُنتظر تفعيلها بالكامل في الأول من مايو المقبل لتقليص العجز التجاري وتعزيز نفاذ المنتجات الأفريقية إلى الأسواق الصينية.
كما أكد الجانبان على أهمية المشاريع الإستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها تمديد خط السكة الحديدية القياسي (SGR) ليصل إلى الحدود الأوغندية، مما يعزز الربط الإقليمي في شرق أفريقيا.
وانتقالاً إلى جنوب أفريقيا، ترأس هان تشنغ مع نظيره بول ماشاتيل أعمال الدورة التاسعة للجنة الثنائية القومية بين البلدين في كيب تاون، وهي منصة إستراتيجية تهدف إلى تنسيق المواقف السياسية وتعميق الشراكة في قطاعات الطاقة الجديدة والتعدين والتبادل الثقافي.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة نظراً للدور القيادي الذي تلعبه جنوب أفريقيا في القارة، ورغبة الصين في موازنة النفوذ الغربي المتزايد من خلال تقديم نموذج تعاون يقوم على المنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
أما في سيشيل، فقد ركزت الزيارة على البعد الإستراتيجي للمحيط الهندي، حيث تسعى بكين لتوطيد علاقاتها مع الدول الجزرية من خلال مشاريع تنموية مؤسسية شملت بناء مقار حكومية وهيئات بث وطنية، مما يعزز من حضورها في الممرات المائية الحيوية.
وتعكس هذه الجولة الأفريقية رؤية بكين لإدارة علاقاتها مع القارة كفضاء إستراتيجي يستوجب حضوراً مستمراً يتجاوز الأبعاد الاقتصادية الصرفة ليشمل بناء علاقات مؤسسية مع القادة الحاليين والمستقبليين.
ومن خلال طرح نفسها كشريك "موثوق وصامد" في وجه التقلبات الجيوسياسية العالمية، تسعى الصين عبر دبلوماسية نائب الرئيس إلى تقديم بديل تنموي يركز على التصنيع والقيمة المضافة، وهو ما يظهر جلياً في الخطاب الصيني الذي يربط بين فرص التنمية عالية الجودة في الداخل الصيني وبين استقرار وازدهار الشركاء الأفارقة، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من التعاون العابر للقارات في ظل تنافس دولي محتدم على الموارد والنفوذ في أفريقيا.