تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

ما وراء هجوم النيل الأزرق: استراتيجية استنزاف جديدة أم محاولة لفتح جبهات بديلة؟

26 يناير, 2026
الصورة
 ما وراء هجوم النيل الأزرق: استراتيجية استنزاف جديدة أم محاولة لفتح جبهات بديلة؟
Share

في صباح الأحد 25 يناير/ كانون الثاني 2026 شهدت ولاية النيل الأزرق جولة جديدة من الاشتباكات العنيفة التي أعادت الإقليم إلى واجهة الصراع العسكري المفتوح، في سياق الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وبمشاركة عناصر من الحركة الشعبية/شمال. المعارك اندلعت في المحور الجنوبي من الولاية، وتحديدًا في محيط منطقتي ملكن والسلك، وهما منطقتان تمثلان عقدة جغرافية وعسكرية بالغة الحساسية، لقربهما من الحدود الدولية وتشابك المسارات القبلية والعسكرية فيهما.

وفق إفادات متطابقة من مصادر عسكرية وإعلامية لموقع "جيسكا" بدأ الهجوم في ساعات الصباح الأولى بهجوم منسق اعتمد على قوات متحركة استخدمت عربات قتالية خفيفة، مع تغطية نارية كثيفة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، في محاولة لاختراق مواقع الجيش السوداني المنتشرة حول القرى والطرق الحيوية المؤدية إلى العمق الإداري للإقليم. الاشتباكات استمرت قرابة ساعتين، وشهدت تبادلًا كثيفًا لإطلاق النار، قبل أن يعلن الجيش السوداني تمكنه من احتواء الهجوم وإجبار القوات المهاجمة على التراجع إلى مواقعها الخلفية.

يشير الطابع العملياتي للهجوم بحسب مصدر رفيع بالجيش السوداني إلى أنه لم يكن مجرد مناوشة محدودة، بل محاولة اختبار حقيقية لخطوط الدفاع الحكومية في جنوب النيل الأزرق. اختيار هذا المحور تحديدًا يعكس إدراك القوات المهاجمة لأهمية الإقليم بوصفه بوابة حدودية مفتوحة على جنوب السودان وإثيوبيا، وما يتيحه ذلك من فرص للإمداد والحركة وإعادة الانتشار. كما أن هذه المناطق لطالما شكلت مسرحًا تقليديًا لنشاط الحركة الشعبية/شمال، ما يجعلها بيئة مألوفة للقوات المتحالفة مع الدعم السريع، سواء من حيث التضاريس أو الحاضنة المحلية.

يضيف المصدر بالجيش أن سرعة احتواء الهجوم تعكس درجة من الجاهزية والتحصين المسبق، خصوصًا أن الإقليم شهد خلال الأشهر الماضية تعزيزات عسكرية ملحوظة، عقب مخاوف متزايدة من فتح جبهة جديدة بالتوازي مع معارك كردفان ودارفور. تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش اعتمد على دفاع ثابت مدعوم بقوات احتياط قريبة، ما سمح له بامتصاص الصدمة الأولى للهجوم ثم الانتقال إلى مرحلة الرد الناري المركز، وهو ما أدى إلى تكبيد القوات المهاجمة خسائر وإفشال محاولتها للتقدم.

التحليل الأوسع للاشتباكات، بحسب خبير عسكري، سابق يوحي بأن الهجوم يحمل أهدافًا تتجاوز السيطرة المباشرة على الأرض. فتح جبهة في النيل الأزرق في هذا التوقيت يخدم استراتيجية الاستنزاف وتوسيع رقعة القتال، بما يفرض على الجيش السوداني تشتيت موارده وقواته على مسارح عمليات متعددة. كما أن إشراك الحركة الشعبية/شمال يمنح الهجوم بعدًا سياسيًا وعسكريًا مركبًا، إذ يعيد إحياء تحالفات الهامش المسلحة، ويبعث برسالة مفادها أن الصراع لم يعد محصورًا بين الجيش والدعم السريع فقط، بل يتجه نحو إعادة تشكيل خرائط النفوذ القديمة في الأطراف.

في المقابل، فإن فشل الهجوم في تحقيق اختراق ميداني واضح يكشف عن جملة من الإشكالات البنيوية لدى القوات المهاجمة. ضعف التنسيق الزمني بين المحاور، والاعتماد على هجوم مباشر في منطقة معروفة بتحصيناتها، إضافة إلى التعقيدات اللوجستية التي تفرضها طبيعة الأرض والبعد عن مراكز الإمداد الرئيسية، كلها عوامل أسهمت في تقليص فاعلية العملية. كما أن قدرة الجيش على الصمود تشير إلى أن النيل الأزرق لم يعد ساحة رخوة كما كان يُفترض في حسابات بعض المخططين العسكريين.

الاشتباكات تحمل كذلك أبعادًا إنسانية مقلقة، حتى وإن لم تتضح بعد أرقام دقيقة للخسائر بين المدنيين. تاريخ الصراع في النيل الأزرق يبين أن أي تصعيد عسكري سرعان ما ينعكس في شكل موجات نزوح داخلي، خصوصًا في المناطق الريفية القريبة من مسار العمليات. ومع وجود مجتمعات تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وأمنية، فإن تكرار مثل هذه الهجمات ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية، وبتعقيد جهود الإغاثة في إقليم يعاني منذ سنوات من ضعف البنية التحتية والخدمات.

في المحصلة، يمكن القول إن اشتباكات اليوم في النيل الأزرق تمثل حلقة جديدة في مسار تصعيد محسوب، هدفه إعادة رسم خطوط الاشتباك وإبقاء الصراع مفتوحًا على جبهات متعددة. الجيش السوداني خرج من هذه الجولة محتفظًا بمواقعه ومؤكدًا قدرته الدفاعية، بينما بعثت القوات المهاجمة برسالة سياسية وعسكرية أكثر منها ميدانية، مفادها أن الإقليم سيظل ساحة ضغط محتملة في معادلة الحرب الأوسع. استمرار هذا النمط من العمليات ينذر بأن النيل الأزرق قد يتحول في المرحلة المقبلة من جبهة ثانوية إلى مسرح صراع أكثر مركزية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات عسكرية وإنسانية عميقة.