تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ما وراء الماراثون: كيف تصنع الجماعة أبطال إثيوبيا؟

22 مايو, 2026
الصورة
ما وراء الماراثون: كيف تصنع الجماعة أبطال إثيوبيا؟
Share

يمسح غوجام أثرا من القيء عن زاوية فمه، ثم يلتفت إلى صديقه زيليكي قائلا: «تولّيتُ دورك في المقدمة اليوم، وكادت روحي تخرج». يرشّ قليلا من الماء في فمه من زجاجة يحملها، ثم يبصقه، ويضيف: «القيادة صعبة؛ كأنك تحمل عبء شخص آخر». يجلس العدّاءان على جانب الطريق الذي شيدته الصين، والممتد من أديس أبابا باتجاه أوروميا. ومن وراء صخب السيارات والحافلات والعربات التي تجرها الخيول بين حين وآخر، تمتد الأراضي الزراعية إلى الأفق من كل جانب.

كان الاثنان قد أنهيا للتو جري مسافة 25 كلم مع 14 رياضيا آخرين، بوتيرة تدريبية تهدف إلى إعدادهم لماراثون مقبل. وقبل الانطلاق، وزّع مدربهم مسيرات بعناية ومسؤولة لقيادة مقاطع الجري بينهم، مؤكدا أهمية أداء واجبهم كضابطي إيقاع، وحاثا إياهم على تقاسم طاقتهم مع زملائهم. كما يكشف الحوار بين غوجام وزيليكي، فإن ضبط الجهد في التدريب يُفهم هنا بوصفه عملا جماعياً، يقوم على قدر كبير من الثقة والاعتماد المتبادل.

عام 2025، شغل رياضيون من إثيوبيا ومن دول قريبة في شرق أفريقيا، هي: كينيا وأوغندا وإريتريا وتنزانيا، 69 مركزا من بين أول 100 مركز في تصنيف الاتحاد الدولي لألعاب القوى لماراثون الرجال، و74 مركزا في تصنيف ماراثون النساء. يمثل ذلك مستوى استثنائيا من الهيمنة، نادرا ما نجد له مثيلا في الرياضة العالمية.

في هذه البلدان، يُنظر إلى الخبرة في جري المسافات الطويلة على أنها معرفة حدسية تُكتسب من الآخرين، وتُصقل بالممارسة والتجربة، وتعتمد بعمق على ديناميات التدريب الجماعي. غير أن هذا النهج بات يصطدم على نحو متزايد بأحدث اتجاهات علوم الرياضة، التي تدعو إلى مراقبة عدد متنامٍ من المتغيرات الفيزيولوجية، واعتماد برامج تدريب فردية مصممة بدقة بالغة.

فهل ينجح العدّاؤون الإثيوبيون، ومن يتبعون أساليب تدريب مشابهة، رغم فلسفاتهم التدريبية أم بفضلها؟ من منظور يجمع بين الأنثروبولوجيا وعلوم الرياضة، نرى أن هذا السؤال يتجاوز نتائج سباقات ألعاب القوى؛ إذ يمسّ ما يتطلبه توسيع حدود القدرة البشرية، والطريقة التي تُستخدم بها الخبرة، وتُقيَّم، وتُقبل أو تُستبعد. لقد اعتاد الغرب، زمنا طويلا، النظر إلى المعرفة الأفريقية بوصفها معرفة حدسية أو خرافية أو عملية فحسب، وقد يرى بعضهم في المنهجية الإثيوبية أسلوبا غير علمي. غير أننا نذهب إلى أنها قد تكون على النقيض من ذلك تماما. فهل تكشف علوم الرياضة الغربية حقاً آفاقا جديدة للإمكان البشري، أم أنها لا تفعل سوى اللحاق بالركب، بينما يجري الابتكار الحقيقي على المسارات الترابية في أديس أبابا؟

بدأ اهتمامنا المشترك بأساليب تدريب الجري قبل أكثر من عقد، إثر حوار دار بيننا عندما كنا نتنافس في بطولة العالم لمسافة 50 كلم عام 2015. منذ ذلك الحين، أمضى مايكل، وهو أنثروبولوجي اجتماعي، 15 شهرا في إثيوبيا ينجز عملا إثنوغرافيا؛ تعلّم خلالها الأمهرية، وعاش وركض إلى جانب رياضيين كانوا يسعون إلى تغيير حياتهم من خلال هذه الرياضة. أما جيف، الذي يعمل اليوم فسيولوجيا رياضيا لدى اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأمريكية، فقد اقترب من سؤال الأداء البشري من خلفية هندسية، بعدما عمل سابقا في مجالي السيارات والطب.

لا مكان أنسب لفهم النهج الهندسي القائم على البيانات في تدريب الجري، وهو النهج الذي يعرفه جيف جيدا، من فلاغستاف، تلك المدينة الجامعية الواقعة في مرتفعات أريزونا. فبفضل أميال طويلة من المسارات الترابية اللينة والمسطحة نسبيا، تقع المدينة على ارتفاع مثالي، يقارب 2,100 متر، بما يعزز تكيفات مفيدة في قدرة الدم والعضلات على التعامل مع الأكسجين. وتتوفر فيها أيضا كل مقومات الراحة الحديثة التي قد يحتاجها عدّاء شديد العناية بالتفاصيل: مضامير سهلة الوصول، وصالات رياضية مجهزة، ومتاجر أغذية عضوية، ومدلكون ومعالجون فيزيائيون مهرة. يقصدها كبار العدّائين من أنحاء العالم، وهو ما يمنحها عاملا إضافيا بالغ الأهمية: مجتمع من الرياضيين المنخرطين في سعي جماعي إلى أن يصبحوا أسرع.

لكن، في حين يتدرب الرياضيون في إثيوبيا ضمن مجموعات، يميل التدريب هنا غالبا إلى قدر أكبر من العزلة. فقد أدت الاتجاهات الحديثة في التدريب الفردي الدقيق، المصمم بمنطق هندسي، إلى أن يلاحق عدد متزايد من هؤلاء الرياضيين أحلاما مشتركة، لكن داخل عزلات مثالية مفصلة على مقاس كل فرد.

زر المضمار الأزرق الشهير في جامعة شمال أريزونا في أي صباح، وستكاد حتما تجد مجموعات صغيرة كثيرة تضم أولمبيين وأبطالا وطنيين وحالمين، يدورون في لفات محسوبة بعناية. وإذا أمعنت النظر، فقد ترى أيضا شرائط أرجوانية صغيرة، عليها قطرات دم استُخدمت في القياس، متناثرة على جانب المضمار؛ وهي مخلفات حديثة من المراقبة الدقيقة لتدفق الطاقة، غالبا ما يغفلها العابرون. تشبه هذه الشرائط تلك التي يستخدمها مرضى السكري لمراقبة مستوى الغلوكوز في الدم، لكنها هنا مخصصة لقياس لاكتات الدم، وهو المؤشر الحيوي المخبري الذي يُعد اليوم المعيار الذهبي لقياس المعدل النسبي لإنفاق الطاقة لدى رياضيي التحمّل. أما اللاكتات، وهو جزيء أُسيء فهمه سابقا حين عُدّ مصدرا للحموضة التي تعيق عمل العضلات، فيُفهم اليوم على نحو أدق بوصفه مقياساً للمعدل الداخلي للجهد الفيزيولوجي، ومدى قابليته للاستمرار. ومن ثم، فإن تدفق الطاقة الذي يراقبه الرياضيون في فلاغستاف يختلف في طبيعته عن ذلك الذي يشغل بال الرياضيين في أديس أبابا. إنه أقرب إلى مفهوم الطاقة الذي ينشغل به عادة الفيزيائي أو المهندس: قياس معياري للعمل، سواء كان كيميائيا أو كهربائيا أو بدنيا.

بدلا من النظر إلى الطاقة بوصفها شيئا محصورا داخل الجسد الفردي، وإلى الرياضي بوصفه نظاما من المدخلات والمخرجات، يرى العدّاؤون الإثيوبيون أن إنفاق الطاقة ومراقبتها مسؤولية جماعية

في علوم الرياضة الغربية، بات تدريب التحمّل يُفهم ويُصمَّم باعتباره ضغطا طاقيا واستقلابيا. فالاستقلاب، في جوهره، ليس سوى عملية انتقال للطاقة: تتحول الطاقة الكيميائية الموجودة في الطعام إلى طاقة كهربائية داخل خلايانا، ثم تتحول في نهاية المطاف إلى طاقة ميكانيكية في تقلصات عضلاتنا. ومعدل هذه العمليات وكفاءتها هما ما يحددان شدة التمرين والتدريب. فهناك معدلات جهد منخفضة نسبيا، يمكن للمرء أن يحافظ عليها وهو يتحدث؛ ومعدلات أعلى تكون مجهدة لكنها قابلة للاستدامة، كما يحدث مثلاً في جري الماراثون؛ ثم تأتي المعدلات الأعلى، وهي شديدة الإجهاد وغير قابلة للاستمرار طويلاً، كتلك التي يتطلبها سباق الميل أو سباق الخمسة كيلومترات.

أما اللاكتات، فهو ببساطة ناتج تفكك السكر في العضلات، وتحديدا الغلوكوز، من أجل توفير طاقة سريعة للخلايا. ويُعد معدل ظهوره واختفائه في الدم مؤشرا دقيقا إلى الوتيرة الداخلية التي تُحرَق بها الطاقة داخل الخلايا. أما استقراره، أي تراكمه أو عدم تراكمه، فيكشف مدى قابلية هذا التدفق الطاقي للاستمرار، ويوضح ما إذا كان جسم الرياضي، في جوهر الأمر، ما يزال مسيطراً على الجهد أم بدأ يفقد السيطرة عليه. ولهذا يعتمد عدد متزايد من الرياضيين على هذا المؤشر الحيوي، إلى جانب معدل ضربات القلب، وهو مؤشر أقدم وأكثر شيوعاً، وإن كان أحياناً أقل موثوقية في قياس الإجهاد الفيزيولوجي، لتحديد السرعات والشدات الدقيقة التي يؤدون بها تدريباتهم الفردية. وليس غريبا أن يتوقف عدّاؤو المسافات الطويلة من النخبة بعد كل بضعة تكرارات في الحصة التدريبية لأخذ عينة دم ومعايرة وتيرتهم، فيزيدون سرعتهم أو يخففونها في التكرارات التالية، ولو ببضع ثوانٍ فقط، تبعاً لما يكشفه الاختبار.

غالبا ما يُشار إلى هذا النهج في التدريب باسم الطريقة النرويجية، نسبة إلى رواده الإسكندنافيين في جري المسافات الطويلة والترايثلون. غير أنه يمكن النظر إليه، بحياد وبقدر أكبر من البساطة، بوصفه نهجا هندسيا في التدريب. فلكل رياضي مستويات دقيقة جدا من الشدة ينبغي أن يتدرب عندها، بحيث يحقق أقصى استفادة ممكنة من الحصة التدريبية من دون أن يضر بقدرته على أداء الحصة التالية. بهذه الطريقة، يستطيع أن يزيد إلى أقصى حد حجم العمل الشديد الذي ينجزه، أو مقدار الطاقة التي ينفقها، خلال دورة تدريبية كاملة. ويتطلب ذلك قياسات متكررة لمعدل ضربات القلب ولاكتات الدم. أما التدريب فوق تلك الشدات الدقيقة أو دونها، فيعني التفريط في التكيفات المحتملة التي يسعى إليها الرياضي، ومن ثم التفريط في قيمة الجهد نفسه. وتعمل القياسات المتكررة للإجهاد الداخلي مقارنة بالعبء الخارجي بوصفها حلقة تغذية راجعة مستمرة ومنضبطة بين الرياضي والمدرب. فإذا كان الرياضي يؤدي تكراراته باستمرار بحيث يحافظ على لاكتات الدم عند 3.2 مليمول/لتر، ثم أخذت السرعات التي تحقق هذا المستوى تتحسن من 3:07 دقيقة لكل كيلومتر إلى 3:05، ثم إلى 3:03، فإن نجاح الخطة التدريبية يصبح واضحاً.

غير أن هذا القدر من السيطرة والدقة يتعارض تماما مع الطريقة الإثيوبية في تقدير الطاقة وإدارتها. فالإدارة الفردية المفصلة للطاقة البدنية تنزع بالضرورة إلى عزل الرياضي عن الجماعة، في حين تُفهم الطاقة في إثيوبيا على أنها مورد محدود ينبغي مراقبته وحمايته بعناية. بل تُفهم أيضاً بوصفها مادة «عابرة للأجساد»، أي إنها لا تبقى حبيسة الجسد الفردي، بل يمكن أن تتدفق بين الناس، وكذلك بين الناس وبيئاتهم.

مع أن تقنيات المراقبة، مثل ساعات تحديد المواقع GPS، أصبحت متاحة على نطاق واسع في إثيوبيا، فإن استخدامها يظل انتقائياً، بل يُنظر إليها أحياناً على أنها غير مناسبة لبعض أنماط الجري. فعلى منحدرات جبال إنتوتو، المغطاة بغابات الأوكالبتوس، والتي يبلغ ارتفاعها عند جبل إنتوتو نحو 3,200 متر، يُعد القياس الدقيق للسرعة والمسافة عاملاً مشتتاً لا ضرورة له. وبدلاً من ذلك، ينصب التركيز على ابتكار مسارات متعرجة داخل الغابة، واستثمار وعورة الأرض وبطء الوتيرة في مساعدة الساقين على التعافي. ويُنظر إلى بعض العدّائين بوصفهم أقدر من غيرهم على ابتكار هذه المسارات، ولذلك يُطلب منهم تولي القيادة. وهكذا تختلف الحصص التدريبية في كل مرة، ونادراً ما تلتزم بممرات الغابة المعتادة.

تجلّى رفض تقنيات القياس الكمي بوضوح في إحدى الجريات، حين طلب المدرب من الرياضيين قطع ما بين 17 و18 كلم خلال ساعة وعشرين دقيقة. أُسندت مهمة القيادة إلى بوغالي، وسُلّم ساعة غارمن، ثم انطلق العدّاؤون في مسار شديد الالتواء، كانوا يدورون فيه أحياناً بزاوية 180 درجة حول الأشجار، واضطروا في موضع ما إلى التمسك بجذور الأشجار لجرّ أنفسهم صعوداً على منحدر. وبعد أن دخلوا في منخفض عميق وأزعجوا بعض الضباع، في مشهد أثار ابتهاج عدد من العدّائين، صاح أحدهم ببوغالي أن يسرع، وإلا فلن تكون لديهم «كيلومترات كافية» عند العودة. لكنه رفض، قائلاً إن المهم في هذا النوع من التدريب هو «الصعود والنزول». وهنا جعل النهج الحدسي والإبداعي في استكشاف الغابة جهاز GPS، بل وسلطة المدرب نفسها، أمرين ثانويين. وعندما عاد الرياضيون إلى البقعة المفتوحة في نهاية الجري، قيل للمدرب إن الساعة لم تكن تعمل.

في إثيوبيا، تُعد القدرة على الجري بطريقة تحمي طاقتك وطاقة الآخرين المهارة الأساسية لرياضي التحمّل. وفي هذه الحالة، كان إتقان هذه المهارة يقتضي غالبا رفض البيانات الكمية لا تبنيها. فبدلاً من النظر إلى الطاقة بوصفها شيئاً محصوراً داخل الجسد الفردي، وإلى الرياضي بوصفه نظاماً من المدخلات والمخرجات، يرى العدّاؤون الإثيوبيون أن إنفاق الطاقة ومراقبتها مسؤولية جماعية. ولأن الطاقة تُفهم لديهم على أنها مورد محدود، فإن مكسب رياضي واحد داخل هذا النظام يعني، بالضرورة، أن رياضياً آخر قد خسر شيئاً ما. ومن هنا نشأت في إثيوبيا أخلاقيات تدريب معقدة، هدفها ضمان تقاسم الطاقة بأكبر قدر ممكن من العدالة والتوازن.

بين الرياضيين الإثيوبيين، يُنظر إلى الجري منفردا بوصفه سلوكا منافيا للروح الجماعية، تماما كما يُنظر إلى الأكل على انفراد. فالجري معاً ليس مجرد شكل من أشكال التدريب، بل وسيلة مهمة لضبط النفس، وتجنّب ما يصفونه بـ«إحراق الذات» عبر الإفراط في التدريب. وبالمنطق نفسه، يُعد تقاسم الطعام بالتساوي بين الرياضيين أمرا أساسيا. وإذا أخفق بعضهم في أداء «واجبهم» كضابطي إيقاع، فقد يُطلب منهم غالباً تصحيح هذا الخلل في ميزان الطاقة بتحمّل ثمن الخبز أو الموز لبقية زملائهم.

أدت الاتجاهات الحديثة في التدريب الفردي الدقيق، المصمم بمنطق هندسي، إلى أن يلاحق عدد متزايد من هؤلاء الرياضيين أحلاما مشتركة، لكن داخل عزلات مثالية مفصلة على مقاس كل فرد

لكن، على الرغم من فوائد تقاسم الطاقة واستخدامها وتبادلها داخل سياق اجتماعي، قد ينظر مهندس حذر إلى هذه الممارسات فيرى أن بعض الرياضيين ينفقون طاقتهم بمعدلات لا تلائم بالضرورة تكيفهم الفيزيولوجي ونموهم الفردي. فإذا كان لكل رياضي قدرة وكفاءة خاصتان، وحدود مميزة تفصل بين معدلات إنفاق الطاقة القابلة للاستدامة وتلك غير القابلة لها، فمن المنطقي أن تكون الشدات التدريبية المثلى مختلفة من رياضي إلى آخر، ومصممة لكل فرد على حدة.

قد يرى بعضهم في النهج الإثيوبي صدى لأسلوب «المدرسة القديمة» في التدريب الغربي، حيث كان الكثير يُعد جيداً، والأصعب يُعد أفضل، وهو تصور ينسجم بطبيعته مع التدريب ضمن مجموعات كبيرة. كان بوسع كبار الرياضيين أن يتصدروا المجموعة ويضعوا معيار الأداء، فيما يدفع الرياضيون الصاعدون أنفسهم للتشبث بهم، أملاً في الانتقال إلى مستوى أعلى. وكان الجميع يراقب بعضهم بعضاً ويحاسبون أنفسهم جماعياً. لم يكن التدريب مفصلاً على مقاس كل رياضي، لكن مفهومي الجرعة التدريبية والتكيف كانا يُعاملان بوصفهما مسألتين تقريبيتين إلى حد ما، وكانت قوة الجماعة تُعد قادرة على تجاوز الفروق الدقيقة بين الأفراد.

في المقابل، بدا الأسلوب النرويجي كأنه يدفع التدريب إلى مرحلة جديدة، عبر نهج هندسي يقوم على مبدأ «غولديلوكس»: أن تكون الشدة التدريبية في نقطة دقيقة بين ما هو غير كافٍ، وما هو زائد قليلاً عن الحد. فإذا كنت تتدرب مع شخص آخر، فالفكرة ألا تسمح لهذا التدريب المشترك بأن يخل بالمحفز التكيفي المثالي الخاص بك، أي بجرعتك التدريبية وشدتها، أو أن يربك قراءة تقدمك والتغذية الراجعة التي تعتمد عليها. في فترة ما، كان يمكن مشاهدة الأشقاء الثلاثة إنغيبريغتسن، هنريك وفيليب وياكوب، الذين أسهموا في نشر النهج النرويجي، وهم يتدربون «معاً» بوصفهم عدّائين عالميين في سباق 1,500 متر. لكن، مع أنهم كانوا يؤدون غالباً التمرين نفسه، كان كل واحد منهم يعيش، إلى حد بعيد، داخل عالمه التدريبي الخاص. وهل يمكن مجادلتهم في نتائجهم؟ سيكونون أول من يقول إن نهجهم الحذر، الفردي، والمصمم بدقة، هو ما نقلهم من الظل إلى الألقاب والميداليات العالمية. أما مدربو المدرسة القديمة، فسرعان ما سيقدمون وصفاً لاذعاً لأجهزة قياس اللاكتات ومراقبة معدل ضربات القلب، وللرياضيين الذين يعتمدون عليها؛ وصفاً يمكن تلخيصه بأدب في أنهم صاروا "منزوعي الشراسة".

في جانب من جوانبه، يعود هذا الجدل القديم إلى سؤال جوهري عن موقع الخبرة: هل تكمن في المختبر، وفي شرائط قياس اللاكتات، ومع علماء الرياضة؟ أم أنها توجد على المسارات، وفي أجساد الرياضيين وتجاربهم المباشرة؟ فبينما افترض كثيرون أن نجاح رياضيي شرق إفريقيا يأتي «طبيعياً»، أو يكاد ينبع تلقائياً من عوامل مثل الجينات أو الارتفاعات، فإن إثيوبيا تمتلك في الواقع رصيداً هائلاً من الخبرة في جري التحمّل. وهذه الخبرة ليست «مدرسة قديمة» على الإطلاق، بل معرفة مصقولة، تراكمت عبر عقود من التجربة والممارسة. غير أنها تبدو مختلفة عن علوم الرياضة الغربية: فهي أقل انشغالاً بالاختبارات المختبرية وتوظيف البيانات، وأكثر اهتماماً بتحقيق توازن في التدريب بين ظروف بيئية متنوعة، وبالتعلم على تقاسم الطاقة مع الآخرين.

والحقيقة أن الطريقة التي يتعامل بها العدّاؤون الإثيوبيون مع تدريبهم علمية إلى حد بعيد. فقد صاغت بريت روزرت، أستاذة الدراسات الإفريقية-الأمريكية في جامعة ماساتشوستس أمهيرست، مصطلح «العلم الهارب»، لتوسّع من خلاله تعريف العلم بحيث يشمل أشكالاً أخرى من الممارسة التجريبية المتجسدة. فكثيراً ما تعامل الباحثون مع عدّائي شرق إفريقيا أساسا بوصفهم مصدرا للبيانات الفيزيولوجية، بدلا من أن يأخذوهم على محمل الجد بوصفهم أصحاب معرفة عميقة برياضة التحمّل.

فقد يدفع النهج الإثيوبي الرياضي بعيدا عن مساره الفردي للنمو المنتظم والمتوقع، في حين قد يترك النهج النرويجي الرياضي معزولا أكثر من اللازم، أو هشا أمام المتطلبات المتقلبة للواقع

على الرغم من أن النهجين الإثيوبي والنرويجي يبدوان، من وجوه كثيرة، مختلفين إلى حد كبير، فإن بينهما في الواقع نقطة تشابه رئيسية، وهنا تكمن دروس مهمة للنخبة والهواة، بل ولمن هم خارج عالم الرياضة أيضاً. ففي حين يدور كثير من الخطاب المحيط برياضات التحمّل، ولا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، حول الدفع بقوة أكبر، والمعاناة أكثر، والنزول أعمق في «كهف الألم»، فإن أفضل الرياضيين في العالم منشغلون في الحقيقة بضبط النفس. والسؤال الذي يواجههم هو: كيف يمكنهم أن يتحسنوا بوتيرة مستدامة من دون أن «يحرقوا أنفسهم» عبر الإفراط في التدريب؟

في هذا الجانب، يتخذ النهج الإثيوبي طابعاً اجتماعياً عميقاً، بينما يمنح المنهج النرويجي الأفضلية لـ«موضوعية» القياس الكمي المتزايد باستمرار. ويعمل كل من النهجين، بطريقته الخاصة، كآلية ضبط تكبح ميل الفرد إلى الضغط أكثر من اللازم أو أقل مما ينبغي؛ أحدهما يعتمد على الجماعة، والآخر على التكنولوجيا. غير أن الإفراط في أي منهما قد يتحول بدوره إلى عامل غير مفيد: فقد يدفع النهج الإثيوبي الرياضي بعيداً عن مساره الفردي للنمو المنتظم والمتوقع، في حين قد يترك النهج النرويجي الرياضي معزولاً أكثر من اللازم، أو هشاً أمام المتطلبات المتقلبة للواقع.

يبدو واضحاً أن النهج النرويجي يحظى برواج واسع، سواء بين رياضيي التحمّل الهواة أو لدى الجمهور العام. فقد جاء هذا النهج متزامناً مع تطورات تكنولوجية تولّد بيانات أكثر من أي وقت مضى، ومع موجة من الشركات التي تسعى إلى تحويل هذه البيانات إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق. واليوم، يستطيع أي شخص يملك ساعة GPS وهاتفاً ذكياً أن يراقب وتيرته، ومعدل ضربات قلبه، وعدد خطواته، والارتفاع الذي يقطعه، والحد الأقصى لاستهلاكه للأكسجين، ونومه، وغير ذلك. وبوسعه أيضاً، إن شاء، أن يشارك رسوماً بيانية مفصلة لأدائه على منصات اجتماعية مثل سترافا.

وتسوّق شركات مثل Whoop نفسها بوصفها قادرة على منح المستخدمين رؤى خاصة عن أجسادهم؛ ففي أحد إعلاناتها تظهر عبارة: «أنت تعرف ما بداخل كل شيء. إلا أنت». وهي بذلك تشجع الناس على اتخاذ قراراتهم بناءً على مؤشرات مثل تباين معدل ضربات القلب HRV، الذي يُستخدم بوصفه دليلاً غير مباشر على مستوى الإجهاد. أما التطور الأحدث، فيتمثل في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، عبر خدمات اشتراك تقدم خطط تدريب شخصية مصممة خوارزمياً. ويثير ذلك كله سؤالاً مهماً: ماذا يحدث لمهارة الإصغاء الحدسي إلى الإحساس الفعلي بالجري؟

ربما يكمن الحل المتوازن في استخدام هذه الأدوات الهندسية لمعايرة الحدس، لا لاستبداله، مع إفساح المجال في الوقت نفسه لديناميات الجماعة. فالهياكل الاجتماعية المرتبطة بالسعي إلى تحسين الذات، سواء تمثلت في السباقات والمنافسات أو في الأندية والأصدقاء، قادرة على توسيع العادات الراسخة، وتحريك الحدود المتخيلة، وإعادة تشكيلها. وفي المقابل، تستطيع أدوات القياس الكمي، من ساعات وأجهزة قياس ومراقبات لمعدل ضربات القلب، أن تصقل هذه التصورات وتمنح الرياضي فهما أكثر موثوقية للعلاقة بين الإجهاد والاستجابة. فالبشر، بلا شك، عرضة للتحيز والانفعال والخطأ، ويمكن لهذه الأدوات الحديثة أن تساعد العدّائين على ضبط تلك النزعات، وصقل سلوكهم التدريبي بقدر أكبر من الوعي والدقة.

ثمة أيضاً سؤال أوسع يتعلق بالطريقة التي تقيّم بها المجتمعات والثقافات أنواعاً معينة من المعرفة. فمع أن زيليكي وغوجام كانا حريصين على الحفاظ على مستويات طاقتهما ومراقبتها، فإنهما كانا ينخرطان أحياناً في إنفاق للطاقة يبدو مفرطاً وغير ضروري. كانا يستيقظان في الثالثة فجراً، مثلاً، تخيّل رعب من يتابع نومه بدقة، ليجريا صعودا وهبوطا على تل بعينه في الظلام، قبل أن يأخذا دشاً بارداً في الهواء الطلق. فعلا ذلك لأن الجري لم يكن، بالنسبة إليهما، مجرد معايرة دقيقة للجهد، بل كان أيضا تدريبا على الإحساس بالخطر، والانفتاح على المغامرة، وربما، إن جاز القول، المتعة.

يمكن تخيّل مستقبل تُنسب فيه الإنجازات الرياضية إلى تقنيات شخصية أو بروتوكولات طبية حيوية، لا إلى صفات مثل: الصلابة والعزم والتضحية، ولا إلى المجتمعات التي احتضنت الرياضيين، وأسهمت في تكوينهم منذ البداية. ومع تزايد تفويض المجتمعات جوانب من الخبرة الإنسانية، في مجالات أوسع من الحياة، إلى الآلات والمستحضرات الدوائية؛ من تسليم الإحساس الحدسي إلى أجهزة تتبع الذات، والتفكير إلى الذكاء الاصطناعي، والانضباط الذاتي إلى مثبطات الشهية؛ يصبح من الضروري ألا نفقد الصلة الإنسانية في الطريق.

فقياس الذات رقمياً، عبر ما تتيحه اليوم الأجهزة والتطبيقات على نطاق متزايد، قادر بالفعل على مساعدتنا في مساءلة أنفسنا، وتعديل سلوكنا نحو الأفضل. غير أن ما ترصده هذه الأدوات، وما تقدمه من إرشادات، سيظل في النهاية أضيق من التجربة الإنسانية في كليتها. وسواء أكنت رياضياً أم لا، فنحن جميعاً كائنات اجتماعية في العمق؛ ولا نبلغ أفضل ما فينا وحدنا، بل نحتاج إلى آخرين يساندوننا، ويدفعوننا، ويشدّوننا نحو ما نعجز أحياناً عن بلوغه بمفردنا.