الأحد 12 يوليو 2026
لنفترض، على سبيل التجربة الذهنية، إنسانا وُضع خارج كل نسق ثقافي: بلا لغة، بلا رموز، بلا قيم، بلا ذاكرة اجتماعية، يعيش في الطبيعة كما تُفهم عادة في صورتها الخام، لا يعرف معنى الخير والشر، ولا يملك تصورا للزمن أو الهوية أو الآخر. لا يفسر الأصوات ككلمات، بل كمجرد محفزات بيولوجية للاستجابة. في هذا الوضع الافتراضي، لا يعود الإنسان كائنا ثقافيا أو تاريخيا أو اجتماعيا، وإنما يتحول إلى كيان بيولوجي محض، تحكمه الحاجة والغريزة فقط، غير أن هذا التصور نفسه يطرح إشكالا مهما: هل يمكن أصلا تصور إنسان خارج الثقافة؟ أم أن مجرد القدرة على صياغة هذا الافتراض تفترض مسبقا، وجود ثقافة؟
كثيرة هي الأفلام والروايات التي حاولت قذف الإنسان، خارج الثقافة أو على هامشها، كنوع من التجربة الوجودية أو الفكرية حول حدود الطبيعة الإنسانية. من أبرز هذه الأعمال موكلي في "كتاب الأدغال" لرووديارد كبلينغ، حيث ينشأ الطفل في الغابة بين الحيوانات، فيبدو وكأن الطبيعة يمكن أن تُنتج إنسانا خارج المجتمع، لكنه مع ذلك يظل يستعيد اللغة والقانون الاجتماعي حين يعود إلى البشر.
يمكن إضافة تجربة أخرى أكثر فلسفية في حي "بن يقظان" لابن طفيل، حيث ينمو الإنسان منفردًا في جزيرة، ويصل بالعقل والتأمل إلى معرفة العالم والخالق دون أي تعليم اجتماعي مباشر. هنا يبدو أن العقل قادر على إنتاج المعنى من ذاته، لكن القراءة الفلسفية الحديثة ترى أن النص نفسه يعيد إنتاج مفاهيم ثقافية ودينية مسبقة تتسلل إلى "العزلة المفترضة".
الثقافة تبدو شرطا بنيويا لوجود الإنسان بوصفه كائنا يتذكر، ويتخيل ويعطي معنى لما يعيشه... هذا العالم الذي يُعرف بالثقافة هو الشرط الذي يجعل الإنسان إنسانا
في السينما، يقدم فيلم المنبوذ لـ(توم هانكس) صورة إنسان معزول عن المجتمع، حيث تتحول اللغة تدريجيا إلى حدها الأدنى، ويبدأ المعنى بالانكماش نحو الضرورة البيولوجية، بينما يصبح "الآخر" مجرد كرة (Wilson) تُسند إليها الحاجة النفسية للتواصل. كذلك فيلم "العائد" يصوّر الإنسان في مواجهة الطبيعة القاسية، لكنّه لا يخرج من الثقافة تماما، لأن الدافع للانتقام والذاكرة والانتماء ما زالت تعمل كآليات رمزية.
ما يجمع هذه الأعمال هو أنها لا تنجح في تقديم "إنسان طبيعي خالص" عبر قذفه الثقافة، بل تُظهر شيئا آخر: أن الإنسان، حتى حين يُلقى في الطبيعة أو ينسحب من المجتمع، يعيد إنتاج الرموز والمعاني بطريقة أو بأخرى. فالثقافة تبدو شرطا بنيويا لوجود الإنسان بوصفه كائنا يتذكر، ويتخيل ويعطي معنى لما يعيشه. هكذا يمكن القول إذن يعيش الإنسان داخل عالم من المعاني والرموز والقيم صنعه بنفسه عبر التاريخ، وهذا العالم الذي يُعرف بالثقافة هو الشرط الذي يجعل الإنسان إنسانا. بذلك تشكل الثقافة المعيار الذي يحكم بها البشر بعضهم على البعض أخلاقيا وفكريا...
بما أن الثقافة الإنسانية ليست ثقافة واحد ومنسجمة، ظهر على الأفق ظهر نوع من التفاضلية الثقافية، فصارت كل جماعة ترى أن ثقافتها مكتملة خيرة.. في حين أن الثقافات الأخرى ناقصة ربما شريرة.. لأنها تشكل التهديد لثقافة أخرى؛ يؤسس ستراوس لهذا الموقف أنثروبولوجيا عندما يؤكد على أن الإنسانية عند الشعوب القديمة تتوقف عند حدود القرية، التي يشير فيها هؤلاء السكان إلى أنفسهم بـالناس، وأحيانا يقولون بكثير من الرصانة "الطيبون" و"الممتازون" و"الكاملون"، الأمر الذي يعني أن القبائل والمجموعات والقرى الأخرى لا تشتركهم في هذه الفضائل الإنسانية، وبالتالي في الثقافة، ومن خلال ذلك، هل يمكن القول إن هل الثقافات متساوية؟
تجسدت هذه النزعة في بعض الخطابات الفلسفية الحديثة، كما يظهر عند هيجل، حيث تُقدَّم أفريقيا بوصفها خارج التاريخ أو غير منخرطة في مسار العقل والتقدم
تجسدت هذه النزعة في بعض الخطابات الفلسفية الحديثة، كما يظهر عند هيجل، حيث تُقدَّم أفريقيا بوصفها خارج التاريخ أو غير منخرطة في مسار العقل والتقدم. وهي صورة تكشف كيف يمكن للفكر الفلسفي نفسه أن ينزلق إلى إعادة إنتاج تراتبية ثقافية. يقول هيجل: "إنها قارة مقطوعة عن التاريخ على الأقل منطقة الصحراء الكبرى ... أفريقيا مقطوعة عن العالم ومحدودة بجغرافيتها وحيواناتها ونبتاتها غير الإنسانية، غابات كثيفة لا نهاية لها، الزواحف والأفاعي والبعوض وقردة الغوريلا، ذلك الحيوان الهجين.."، ويرى هيجل الأفريقي "شخصا مصلوبا، لا ثقافة له ولا حضارة...إن أفريقيا محكومة بأن تظل خارج منطق التاريخ... تاريخ يغفو في أفريقيا والعقل يتحرك دون أن يتقدم".
يقدم قدم كلود لفي ستراوس، طرفة مأساوية في نفس الآن، مفادها أن في بلاد الأنتيل الكبرى بعد عدة سنوات من اكتشاف أميركا، حينها كان الإسبان يرسلون بعثات التحقيق للبحث فيما إذا كان السكان الأصليون يملكون روحا أم لا، كان هؤلاء يعمدون إلى إغراق السجناء في المياه، وذلك لكي يتحققوا عبر المراقبة الطويلة، عما إذا كانت جثتهم عرضة للتحلل أم لا. هذه الطرفة النافرة والمأسوية تبرز بوضوح المفارقة العنصرية، ويرد ستراوس على هذا النوع من التفكر العنصري بقول صريح وواضح "فبرفضنا الإنسانية على الذين يبدون أكثر "وحشية" أو "بربرية" من ممثليها، لا نقوم إلا باستعارة واحدة من مواقفهم المميزة، منهم. إن البربري هو قبل كل شيء هو الإنسان الذي يعتقد بوجود البربرية".
يرى مالك كينان مالك، أن جزءا كبيرا من الفكر الليبرالي والراديكالي اليوم قد فقد ثقته في فكرة التقدم والعقل الكوني، واستبدلها برؤية تعتبر كل ثقافة مغلقة على ذاتها ومحصورة في اختلافها الجذري عن غيرها. وبهذا المنظور، تصبح الثقافات كيانات ثابتة، لا تُقاس بمعايير مشتركة، بل تُفهم فقط من داخل خصوصيتها. لكن هذا التصور سرعان ما يقود إلى مفارقة: حين نرفض الحكم على الثقافات باسم "الاختلاف"، فإننا عمليا نلغي إمكانية النقد والتغيير، ونحوّل الشعوب إلى جماعات "مغلقة" محكومة بهوياتها. من هنا تُستبدل فكرة الإنسان القادر على التقدم بفكرة الضحية الثقافية الدائمة. لكن أن القول بأن "كل الثقافات متساوية" يخفي أحيانا تخلّيا عن إمكانية التمييز بين ما يحرر الإنسان وما يقيده.
يرى هيجل الأفريقي "شخصاً مصلوباً"، لا ثقافة له ولا حضارة... إن أفريقيا محكومة بأن تظل خارج منطق التاريخ... تاريخ يغفو في أفريقيا والعقل يتحرك دون أن يتقدم
لكن هذا الطرح لا يخلو بدوره من توتر؛ فإذا كانت الثقافة شرطا لوجود الإنسان، وإذا كانت الثقافات متعددة وغير منسجمة داخليا. كيف يمكن وضع معيار كوني للحكم عليها دون الوقوع في مركزية ثقافية جديدة؟ هنا يظهر السؤال الفلسفي الدقيق: كيف يمكن الدفاع عن الكونية دون إنكار التعدد؟ وكيف يمكن نقد الثقافات دون تحويل الاختلاف إلى هرمية جامدة والاحكام العنصرية؟
يمكن القول، إن الإنسان يعيش دائما داخل عالم من القيم والرموز، وهو عالم لا يخرج منه حتى حين يحاول رفضه، إلاّ أن هذا العالم تعددي ومتغير، ومن هنا تنشأ إشكالية التفاضل الثقافي: فحين تتعدد الثقافات، تميل كل جماعة إلى اعتبار منظومتها معيارا للخير والمعنى (العودة إلى الوضع الأنثروبولوجي للإنسان)، بينما ترى في غيرها نقصا أو تهديدا.
إن الخطر يكن في تحويل الاختلاف إلى قدر نهائي مغلق؛ يعني ذلك أن إنكار الفروق بين الثقافات يؤدي إلى نسبوية مفرطة، فإن تثبيت هذه الفروق يؤدي إلى جوهرانية ثقافية تمنع الفهم المتبادل. بين هذين الحدين، تظل الإشكالية مفتوحة: كيف نفكر في الثقافة بوصفها شرطا للإنسان، وفي الوقت نفسه بوصفها مجالا للنقد والتجاوز؟ من هنا، لا يبدو السؤال هل الثقافات متساوية؟ سؤالًا بسيطًا، بل هو مدخل إلى إشكال أعمق: كيف نفهم الإنسان نفسه، هل هو كائن ثقافي مغلق داخل رموزه، أم كائن قادر على مساءلة هذه الرموز وتجاوزها نحو أفق كوني أوسع؟ وبطرحنا هذه الأسئلة نكون يستطيع القول إن التفكير في الثقافة أكثر معقولية من التفكير بالثقافة.