تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

ما بعد سقوط الفاشر: هل دخل السودان زمن التقسيم؟

6 نوفمبر, 2025
الصورة
ما بعد سقوط الفاشر: هل دخل السودان زمن التقسيم؟
Share

في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في منعطفٍ مفصليٍّ في تاريخ السودان الحديث. فبعد حصارٍ دام قرابة 550 يومًا، وأكثر من 200 هجوم موثّق، اجتاح مقاتلو الدعم السريع قاعدة الفرقة السادسة التابعة للقوات المسلحة السودانية (المعروفة اختصارًا بـSAF، ويُشار إليها في بعض الأدبيات بـ«الصفوة»)؛ وكانت آخرَ معقلٍ مهمٍّ للجيش في دارفور. خسارة المدينة، بما تحملُه من كلفةٍ بشرية ورمزية مُروّعة، تضعُ تقريبًا كلّ غرب السودان تحت قبضـة الدعم السريع، وتفتح الباب لاحتمال تقسيمٍ فعليٍّ بين حكومتين متنازعتين.

يمثّل حصار الفاشر واحدًا من أطول حصارات المدن في التاريخ المعاصر؛ ويستدعي من حيث طول المدة وقسوة المآلات مقارناتٍ بحصار لينينغراد الذي فرضته ألمانيا النازية لمدّة 872 يومًا. وقد خرجت الفاشر من المحنة مدينةً منهكة البنية مدمَّرة الأحياء، ومجتمعًا مدنيًا مكسورَ الروح.

بحلول أبريل/نيسان 2024، كانت قوات الدعم السريع قد أحكمت الطوق على المدينة، وقطعت طرق الإمداد والممرات الإنسانية عن أكثر من 900 ألف ساكن. وحذّرت الأمم المتحدة في مرحلةٍ مبكرة من أن أي هجومٍ على منطقةٍ مكتظةٍ بالسكان يتهدّدها الجوع ستكون له "عواقب مدمّرة".

تعرضت الفاشر لقصفٍ متواصل شهورًا طويلة. اختنقت المستشفيات، وتعرّضت الأسواق والأحياء السكنية لضرباتٍ متكررة، واختفت الإمدادات الغذائية. ووفق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، سُجّل بحلول ديسمبر/كانون الأول 2024 أكثر من 700 قتيلٍ مدني خلال الحصار، وتضرّر 90٪ من المنازل أو تعرّض للنهب. ووجّهت اتهاماتٌ إلى الطرفين (الدعم السريع والجيش) باستهداف المدنيين من دون تمييز.

بحلول أغسطس/آب 2025، وصفت «يونيسف» الفاشر بأنها "مركز معاناة الأطفال" في السودان: سوء تغذيةٍ واسع النطاق وتفشّي الأمراض ومستشفياتٌ على وشك الانهيار. وسقط مئاتٌ آخرون في جولةِ قتالٍ أخيرة مطلع أكتوبر/تشرين الأول. وتوالت لاحقًا تقارير عن حملات انتقامٍ ونهبٍ أعقبت اقتحام قوات الدعم السريع للمدينة.

جاء انتزاعُ الفاشر بثمنٍ باهظٍ على الدعم السريع؛ فقد خسر قادةً ميدانيين متمرّسين ومئاتٍ من مقاتليه. وفي المقابل شكّل سقوط المدينة ضربةً قاصمةً للجيش السوداني الذي بدا كأنه فقد عمليًا سيطرته على دارفور. ومع ذلك، ظلّ الطرفان، منذ اندلاع الحرب الأهلية، يتبادلان أدوار الهجوم والدفاع أكثر من مرة. وتُعزِّز هذه الهزيمة موقعَ «حكومة السلام والوحدة» (المعروفة أيضًا بـ«حكومة التأسيس») المدعومة من الدعم السريع، والتي تنازع حكومة بورتسودان التي يقودها الجيش على الشرعية والاعتراف.

نشوءُ "حكومةٍ موازية"

انبثقت «حكومة السلام والوحدة» من نيالا، جنوب دارفور، واجهةً سياسيةً جديدةً للتمرّد في لحظة سودانية فائقة الاضطراب. أُطلقت مطلع 2025 بميثاقٍ تأسيسي وُقّع في نيروبي، وقدّمت نفسها مشروعًا لدولةٍ علمانية ديمقراطية لامركزية ستكون الأولى من نوعها في تاريخ السودان. ينص "الدستور المؤقّت" على ثمانية أقاليم فدرالية، ويجعل من نيالا عاصمةً للكيان المقترح.

تُعزِّز هذه الهزيمة موقعَ «حكومة السلام والوحدة» (المعروفة أيضًا بـ«حكومة التأسيس») المدعومة من الدعم السريع، والتي تنازع حكومة بورتسودان التي يقودها الجيش على الشرعية والاعتراف

في يوليو/تموز 2025 أُعلن تشكيل القيادة: محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيسًا للمجلس، عبد العزيز الحلو (الحركة الشعبية/شمال–كاودا) نائبًا للرئيس، ومحمد حسن التعايشي (عضو سابق بمجلس السيادة) رئيسًا للوزراء. وقد ضمّت الترتيبات أسماءً سياسية أخرى، منها: فضل الله برمة ناصر (حزب الأمة)، إبراهيم الميرغني (الاتحادي الديمقراطي–الأصل)، الدكتور الهادي إدريس يحيى (حركة/جيش تحرير السودان–المجلس الانتقالي)، سليمان صندل حقّار (العدل والمساواة–السودان)، أسامة سعيد (مؤتمر البجا)، ومبروك مبارك سليم (حزب الأسود الحرّة).

يُعتقَد على نطاقٍ واسع أن الحكومةَ المعلَنة تحظى بدعمٍ عسكريٍّ وماليٍّ وسياسيٍّ من دولة الإمارات العربية المتحدة التي ساندت الدعم السريع طوال الحرب. في المقابل، يتلقّى الجيش السوداني إسنادًا من مصر وإريتريا والسعودية وقطر. وبرغم ما تجمعه «حكومة التأسيس» من أطرافٍ وشخصيات، تظلّ شرعيتُها موضعَ نزاع: فهي بلا اعترافٍ دولي، ولا تملك منظومةً ماليةً أو قدراتِ حوكمةٍ خارج المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع. ومن دون تسويةٍ وطنيةٍ وضمانات وصولٍ إنساني موثوقة، يُخشى أن تبقى إدارةُ نيالا سلطةً مؤقتةً مُجزأة أكثرَ منها حكومةً موازيةً مكتملة الأركان.

بلدٌ بلا أرضٍ آمنة

يُجسّد سقوطُ الفاشر حقيقةً مُفزعة. لا مكان آمنًا اليوم في السودان. فالدعم السريع والجيش يستهدفان مطاراتٍ ومستودعات وقودٍ ومراكز لوجستية في أنحاء البلاد. نفّذت طائراتٌ مُسيّرة للدعم السريع ضرباتٍ على الخرطوم وبورتسودان، وتعهّد حميدتي باستهداف أيّ مطار "يتعاون" مع الجيش -ما يثير مخاوف من توسّعٍ إقليمي.

ومع خضوع دارفور فعليًا لسيطرة الدعم السريع، تتصلّب خطوط القتال: غربُ البلاد للدعم السريع، فيما يحتفظ الجيش بالشرق والشمال، بما في ذلك بورتسودان وعطبرة ومحور النيل. ويحذّر محلّلون من انزلاق السودان إلى تفتّتٍ على الطريقة الليبية، بحكومتين متقابلتين متجذّرتين في نصفَيْ البلد.

رغم ما تجمعه «حكومة التأسيس» من أطرافٍ وشخصيات، تظلّ شرعيتُها موضعَ نزاع: فهي بلا اعترافٍ دولي، ولا تملك منظومةً ماليةً أو قدراتِ حوكمةٍ خارج المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع

وفي الشرق، خاصةً بورتسودان وموطن البجا، تتزايد الهشاشة. إن تراكُم التهميش وموقع الإقليم الاستراتيجي عاملُ انفجارٍ كامن: ضربةُ طائرةٍ مُسيّرة واحدة، أو حسابٌ سياسيٌ خاطئ، قد يشعل اضطرابًا ويخنق الوصولَ الإنساني عبر الميناء البحري العميق الوحيد في السودان.

رابحون وخاسرون وتحالفاتٌ مُتبدّلة

أعاد صعودُ الدعم السريع تشكيل موازين السياسة داخل دارفور. فتراجع نفوذُ القيادييْن المخضرمَيْن مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، وهما من الزغاوة وركيزتان تاريخيتان في حركات دارفور المسلحة بعد أن فقدت صلاتُهما بالجيش ترجمتَها على الأرض، وضاق هامشُهما التفاوضي.

في المقابل، تُوجَّه انتقادات لقيادة الجيش بأنها لم تُولِ دارفور الأولوية الكافية مقارنةً بتثبيت قبضتها على الشرق وخط البحر الأحمر. ويعزّز ذلك شعورًا متناميًا بأن نخب الشمال والوسط، التي حكمت السودان منذ الاستقلال عام 1956، قد تُكرّر الاستعدادَ "للتخلّي عن دارفور"، كما حدث عند انفصال جنوب السودان عام 2011.

على هذا المشهد، يقف السودان أمام ثلاثة مسارات محتملة: في السيناريو الأول، يترسّخ "تقسيمٌ بارد"، حيث تتجمّد خطوط التماس بعد انتصار الدعم السريع، فلا يتوغّل أيّ طرفٍ عميقًا في قلب مناطق الآخر، ويكتفي الطرفان بحماية خطوط الإمداد وتأمين دعم الحلفاء. يبقى السودان مُفكَّكًا لا رسميًا، بل عمليًا إلى مجالين متقابلين للسيطرة: غربيٌّ وشرقيّ.

يمثل سقوط الفاشر نقطة تحوّل مزدوجة: فقد أنهى فعليًا نفوذ الجيش في دارفور، وفتح مرحلة تفكك تُعاد فيها رسم خريطة السودان بقوة السلاح أكثر من السياسة. لكن هذه اللحظة قد تشكل نافذة ضغط دبلوماسي تدفع الفاعلين الإقليميين والدوليين لتنسيق استجابة جادة قبل أن تفلت الأمور من العقال

أما السيناريو الثاني فيُنذر بتصعيدٍ متدحرج، إذا انهارت ضوابط الكبح، قد يردّ الدعم السريع بضرباتٍ جديدة على الخرطوم أو بورتسودان، مستهدفًا المطارات وشرايين الإمداد، فيما يصعّد الجيش في دارفور وكردفان. عندها قد يتوقف النقل الجوي، وتنهار العمليات الإنسانية، وتنجرف أطرافٌ إقليميةٌ أكثر إلى أتون الصراع.

السيناريو الثالث يفترض وقفًا لإطلاق النار بإشرافٍ محكم من «الرباعية»؛ الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات. وتطرح خارطة الطريق، المتداولة منذ سبتمبر/أيلول، ممراتٍ إنسانية وهدنًا مراقَبة وقيودًا على تدفّق السلاح تمهيدًا للانتقال إلى مسارٍ سياسي. لكن أي هدنةٍ ستظل هشّة ما لم تُسنَد إلى إطارٍ سياسي ذي مصداقية.

في هذا الإطار، يمكن للرباعية أن تضمن ممراتٍ إنسانية مفتوحة في مناطق سيطرة الطرفين، على أن يُوثَّق الالتزام عبر إشرافٍ مستقل. وبالتوازي، تستطيع تجميد حرب المطارات بفرض نظام "عدم الضرب" على المنشآت الحيوية في بورتسودان وعطبرة ودنقلا والأبيض والفاشر ونيالا، مع آليةٍ محايدة للتحقق والمتابعة. وعلى جبهة التسليح، يمكن تعطيل شحنات السلاح وتشديد القيود والرقابة، خصوصًا عبر شرق ليبيا وبعض المسارات الخليجية. وقد يكون البدء بهدنٍ محلية في شكل اتفاقاتٍ مدينةً بمدينة في الفاشر ونيالا والأبيض مدخلًا عمليًا يسبق وقفًا شاملًا لإطلاق النار.

وإسنادًا لهذه الخطوات، ينبغي إشراكُ مناوي وجبريل وغيرهما من الوسطاء المحليين في تنسيق المسارات الإنسانية والأمنية، ضمن إشرافٍ مدني يحدّ من فرص الإفساد. كما تبرز حاجةٌ عاجلة إلى إنشاء خليّةٍ للتحقق الإنساني؛ بعثةٍ مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تتولّى تتبّع الوصول، ومراقبة الهدن، وتوثيق الاعتداءات على البنى التحتية للإغاثة.

في المحصلة، يمثل سقوط الفاشر نقطة تحوّل مزدوجة: فقد أنهى فعليًا نفوذ الجيش في دارفور، وفتح مرحلة تفكك تُعاد فيها رسم خريطة السودان بقوة السلاح أكثر من السياسة. ومع ذلك، قد تشكّل هذه اللحظة نافذة ضغط دبلوماسي تدفع الفاعلين الإقليميين والدوليين للاعتراف بحجم الأزمة وتنسيق استجابة جادة قبل أن تفلت الأمور من العقال.

وإذا أحسنت «الرباعية» وشركاؤها الأفارقة استثمار اللحظة بتأمين وصولٍ إنساني فعلي والتوصل إلى هدنةٍ موثوقة فقد تتحول مأساة الفاشر إلى بداية طريقٍ شاقٍّ نحو السلام. أمّا إن ضاعت الفرصة، فإن السودان مهدّد بالانزلاق، بلا عودة، إلى تقسيمٍ دائم وحربٍ مزمنة؛ بلدٌ يلتهم نفسه، كما يعبّر كثير من السودانيين اليوم بمرارة وذهول: "لا مكان آمنًا".