تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 20 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

ما بعد الضحية: هل سئم الفن الأفريقي خطاب الألم؟

25 أبريل, 2026
الصورة
ما بعد الضحية: هل سئم الفن الأفريقي خطاب الألم؟
Share

لا يُستقبل الفن الأفريقي في فراغ تأويلي، بل ضمن أفق تاريخي تشكّل في تقاطع المعرفة بالسلطة، حيث ترسّخت صورة القارّة بوصفها فضاء للألم. ضمن هذا الأفق، يتحوّل الألم من عنصر جمالي إلى معيار ضمني يوجّه القراءة، ويحدّد قابلية العمل للاعتراف، بما يُفضي إلى اختزاله في وظيفة "شهاداتية" تُحدّ من تعدّديته الدلالية.

يمكن فهم هذه الدينامية في ضوء تحليلات إدوارد سعيد في الاستشراق، وأطروحات فالنتين موديمبي حول "اختراع أفريقيا"، حيث تُحدَّد شروط تمثيل الآخر داخل أطر معرفية مسبقة. في هذا السياق، يقترح المقال مفهوم "اقتصاد الألم" بوصفه بنية رمزية تنظّم تداول المعاناة داخل الحقل الثقافي العالمي.

انطلاقا من ذلك، يسائل البحث كيفية تأطير الفن الأفريقي ضمن هذا الاقتصاد، ويستكشف إمكانات تجاوزه عبر تحوّلات جمالية معاصرة، بما يتيح تحريره من القراءة الاختزالية دون إنكار مركزية التاريخ، ويفتح أفقا أكثر تركيبا لفهم التجربة الفنية الأفريقية.

أفق التلقي وإنتاج المعنى: نحو تأطير نظري لاقتصاد الألم

لا يُفهم تلقّي الفن الأفريقي خارج البنية التأويلية التي تُؤطّر ظهوره داخل الحقل الثقافي العالمي. الأعمال الفنّية لا تُستقبل بوصفها معطيات خامة، بل ضمن "أفق توقّع" يُوجّه إدراكها، ويحدّد شروط قابليتها للفهم والاعتراف. وفي حالة الفن الأفريقي، يتشكّل هذا الأفق تاريخيا داخل منظومة معرفية ربطت تمثيل القارّة بسرديات النقص والمعاناة، بما يجعل الألم ليس مجرّد موضوع ممكن، بل مرجعية مهيمنة تُنظّم القراءة.

الألم يتحوّل من تجربة معيشة إلى مورد رمزي يُمنح عبره العمل قابلية أكبر للانتشار والاعتراف، في حين تُواجَه الأعمال التي تنزاح عن هذا الأفق بدرجات متفاوتة من التهميش أو سوء الفهم

يمكن تأطير هذه الدينامية ضمن أدوات دراسات ما بعد الاستعمار، التي أبرزت كيف تُنتج الخطابات المهيمنة صورا عن "الآخر" تُحدّد سلفا ما يمكن أن يُرى ويُقال. فقد بيّن إدوارد سعيد في الاستشراق أنّ المعرفة ليست انعكاسا محايدا للواقع، بل ممارسة تُنشئ موضوعها وتضبط معناه ضمن أطر سلطوية. وبالقياس، يمكن القول إنّ تلقّي الفن الأفريقي يتمّ داخل جهاز مفاهيمي يُعيد إنتاجه بوصفه تعبيرا عن الألم، حتى حين يسعى إلى تجاوزه.

في هذا السياق، يكتسب مفهوم "اقتصاد الألم" دلالته الإجرائية، بوصفه يشير إلى شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل من تمثيلات المعاناة قيمة قابلة للتداول داخل السوق الثقافية. لا تُقاس القيمة هنا فقط بالخصائص الجمالية للعمل، بل بمدى انسجامه مع أفق التوقّع السائد. ويعني ذلك أنّ الألم يتحوّل من تجربة معيشة إلى مورد رمزي يُمنح عبره العمل قابلية أكبر للانتشار والاعتراف، في حين تُواجَه الأعمال التي تنزاح عن هذا الأفق بدرجات متفاوتة من التهميش أو سوء الفهم.

تتقاطع هذه القراءة مع تحليل بيير بورديو للحقل الثقافي، حيث تُحدَّد قيمة الإنتاج الفني داخل شبكة من القوى والمؤسّسات التي تضبط معايير الشرعية. لا تفرض السوق الثقافية العالمية بما تتضمنه من دور نشر ومنصات عرض ولجان تحكيم رقابة مباشرة، بل تشتغل عبر آليات انتقائية تُفضّل أنماطا معيّنة من السرد. في هذا الإطار، يُعاد إنتاج "الألم" بوصفه علامة دلالية تُسهّل تصنيف العمل ضمن خانة "الأصالة" أو "التمثيل".

لا يعني ذلك اختزال الفعل الإبداعي في منطق السوق، بل الإشارة إلى أنّ التلقّي نفسه يُشكّل جزءا من عملية إنتاج المعنى. فحين يدخل العمل الفني إلى فضاء التداول، يُعاد تأويله وفق معايير قد لا تنتمي إلى بنيته الداخلية، بل إلى أفق خارجي يُعيد ترتيب دلالاته. وهنا يتأكّد أنّ "اقتصاد الألم" لا يعمل فقط على مستوى الموضوع، بل على مستوى القراءة ذاتها، حيث يُعاد تثبيت علاقة غير متكافئة بين ما يُنتج وما يُعترف به.

وعليه، فإنّ مساءلة هذا الاقتصاد لا تقتصر على نقد الصور النمطية، بل تتطلّب تفكيك البنية التأويلية التي تجعل من الألم مرجعية شبه حصرية للفهم. بدون هذا التفكيك، يظلّ الفن الأفريقي محكوما بأفق يحدّ من تعدّديته، ويُعيد إنتاجه داخل قالب دلالي مسبق، مهما تنوّعت أشكاله وتجاربه.

من الشهادة إلى الاختزال: تحوّلات الدلالة وحدود التمثيل

يستمدّ حضور الألم في الفن الأفريقي مشروعيّته من ارتباطه بتاريخ معقّد من العنف والتحوّلات، ما يجعل كثيرا من الأعمال أفعال شهادة تستعيد الذاكرة، وتعيد كتابة ما همّشته السرديات المهيمنة. غير أنّ هذه الوظيفة تنزلق - في سياق التلقّي - نحو نمط دلالي ثابت يُطابق بين "الأفريقي" و"المأساوي"، فيتحوّل الألم من عنصر ضمن بنية مركّبة إلى إطار تأويلي حصري.

تكمن الإشكالية في انتقال الشهادة من ممارسة جمالية مفتوحة إلى قالب مغلق، حيث يختزل العمل إلى بعده التوثيقي، ويُقرأ كدليل على واقع، لا كنص ينتج معنى. هذا ما يفضي إلى قراءة أداتية تُعيد تثبيت الصور المسبقة بدل مساءلتها، كما يتقاطع مع أطروحات فالنتين موديمبي حول "اختراع أفريقيا"، ونقد تشيماماندا نغوزي أديتشي لفكرة "القصة الواحدة".

تكمن أهمّية هذه التجارب في أنّها لا تنفي التاريخ العنيف، بل تُعيد إدراجه ضمن بنى جمالية أكثر تعقيدا، تفكّك أفق التلقّي الاختزالي وتعيد توزيع الدلالة

ضمن هذا السياق، يتحوّل الألم إلى علامة قابلة للتداول داخل اقتصاد رمزي يُفضّل الاختزال، ما يُفرغ العمل من تعدّديته، ويعيد توجيه دلالته نحو معنى واحد. هكذا، لا تكمن المشكلة في حضور الشهادة، بل في تحوّلها إلى إلزام تأويلي، بما يستدعي تحرير العمل الفني من القراءة الأحادية وإعادة فتح أفقه الدلالي.

استراتيجيات التجاوز وبناء السيادة السردية

لا يظلّ تجاوز خطاب الألم مستوى نظريا فحسب، بل يتجسّد في ممارسات فنية معاصرة تعيد صياغة شروط التمثيل عبر وسائط وأساليب متعدّدة. وتكمن أهمّية هذه التجارب في أنّها لا تنفي التاريخ العنيف، بل تُعيد إدراجه ضمن بنى جمالية أكثر تعقيدا، تفكّك أفق التلقّي الاختزالي وتعيد توزيع الدلالة.

الجسد والأرشيف المضاد: إعادة كتابة الذاكرة

تقدّم أعمال ويليام كينتريدج نموذجا لافتا في هذا السياق، حيث يعاد تركيب الذاكرة الاستعمارية عبر رسوم متحرّكة وأعمال أدائية تستثمر التراكم البصري، المحو، وإعادة الرسم. لا يعرض العنف هنا كواقعة مباشرة، بل كأثر بصري متحوّل، يرفض الثبات الدلالي ويقوّض القراءة الأحادية.

وبالمثل، تشتغل تريسي روز على الجسد بوصفه موقعا لإعادة كتابة التاريخ، من خلال ممارسات أدائية تفكّك الصور النمطية المرتبطة بالهوية والجندر. في هذه الأعمال، لا يكون الجسد شاهدا على الألم فقط، بل أداة لإعادة إنتاج المعنى.

السخرية والتهكّم كاستراتيجية تفكيك

تعتمد بعض التجارب على السخرية لتقويض أفق التوقّع. في أعمال إلم أناتسوي، مثلا، تتحوّل مواد استهلاكية (أغطية زجاجات، معادن مهملة) إلى أعمال تركيبية ضخمة ذات طابع احتفالي. هذه المفارقة بين المادة "الهامشية" والنتيجة الجمالية تعيد النظر في مفاهيم القيمة، وتفكّك العلاقة بين أفريقيا بوصفها فضاء للفقر، والفن بوصفه فعل خلق.

الاشتغال على اليومي والهامشي

في الفوتوغرافيا، تقدّم زينب سديرة وصامويل فوسو نماذج تعيد توطين المعنى داخل تفاصيل الحياة اليومية. هنا لا تعرض التجربة الأفريقية بوصفها استثناء مأساويا، بل كفضاء معيش يتداخل فيه العادي والرمزي.

أما حسن حجاج، فيشتغل على الصورة الفوتوغرافية عبر توظيف عناصر من الثقافة الشعبية (الملابس، الإعلانات، الألوان الصارخة)، ليخلق خطابا بصريا ساخرا، يعيد تمثيل الهوية خارج القوالب الجاهزة.

الغموض والتركيب البصري: مقاومة القراءة المباشرة

تتجلّى مقاومة الشفافية القسرية في أعمال إبراهيم الصلحي، حيث تتداخل الرموز الصوفية، الخط، والتجريد في بنى بصرية مفتوحة على تأويلات متعدّدة. لا يُقدّم المعنى بشكل مباشر، بل يُنتج عبر علاقة معقّدة بين الشكل والدلالة.

كما تشتغل وانغيشي موتو على الكولاج والتركيب، لخلق أجساد هجينة تتجاوز التصنيفات الجاهزة، ما يجعل العمل ذاته فضاء لزعزعة الحدود بين الطبيعي والمصنوع، المحلي والعالمي.

الأداء والوسائط المتعددة: إعادة تشكيل العلاقة مع المتلقي

في الفن الأدائي، تبرز أعمال نيك كايف (في تفاعله مع سياقات أفريقية وأفرو-دياسبورية) بوصفها مثالا على تحويل الجسد إلى وسيط صوتي وبصري، ينتج معنى يتجاوز اللغة المباشرة. كما تشتغل فنانات مثل ليلى علوي على تقاطعات الصورة والوثيقة، حيث تُعاد صياغة التمثيل الفوتوغرافي بوصفه علاقة أخلاقية، لا مجرّد تسجيل.

نحو أفق نقدي بديل: تفكيك ثنائية الضحية والجلاد

لا يقتصر تجاوز خطاب الألم على تحوّلات الإنتاج الفني، بل يستدعي بالضرورة إعادة نظر في الأطر التأويلية التي تضبط تلقّيه. الإشكال لا يتمثّل فقط في طبيعة الأعمال المنتجة، بل في هيمنة أنماط قراءة، خاصة ما يمكن تسميته بالقراءة الأداتية، التي تختزل العمل الفني في كونه شهادة أو وثيقة، وتُفرغه من استقلاليّته الجمالية. لذلك، يقتضي الأمر الانتقال من مساءلة ما "يمثّله" العمل إلى تحليل الكيفية التي ينتج بها معناه، بما يعيد الاعتبار لبنيته الفنية بوصفها مجالا دلاليا قائما بذاته.

ينبغي الاعتراف بتعدّد مستويات التجربة الأفريقية، بما يتجاوز حصرها في سردية مأساوية واحدة، ويفتح المجال أمام تمثيلات أكثر تنوّعا وتعقيدا

كما يتطلّب بناء أفق نقدي بديل التحرّر من مركزية الألم كمعيار ضمني للتقييم، إذ إنّ ربط "الأصالة" بدرجة المعاناة يُعيد إنتاج منطق اختزالي، حتى في صيغته المتعاطفة. في المقابل، ينبغي الاعتراف بتعدّد مستويات التجربة الأفريقية، بما يتجاوز حصرها في سردية مأساوية واحدة، ويفتح المجال أمام تمثيلات أكثر تنوّعا وتعقيدا.

في هذا السياق، تبرز ضرورة مساءلة التقابل التقليدي بين المحلي والعالمي، عبر تصوّر "عالمية تعدّدية" لا تقوم على الامتثال لمعايير خارجية، بل على قدرة العمل الفني على فرض منطقه الخاص داخل فضاء التداول. وهو ما يقود إلى مفهوم "السيادة التأويلية"، أي تحرّر الخطاب النقدي من الأطر المسبقة، عبر توسيع مرجعياته والانفتاح على مقاربات متعدّدة، بما يعيد موضعة الفن الأفريقي كفاعل في إنتاج المعنى، لا مجرّد موضوع خاضع له.

يخلص هذا المقال إلى أنّ إشكالية الفن الأفريقي لا تتحدّد بموضوع الألم في ذاته، بل بالبنية التأويلية التي تحوّله إلى معيار مهيمن للقراءة. اقتصاد الألم يعمل كآلية تنظّم الإنتاج والتلقي معا، بما يحدّ من تعدّدية الدلالة. غير أنّ التحوّلات الجمالية المعاصرة تكشف عن مسارات لتجاوز هذا الأفق، عبر استراتيجيات تعيد تشكيل منطق التمثيل وتفتح إمكانات أوسع للمعنى.

وعليه، فإنّ تجاوز خطاب الضحية لا يقتصر على مستوى الإبداع، بل يقتضي أيضا إعادة بناء أفق نقدي يتحرّر من القراءة الاختزالية، ويعيد الاعتبار لتعقيد التجربة الفنية الأفريقية بوصفها فاعلا في إنتاج المعنى، لا مجرّد موضوع له.