تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

مع الراحل نغوغي واثيونغو في تصفية استعمار العقل

30 مايو, 2025
الصورة
استعمار العقل
Share

رحل عن دنيانا نغوغي واثيونغو تاركا خلفه فراغا كبيرا في المشهد الثقافي الأفريقي، وحزنا عميقا يظهر في نعي الناعين، والعزاء في إنتاجه الوافر الذي خلفه. نغوغي كاتب ومسرحي ومفكر كيني بارز، تتناول أعماله قضايا ما بعد الاستعمار، وتربط بين اللغة والهوية، وبين الأدب والسياسة، ومن أشهر كتاباته الفكرية: "تصفية استعمار العقل" الذي دعا فيه إلى التحرر الثقافي لأفريقيا. وكان من أبرز الأسماء المرشحة لنيل جائزة نوبل للآداب منذ سنوات.

وُلد في عام 1938 في قرية كاميريثو في كينيا، وكان اسمه عند الولادة جيمس نغوغي؛ قبل أن يتخلّى عنه احتجاجًا على الاستعمار الثقافي وتبنيه للأسماء الغربية. نشأ نغوغي في بيئة ريفية خلال حقبة الاستعمار البريطاني لكينيا، ونشر مذكرات طفولته، في كتاب بعنوان "الحلم في زمن الحرب" (2010)، حيث شهد آثار الحرب ضد الاستعمار (تمرد الماو ماو)، وانطبعت تلك الأحداث في ذاكرته. 

حصل على تعليمه الجامعي في جامعة ماكيريري في أوغندا، ثم في جامعة ليدز في بريطانيا، حيث تبلورت أفكاره حول اللغة والهوية والاستعمار، وبدأ حياته الأدبية بالكتابة باللغة الإنجليزية، وحقق شهرة بروايات مثل: "لا تبك، يا طفلي" (1964)، وهي أول رواية تُنشر لكاتب شرق أفريقي باللغة الإنجليزية، تتناول آثار الاستعمار والتعليم البريطاني على المجتمع الكيني، و"نهر بيننا" (1965) و"تويجات الدم" (1977). لكنه سرعان ما بدأ يُعيد النظر في استخدامه للغة المستعمِر. 

يبرز الطابع الراديكالي لمشروعه الفكري؛ فهو لا يطالب فقط بالعدالة السياسية والاقتصادية، بل بتصفية الاستعمار من داخل الوعي الجمعي، بدءًا باللغة؛ لغة الثقافة، حيث يرى بأن أكثر أدوات الاستعمار فتكًا لم تكن الأسلحة بل كانت المدرسة

أعلن قطيعته مع اللغة الإنجليزية، مع صدور كتابه "تصفية استعمار العقل" (1986)، وبدأ الكتابة بلغته الأم الكيكويو، معتبرًا أن اللغة أداة تحرر وليست مجرد وسيلة تواصل، فكتب بها مسرحية "سأتزوج حين أشاء"(1977) التي انتقد فيها النظام الكيني، وسجن بسببها، وهو ما عمّق قناعته بضرورة المقاومة الثقافية. وكتب بها في السجن، رواية "الشيطان على الصليب" (1980)، التي انتقد فيها الرأسمالية والاستغلال الاقتصادي، وبعد إطلاق سراحه، عاش في المنفى في بريطانيا ثم الولايات المتحدة، واشتغل بالتدريس في عدة جامعات مثل جامعة كاليفورنيا في إرفاين، ونشر عام 1981 كتابه "مذكرات كاتب سجين" عن فترة اعتقاله السياسي.

لقد عاش نغوغي ما آمن به، فما تخليه عن اسمه جيمس؛ وكتاباته وحياته بعد كتابه "تصفية استعمار العقل" سوى تطبيق لأفكاره، ومقاومته للخطاب الاستعماري وهيمنته؛ واستبداد الأنظمة الأفريقية التي واصلت النهج الاستعماري في قمع شعوبها، وتبديد ثروات بلادها؛ أو دفعها إلى المستعمر قربانا للبقاء على الكرسي.

لماذا تتوجب قراءة "تصفية استعمار العقل"؟

إذا نظرنا إلى العولمة كوسيلة استعمارية بالغة اللطافة لدرجة تغريك بأن تتخلى عن ثقافتك المحلية دون أي إحساس بالذنب، فإن الإصغاء لصرخة نغوغي في كتابه "تصفية استعمار العقل" ((Decolonising the Mind؛ أحد أبرز النصوص المؤسسة في حقل دراسات ما بعد الاستعمار، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقة المعقّدة بين اللغة والهوية والاستعمار الثقافي، لا محالة يساعد على بناء مساهمة فكرية ونقدية تتجاوز الإطار الأدبي لتلامس جوهر الصراع الحضاري بين المُستعمِر والمُستعمَر، مؤكّدًا أن الهيمنة لا تتحقق فقط عبر احتلال الأرض، بل أيضًا من خلال الاستحواذ على أداة التفكير والتعبير: اللغة.

يمثّل الاعتقال لحظة مفصلية في وعي الكاتب؛ إذ شرع بعدها في تفكيك علاقته باللغة الإنجليزية التي كان يكتب بها رواياته الأولى، وقرر التخلي عنها لصالح الكتابة بلغته الأصلية

يمثل هذا العمل صرخة ضد استمرارية الاستعمار في شكله الرمزي والمعرفي، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للغات الأم في الكتابة والتعليم والإبداع، بوصفها شرطًا ضروريًا لتحرير الذات الجماعية للمجتمعات المستعمَرة سابقاً. وقد وصف نغوغي كتابه بأنه الوداع الأخير للإنجليزية بوصفها واسطة لأي من كتاباته، وصرّح: "منذ الآن سأستخدم الكيكويو والكي-سواحيلية دوماً، إلا أنني آمل من خلال أداة الترجمة العتيقة، في أن أتمكن من متابعة الحوار مع الجميع". 

ظهر الكتاب عام 1986، في سياق سياسي وفكري حاد شهد تصاعد نقد طليعة من النخب المثقفة في أفريقيا لآثار الاستعمار المتواصلة، لا على المستوى الاقتصادي والسياسي فحسب، بل في البنية الذهنية والثقافية لشعوب ما بعد الاستعمار. وقد جاء هذا النص بعد سلسلة من التجارب الشخصية والفكرية لنيغوغي، من بينها اعتقاله السياسي في كينيا بسبب مشاركته في مشروع مسرحي بلغة "الكيكويو"، وهي لغته الأم.

يمثّل الاعتقال لحظة مفصلية في وعي الكاتب؛ إذ شرع بعدها في تفكيك علاقته باللغة الإنجليزية التي كان يكتب بها رواياته الأولى، وقرر التخلي عنها لصالح الكتابة بلغته الأصلية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يُقرأ فقط باعتباره نصا نقديا، بل بيانا أيديولوجيا وتجربة شخصية ذات طابع نضالي، إنه يناضل من أجل أفريقيا حرة؛ كاملة الحرية، منددا بأنصاف الحلول.

يقول في كتابه: "أنا أنتقد في هذه المقالات، الخيار الأفرو-أوروبي (أو الأورو-أفريقي) لممارستنا اللغوية، ولا أنتقص من موهبة وعبقرية أولئك الذين كتبوا بالإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية. وعلى الضد من هذا أنا أرثي وضعا نيو-كولونياليا، معناه أن البرجوازية الأوروبية، تسرق من جديد، مواهبنا وعبقرياتنا، كما سرقوا اقتصادنا. في القرنين الثامن والتاسع عشر سرقت أوروبا الكنوز الفنية من أفريقيا لتزين بيوتهم ومتاحفهم، وفي القرن العشرين تسرق أوروبا كنوز العقل لتثري لغاتها وثقافاتها. إن أفريقيا تريد أن تسترد اقتصادها وسياستها وثقافتها ولغاتها وكتَّابها الوطنيين جميعا"، وأضيف لما قاله إن أفريقيا محتاجة إلى استرداد ثقتها بنفسها، بلغاتها وحكمتها وحكاياتها التي تخطو نحو الضياع، بخطى مسرعة بنفس السرعة التي تسعى بها الثقافات الأجنبية لتحل محلها في القلب والعقل واللسان. 

اللغة أداة استعمارية

ينطلق وا ثينغو من فرضية جوهرية مفادها أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل محايدة، بل هي حامل لرؤية العالم، وأن فرض لغة المستعمِر داخل المنظومة التعليمية يُعد أخطر أشكال الاستعمار، لأنه يُعيد تشكيل وعي الفرد، وطرق تفكيره وتصوراته عن الذات والعالم، وكذلك كان ينظر إلى تخليه عن الكتابة بالإنجليزية كفعل مقاوم، فالاستمرار في الكتابة بلغة المستعمر بالنسبة إليه يعني بقاء الكاتب جزءًا من آلة الهيمنة الثقافية، مهما كانت نواياه. 

يُبرز الطابع الراديكالي لمشروعه الفكري؛ فهو لا يطالب فقط بالعدالة السياسية والاقتصادية، بل بتصفية الاستعمار من داخل الوعي الجمعي، بدءًا باللغة، لغة الثقافة، ولغة التعليم أيضا، حيث يرى بأن أكثر أدوات الاستعمار فتكًا لم تكن الأسلحة، بل كانت المدرسة.

إن تعليم الأطفال بلغة المستعمر – كما حدث في كينيا حين استُبدلت لغات مثل الكيكويو والسواحيلية بالإنجليزية – يؤدي إلى انفصام داخلي لدى الطفل، حيث تنفصل لغته الخاصة عن لغة المعرفة والنجاح، ما يفضي إلى احتقار الذات اللغوية والثقافية، وتقديس ما هو أجنبي. هذه الازدواجية اللغوية تنسحب لاحقًا إلى ازدواجية فكرية ونفسية تهدد الهوية الجمعية.

الآخر ليس مرآة لنا

ينتقد نغوغي نظرة الغرب المختزلة لأفريقيا، حيث ينظر إلينا بوصفها مجموعة من القبائل المتصارعة دوما، فيقول: "ظلت دراسة الحقائق الأفريقية، لوقت طويل، ينظر إليها من خلال شروط القبائل. مهما حدث في كينيا وأوغندا ومالاوي، فإن مرده أن القبيلة أ ضد القبيلة ب، وكلما اندلع مندلع في زائير أو نيجيريا أو ليبيريا أو زامبيا كان العداء التقليدي بين القبيلة د والقبيلة ج... حتى الأدب نفسه يجري تقويمه، أحيانا، بموجب الأصول القبلية للمؤلف، أو التكوين والأصل القبليين لشخصيات هذه الرواية أو تلك المسرحية... هذا التفسير المبتذل للحقائق الأفريقية شجعه الغربي الذي يريد أن يُزيغ الناس عن رؤية أن الاستعمار ما يزال السبب الأساسي للعديد من معضلات أفريقيا، وقد وقع لسوء الحظ، عدد من المثقفين الأفارقة ضحايا لهذه الخطة، وإلى حد لم يعد بعضهم قادرا على الشفاء، ولا إلى معرفة الأصول الاستعمارية في تفسير الاختلافات الثقافية والصدامات السياسية". ويصف لنا مقاربته بقوله: "مقاربتي ستكون مختلفة، سأنظر إلى الحقائق الأفريقية، كما هي، متأثرة بالصراع الكبير بين قوتين متضاربتين في أفريقيا اليوم: تراث استعماري من ناحية، وتراث مقاوم من الناحية الأخرى".

أنا أرثي وضعا نيو-كولونياليا، معناه أن البرجوازية الأوروبية، تسرق من جديد، مواهبنا وعبقرياتنا، كما سرقوا اقتصادنا. في القرن العشرين تسرق أوروبا كنوز العقل لتثري لغاتها وثقافاتها. إن أفريقيا تريد أن تسترد اقتصادها وسياستها وثقافتها ولغاتها وكتَّابها الوطنيين جميعا

في تحليله لواقع ما بعد الاستعمار، ينتقد وا ثينغو بشدة النخب الأفريقية التي تبنّت اللغة الإنجليزية والفرنسية لغة كتابة وتعليم، معتبرًا ذلك امتدادًا لسلطة المستعمر بشكل أكثر خفاء، ويزداد المستغربون كل يوم بعدا عن ثقافتهم بتبني تصورات مستوردة عن "الحداثة" و"التقدّم". ففي جامعاتنا، كثير من الباحثين لا يزالون يكتبون بالفرنسية أو الإنجليزية لا لأنهم اختاروا ذلك حريةً، بل لأنهم يشعرون أن لغتهم "أقل شأنًا"، أو أن العالم لن يعترف بهم إلا عبر لغة الآخر.

يرى واثينغو أن هذه النخب أدّت دور "الوسيط" بين المستعمر وشعوبه، وأصبحت أداة لاستمرار الهيمنة الثقافية، والسؤال الذي يطرحه وا ثينغو بصوتٍ عالٍ: كيف يمكن لمجتمع أن يتحرر فعليًا إذا كان لا يزال يعبّر عن نفسه بلغة من قام بقمعه؟"، وعلى ذكر القمع، يصب الكاتب غضبه على الطبقات الحاكمة أيضا، والتي يسميها البرجوازية الأفريقية النيو-كولونيالية، تلك الطبقة التي تحكم بآليات المستعمر، وتلوح في الوقت نفسه بالعلم الوطني، وهي تابعة في سياستها واقتصادها وثقافتها " القردية والببغاوية"، وهذا الطرح يلتقي مع تنظيرات مفكرين آخرين في الفكر ما بعد الكولونيالي، مثل: فرانتز فانون وغاياثري سبيفاك، ممن ناقشوا "الاستعمار الداخلي" و"صوت التابع" و"الذات المنقسمة" مفاهيم لشرح كيف يمكن أن يستمر الاستعمار في أشكال ثقافية ونفسية.

الكتاب أشار أيضا إلى نقطة مهمة، وهي التقسيم الغربي لأفريقيا إلى: أفريقيا جنوب الصحراء (أفريقيا السوداء، أفريقيا الحقيقية) وأفريقيا شمالية (عربية، أمازيغية، متوسطية)، واحتفى الكاتب برؤية مؤتمر كيني عن دور الأدب في المجتمع والأدب الذي يدرس في الثانوية، في تلك المناهج التي خلفها الاستعمار، وأشاد بوعيهم الأفريقي القوي، "لقد أرادوا أن يتعرض الطفل الكيني للأدب الآتي من شمال أفريقيا وجنوبها وغربها وشرقها". 

في هذا تحدٍ لذلك التقسيم الغربي الذي بنى حاجزا بين العرب والأفارقة لفترة من الزمان، إن وا ثينغو يرى أن اللغة العربية من اللغات الأفريقية، يقول: "إن الحضارة العربية التي يبلغ عمرها قرونا كان لها تأثير هائل في أدب شمال أفريقيا الحديثة، وفي أجزاء عديدة من القارة، وقد حرّم مربونا الاعتراف بهذا التأثير، وأهملوا أدب شمال أفريقيا والعالم العربي"، والحمد لله أن الكاتب لم يمت حتى شهد انتعاش حركة الكتابة الأدبية باللغة العربية، لكتاب ينتمون- حسب التقسيم الغربي- إلى أفريقيا السوداء.  

مقاربتي ستكون مختلفة، سأنظر إلى الحقائق الأفريقية، كما هي، متأثرة بالصراع الكبير بين قوتين متضاربتين في أفريقيا اليوم: تراث استعماري من ناحية، وتراث مقاوم من الناحية الأخرى.

رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور "تصفية استعمار العقل"، فإن الكثير من أطروحاته ما تزال ملحّة في السياقات الأفريقية والعربية أيضا، حيث تواصل بعض الدول تدريس العلوم والآداب بلغة المستعمر (الفرنسية، الإنجليزية والبرتغالية)، مع تهميش كبير للغة العربية أو اللهجات المحلية، مع ازدياد خطورة أن تكون اللغات الأجنبية لغات حديث شعبي، ويحفزنا الكتاب لطرح عدد من الأسئلة منها: هل يمكننا أن نرى هيئات تمتلك مشروعا فعليًا لـ"تصفية استعمار العقل" في أفريقيا أو العالم العربي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يعتبر شبابنا المنغمس في العولمة اللغةَ أداة تحرر سياسي وثقافي؟ وهل يرى في ذلك ضرورة؟ وكيف يمكننا أن ننفصل عن لغات الهيمنة من دون أن ننعزل عن العالم؟

يُعلّمنا نغوغي وا ثينغو أن الاستعمار ليس لحظة تاريخية انتهت، بل بنية ذهنية تتكرّر في صور جديدة، وتصفية استعمار العقل تبدأ حين ندرك أن اللغة ليست محايدة، وأن الكتابة بلغة الآخر – في ظل غياب العدالة المعرفية – ليست مجرد خيار شخصي، بل موقف سياسي، ويبقى الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى لفهم العلاقة بين الأدب والسلطة، بين اللغة والهوية، بين الاستعمار والتحرر، وهو دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في أسس مشروعنا الثقافي وتحريره من رواسب الهيمنة التي تسكننا بصمت، ولن يحدث ذلك إلا بالدعوة والانخراط في نضال طويل،  اختتم بها المؤلف كتابه حيث قال: "النضال يصنع التاريخ، النضال يصنعنا، في النضال تاريخنا، لغتنا، وكينونتنا، أن يبدأ النضال حيثما نكون، وفي كل ما نفعل: آنذاك نغدو جزءً من تلك الملايين التي رآها مارتن كارتر، مرة، تنام لا لتحلم، لكن تحلم لتغير العالم".