تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

لظى الحروب

6 يوليو, 2026
الصورة
لظى الحروب
Share

لقد روى لي صديق مكتمل الرجولة والثقافة حكاية طويلة، ولك أن تستخلص منها ما تشاء يا عزيزي القارئ. أما أنا، ففي طباعي شيء من الشذوذ الجميل،أنتشي بخيالاتي، وأبتسم حين ينبغي لي أن أبتسم، وأجيب حين يُنتظر مني الجواب. في المهجر، ما زلت أستشعر عن بُعد ثوب أمي، وضحكة أختي، وشخير أبي، وتنهيدة أخي، ونباح كلب الجيران، وأصوات الجيران وهم يتلون القرآن. من هذه الأصوات والإيقاعات تشكلت شخصيتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة. كانت تلك الضوضاء الحميمة هي وطني الأول، وكانت الموسيقى الخفية التي رافقت نشأتي.

بعد العشرين بقليل، تعلقت بالفكر العربي ثم هجرتها لأسباب كثيرة، أو لعل الربيع العربي هو الذي دفعني إلى ذلك. ذلك الربيع الذي لم يزهر كما تمنينا، بل مرّ كعاصفةٍ أتت وقضت على الأخضر واليابس. حينها انجذبت إلى الفكر الأفريقي، وتعلقت بها كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة. وكلما اتسعت قراءاتي انفتحت أمامي آفاق الفكر الإنساني، فاكتشف مناطق مجهولة في كوامن نفسي، وكان هناك صوت خافت يلح عليّ كل يوم: اخرج. اخرج من حدود الدولة السودانية، سافر إلى أي مكان، المهم أن تغادر هذه البلدة.

وهكذا ودعت الخرطوم بلا حزن يُذكر. ولولا أمي لما سالت من عيني قطرة دمعة. فأنا من أولئك الذين يفرحون حين يغادرون أوطانهم، لا كراهيةً لها، بل شوقًا إلى ما وراءها. فأنا خرجت لأقرأ، ولأبحث، لأكتسب مالاً، ولأستنشق هواء الحرية، ولأتعرف إلى العالم الآخر. فالخرطوم، رغم كل ما فيها، لم تستطع أن تمنحني التربة التي تنبت فيها حرية الرأي والتعبير والحياة الكريمة. خرجت هاربًا من أسباب كثيرة، بعضها لا يزال عصيًا على الحكاية.

كنا ننتمي إلى دولة متآكلة، لا تملك رفاهية الكرامة، ولا تعرف كيف تخفف وطأة الإهانة عن أبنائها

وفي الخرطوم كنت أشعر بوحدة ثقيلة متوحشة وأخاف من الغد المجهول. وهناك تعرفت إلى فتاة من أم درمان تدعى سرور، وكان يحلو لي مناداتها ب: "سرى من رأي". كانت تتحدث الإنجليزية بمهارة آسرة، والأعجب من ذلك أنها كانت تفكر بالطريقة نفسها التي أفكر بها، كأننا ننظر إلى العالم من نافذة واحدة. قالت لي ذات يوم: " تعال يا عزيزي، لنتقاسم هذه الوحدة، وهذا الفكر، وهذا القلق". والآن، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر أن أناملي ترتجف أكثر من ارتجاف الحبر فوق الورق. أشتاق إلى تلك الصديقة اشتياقًا موجعًا، فقد سقطت برصاصة طائشة في أيام الحرب.

كنا مع سروري ننتمي إلى دولة متآكلة، لا تملك رفاهية الكرامة، ولا تعرف كيف تخفف وطأة الإهانة عن أبنائها. دولة شعبها جائع، يتغذى على عطايا الدول، لا يعرفون من الحياة سوى ثمن الخبز ولا يبالون بمعرفة معنى الحياة نفسها. أفواه كثيرة لا تسأل إلا عن الطعام، حتى أصبح السؤال الوجودي فيها بسيطًا وقاسيًا: هل نأكل لنعيش، أم نعيش لنأكل؟ وأنا أعلم أن الحبر أضعف من البندقية في هذا المنعطف، ولكن الحبر هو كل ما أملكه الآن. على اي حال خرجت باحثًا عن الحرية والرفاهية كقارب صغير يمضي نحو برج الفتاة بإسطنبول. وهناك شعرت بالحرية تتسرب إلى روحي دفئًا، كدفء كوب شاي في الصباح حين ارتشفه. منحتني الغربة ما لم يمنحني الوطن، فسحة للنقد، ومساحة للتأمل، وجرأة على مساءلة المسلمات.

وحين عدت إلى العاصمة المثلثة، كنت أحمل في رأسي أفكارًا شرقية وغربية، وأسئلة يفوق عمري. لكن الخرطوم استقبلتني كما يستقبل البحر قطرة ماء ضائعة لا يكترث إن غرقت فيه أم تبخرت فوق سطحه. وهذا، في ظني، حال كثير من المثقفين السودانيين. يغادرون أوطانهم شبابًا، ويمنحون خلاصة عقولهم لبلاد الغربة، ثم يعودون في أرزل العمر بأجساد منهكة وأحلام مؤجلة. نحن من أكثر الشعوب تصديرًا للعقول، وأقلها قدرة على الاستفادة منها. هذا حال المثقفين المغتربين، أما الذين لم يحالفهم الحظ في مغادرة البلاد، فقد ابتلعتهم الحرب. والحرب لا تأكل الأرواح فحسب، بل تلتهم الكرامة أيضًا. والمسؤولون يتفاوضون فوق أجساد الناس كما لو كانوا أرقامًا في سجلات أو نفايات بشرية لا قيمة لها.

والحرب لا تأكل الأرواح فحسب، بل تلتهم الكرامة أيضًا. والمسؤولون يتفاوضون فوق أجساد الناس كما لو كانوا أرقامًا في سجلات أو نفايات بشرية لا قيمة لها

إن أبجدية النجاة تبدأ بانتزاع الدولة من قبضة العسكر. فالحكم العسكري لم يكن يومًا سوى سرطان مزمن، نهش الجسد السوداني وأضعف مناعته السياسية والاجتماعية. ولا أرى فرقًا جوهريًا بين أطراف الصراع فكلهم، كما يقول المثل السوداني، "أم الكلب بعشوم" أو بعبارة أكثر صراحة: "جعبتين في سروال"، الفريقن يتحدثان باسم الشعب ليتملكوا طاعة القطيع.

وفي أحد أيام الجمعة، ذهبت إلى مسجد الخرطوم. صعد الإمام المنبر وقال إن الحرب قدر كُتب على الشعب السوداني. لكنني قلت في نفسي: ليس القدر ما يحدث لنا، بل ما نصمت عنه ونحن قادرون على تغييره. القدر يكتب بإرادة جزئية من الإنسان. لقد أصبح الواقع السوداني شديد الصدأ. فبات القانون يُشهر سيفه في وجه الضعفاء، بينما يمر الأقوياء من تحته سالمين. وهنا يكمن الجرح المفتوح الذي لا يريد أحد مداواته. السودانيون اليوم فريقان: فريق يحاول التحرر من العبودية وفريق لا يطلب سوى تحسين شروط العبودية. كما أن النجاة تقتضي التحرر من الاستقطابات العقيمة، سواء جاءت باسم الديمقراطية أو باسم الإسلام السياسي. فحين تتحول الأفكار إلى يقين مغلق، تفقد قدرتها على إنقاذ الناس. فأنا لا أكتب أدبًا بقدر ما أكتب وجعًا. أشعر أحيانًا أنني لا أدوّن نصوصًا، بل أحرر محاضر إدانة ضد عصر كامل. وعيبي أنني لا أجيد تزيين المآسي أو تغليف الحقائق بالاستعارات البراقة. فالحقيقة، حين تُقال كما هي، أكثر بلاغة من كل الزخارف.

أنا لا أكتب أدبا بقدر ما أكتب وجعا. أشعر أحيانا أنني لا أدوّن نصوصا، بل أحرر محاضر إدانة ضد عصر كامل

الآن أجلس في مكان تعبق أرجاؤه بالطيوب، وتمتلئ صالته بالوافدين. أراقب الوجوه من بعيد ومن قريب. وألتقط الحكايات كما يلتقط الصياد السمك من قاع البحر. فلقد ابتلاني الله بالحفر في المخيال الأفريقي وبحب الشعر والكتابة وتأمل وجوه البشر. وها هي فتاة ابنوسية نحيلة تجلس قبالتي. وجهها هادئ، وعنقها رقيق، وصوتها خافت كنسمة عابرة. وهناك رجل يحتسي قهوته ويقهقه بصوت مرتفع. ومن لهجته عرفت بلاده قبل أن أعرف اسمه. كان يهاتف سيدة مرحة، فقال لها بصوت مسموع " يا يمامتي، أنا بخير. صحيح الجسم، محبوب بين الناس، لا ينقصني إلا قارورة من البلح المركز من حانة بنت عبود. فما عادت عشبتنا الخضراء تسد ثقوب الكيف".

وعلى طاولة أخرى، زوجان يجلسان على طاولة قرمزية يتحدثان بثقة عن تعاسة العزوبية. فابتسمت بيني وبين نفسي. ان هذه واحدة من الخرافات التي يبتكرها الأزواج بعد فشلهم في أن يكونوا عزابًا سعداء، وكما يبتكرها بعض العزاب بعد فشلهم في أن يكونوا أزواجًا ناجحين. وفي الحالتين، يبقى غياب الانسجام مع الذات هو أصل الحكاية. ويبدو أنني أُصبت بما يُصيب الكُتّاب في نهاية المطاف. ذلك الهوس الخفي بمراقبة الوجوه وتأمل المصائر. وهو إحساس متعب، يشبه مخدرًا بطيء المفعول، يجعل كل نص أكتبه مسمارًا جديدًا يُدق في ظهري. ومع ذلك أواصل الكتابة وأقتات على الوجوه، وأستنجح من الشخوص أفكاري، ثم أعود إلى خيالاتي، منتشيًا بها، ببطء ورفق وتمهل.