تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 15 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

على رقعة الشطرنج العالمي: كيف يتحرك اللاعب الصيني في أفريقيا؟

19 مارس, 2026
الصورة
على رقعة الشطرنج العالمي: كيف يتحرك اللاعب الصيني في أفريقيا؟
Share

لا تزال آماني الرئيس دونالد ترامب متواصلة لترتيب مستوى الهيمنة الأمريكية، وإعادة تشكيل اللعبة الجيوسياسية العالمية بقوة السلاح، وقد شكلت إيران ساحة جديدة لاستعراضاته النارية، بعد انتشائه بالنجاح في تحييد قيادات النظام الإيراني، وفي مقدمتها المرشد الأعلى علي خاتمي. لكن ردود فعل طهران غيرت المعادلة، وفتحت باب التصعيد على صراع إقليمي مفتوح، يسعى البيت الأبيض لتفكيك تقديراته متكهنا بمستقبله وكلفته على المشهدين الإقليمي والدولي.

بعيدا عن سياسات القوة التي تتخبط فيها أمريكا بالشرق الأوسط، وروسيا في المأزق الأوكراني وتنهكان معهما القوى الأوروبية، ناهيك عن مستوى من انخراط الجميع بشكل أو بآخر في أفريقيا، تبدو الصين زاهدة عن الانغماس في مثل هذه المواجهات القتالية المباشرة، حيث تخوض وبثبات معتركا من نوع آخر، ترتب من خلاله التوافقات لحسم صدارة المشهد الاقتصادي العالمي والصراع على النفوذ والقيادة العالمية.

في رقعة الشطرنج الكبرى، تبرز القارة الأفريقية باعتبارها أحد محاور تحركاتها المكثفة، فقد حركت بكين في الأسبوع الأخير ثلاثة قطع دفعة واحدة، حملت دلالات عميقة لشركائها الأفارقة كما للمنافسين.

صفر تعرفة عوض الحرب التجارية

مصائب إدارة دونالد ترامب على العالم لا تأتي فرادى، حروبها تنعكس على صورتها، وهجماتها المكثفة والمدمرة تفتك بالاقتصاد العالمي، وهو لم يتخلص بعد من تداعيات حربها التجارية ورصاصات التعرفة الجمركية الطائشة، والتي لم تستني أحدا، وإن كانت تؤكد بأن مقصدها بالدرجة الأولى الصين وروسيا، غير أن ارتداداتها فتكت بالجميع، بل كانت حدتها أكثر تأثيرا على الأفارقة.

كما لم تسلم شعوب القارة الافريقية من تصريحاته وسياساته وهجماته الصاروخية، بينما كانت بكين أكثر برغماتية، فعلى هامش مصادقة المجلس التشريعي الصيني في المؤتمر الوطني على الخطة الخماسية ال 15 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، للفترة ما بين (2030-2026) للتحديث والتنمية عالية الجودة لمواطنيها. حافظت على حضورها المتصاعد، فرغم تحديات الانكماش الاقتصادي العالمي وتداعيات الحروب الأخيرة، إلا أن ساحة المعركة الأساسية لم تغيب عن النقاش الصيني، وهي التحديث والتطوير الداخلي، وتعزيز حضورها بأفريقيا كأهم ساحة لتحركاتها، إذ نوه بالأمر وزير خارجيتها مؤكدا؛ بأن الصداقة بينهما صمدت أمام اختبار الظروف الدولية المتغيرة، معتبرا بأنها حيوية ومتجددة دوما، مما أهلها كأكبر شريك لها للعام السادس عشر على التوالي.

وفاء لمستوى هذه العلاقات ومساراتها الناجحة، فاجأت بكين الجميع بتحريك القطعة الأولى على رقعة الشطرنج الأفريقي، بإعلانها تطبيق معاملة صفرية للتعريفات الجمركية بشكل كامل على كافة المنتجات القادمة من أفريقيا، بدءا من الأول من مايو/آيار، كمكافأة على هذه العلاقات الودية. وصرح وزير خارجيتها على هامش هذا المؤتمر: "إننا نزيل الرسوم الجمركية بالكامل لتعزيز التجارة، ومضاعفة الفوائد للشعوب، ومساعدة أفريقيا على الوصول إلى الفرص الهائلة التي يوفرها السوق الصيني"، واختتم معلنا بأن هذا العام سيكون "عام التبادلات الشعبية بين الصين وأفريقيا".

تترصد ولا تحرك قطعتها إلا بعد أن تخمن رد فعل المنافس، وقد تضحي ببعض القطع للسيطرة على المركز، وبهذا تؤكد للعالم أنها لا تتورط في المواجهات، بقدر ما تراهن على السلمية صعودا وشراكات وارتباطات

أمام الحرب والتصعيد تبدو بكين كمن يجيد استخدام الوقت والذكاء لصالحه، في سرعة تحرك القطع ووضعها في المكان المناسب، فبلغة الدبلوماسية تصور قرارها بأنه تقدير للصداقة والتعاون الأفريقي المشترك، وخطوة احتفائية بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية الأفريقية. لكن بلغة التحركات الاستراتيجية، تفصح عن برجماتيتها وانشغالها بتحالفاتها الخاصة، وتؤكد محاولتها الالتفاف على قرارات واشنطن، فبينما كانت التعرفة الجمركية سلاح إدارة ترامب وسيفها المسلط على الحلفاء قبل الأعداء، على رأسهم شركائها الأفارقة، تجلت الحكمة الصينية في استثمار هذه الأمور، فقررت إلغاء التعرفة الجمركية.

بهدوء تتحين الصين الفرصة لتطيح بالقطع الكبيرة ذات الأوزان الكبيرة التي تمتلكها واشنطن، فجاهر وزيرها لانتقاد سياسةالتعريفات الجمركية الأحادية الأمريكية، ومحاولاتها محاصرة النفوذ الصيني بكافة الوسائل، وملمحا إلى استراتيجية الصفقات الأمريكية والضغط على الأنظمة الأفريقية.

قد لا تكتسي هذه القرارات أهميتها ما يتم ترتبط بالسياق العام، إذ جاءت أسابيع قليلة قبل اللقاء المرتقب بين شي جين بينغ ودونالد ترامب، فبينما يتخبط الأخير في تصريحاته وقراراته المتناقضة، ومعها تتضخم فاتورة الحرب يوما بعد يوم. يبدو أن القيادة الصينية تتلمس مساراتها بهدوء، تعكسه تصريحاتها وقوة تحركاتها وقراراتها، وتبدو واثقة من خطواتها ونقلاتها، فلا تلتفت للحرب وتداعياتها، إذ اختارت الاقتصاد كأولوية قصوى لتحركاتها في الوضع الدولي المعقد، بما يحقق توسيع هوامش للحفاظ على النفوذ وسعيها من أجل تعزيز مكانتها وريادتها.

في ماكينة الاستعداد الصيني يتضح التيقن في الحركات، فمن ناحية، توجه خطابها للأفارقة معلنة الاستعداد لمزيد من الارتباطات والتفاعلات، ومن ناحية أخرى، عينها على أجندة التفاوض المرتقبة مع ترامب من الحرب التجارية إلى المعادن الحرجة. تترصد ولا تحرك قطعتها إلا بعد أن تخمن رد فعل المنافس، وقد تضحي ببعض القطع للسيطرة على المركز، وبهذا تؤكد للعالم أنها لا تتورط في المواجهات، بقدر ما تراهن على السلمية صعودا وشراكات وارتباطات.

المعادن الحيوية مقابل البنية التحتية

في خضم هذه الحروب التي تتخبط فيها واشنطن من كراكاس إلى طهران، وإن كانت ارتداداتها لا تستثني الصين كما بقية العالم، تستكمل الأخيرة تثبيت قواعدها، مراهنة على تعظيم المكاسب عوضا عن المواجهات الصفرية. وفي خطوة تحمل دلالات كثيرة، شكلت مراجعة الاتفاق مع الكونغو الديمقراطية مؤشرا جديدا في السياق؛ يؤكده التعديل الأخير الموقع عليه بينهما في 5 مارس/آذار الجاري، حيث تم التوافق على التعديل الخامس للاتفاقية، والذي رفع حجم تمويل الاستثمار في البنية التحتية إلى حوالي 7 مليار دولار.

وكدلالة على مهارة اللاعب الصيني، وإجادته لفن الافتتاحيات في الشطرنج، كان قد وقع في عام 2008 على اتفاقية على استغلال الموارد الطبيعية مقابل تمويل مشروع البنية التحتية؛ حيث تشترط تمويل وبناء البنية التحتية؛ كالطرق والمستشفيات والسكك الحديدية، وسيتم السداد على عائدات الموارد الأولية، لاسيما النحاس والكوبالت حتى عام 2040، ولأهمية هذه الشراكة الاستراتيجية اعتبرها البعض بمثابة "عقد القرن"، فنص الاتفاق على إنشاء شركة التعدين الصينية الكونغولية (سيكومينز)، والتي تتولى استخراج النحاس والكوبالت مقابل تمويل مشاريع البنية التحتية.

كان التمويل الصيني الكونغولي على استغلال الشركات الصينية للموارد الطبيعية على أساس تمويلها للموارد الطبيعية، وفي معركة كسر العظام للسيطرة على المعادن النادرة، استطاعت واشنطن، التي تحركت بثقلها مراهنة على نهج سعد بولس الدبلوماسي، انتزاع صفقة شراكة استراتيجية مع الكونغو مقابل الوساطة على وفق التمرد بشرق البلد.

ما يجعل الرهان الصيني الدائم تحصين "الملك" التنين من هجوم "الوسط" الغربي، بما يحقق تعزيز الشركات الاقتصادية، وتطوير جاذبيتها من أجل ضمان الاستمرار في اللعب

لا تقتصر عملية المراجعة على كونها مجرد توافقات للحفاظ على مستوى الشراكة، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن طبيعة المحاولات الأمريكية لتعزيز التموضع في المنطقة، ومنافسة المكاسب الصينية في مشاريع التعدين والبنية التحتية. كما تُبرز هذه المراجعة مجددا غياب التوازن في الشراكات القائمة والاختلالات في توزيع الأرباح، مما يذكي المخاوف المتعلقة بمعضلة الديون، والاستيلاء على الأصول، ورهن مستقبل البلاد للمصالح الصينية.

تعي بكين بأن أقصر الحلول استعمال القوة والضغط، وقد كانت قادرة على الضغط للاستمرار تحت ذات الشروط، لكنها قلما تفلح هذه الدبلوماسية القسرية في تعزيز العلاقات، وعوضا عن ذلك، لا تتوانى في إعادة التفاوض ومراجعة الاتفاق، فسارعت للتوافق على تعديلات تعاقدية، لإعادة التوازن لبنود الاتفاقية بما يحقق علاقة عادلة بينهمت.

طبعا، ليست تحركاتها استجابة لمطالب المجتمع المدني بالمراجعة، وعلى رأسها تحالف "الكونغو ليست للبيع" CNPAV، ويضم 16 منظمة محلية ودولية لمكافحة الفساد، وينبه في تقارير دورية إلى قصور في التعاقد، كما يكشف مزاعم فساد واستغلال النفوذ. بقدر ما جسد تحركات صينية احترافية على رقعة الشطرنج، تستحضر منطقي التعاون والتوافقات عوضا عن الضغط العسكري والصفقات الفوقية.

يبدو بأن هذه التعديلات التعاقدية الصينية تتقاطع مع التوصيات الموجهة لمحترفي الشطرنج، بضرورة اكتساب مهارة القدرة على التعافي بعد أخطاء النقلات، وتبدو حريصة على محاولة تجاوز النظرة الموجهة لها، وتفادي الأخطاء وتصحح الانتقادات، وتشكل هذه المراجعة الاتفاقية محددا أساسيا لذلك. ولعله ما يجعل الرهان الصيني الدائم تحصين "الملك" التنين من هجوم "الوسط" الغربي، بما يحقق تعزيز الشركات الاقتصادية، وتطوير جاذبيتها من أجل ضمان الاستمرار في اللعب.

الجذب مقابل الإكراه

بينما الأنظار شاخصة للهجمات المتبادلة والصواريخ والمسيرات في الشرق الأوسط، كانت الصين تتحرك بمنطق آخر، متيقنة من كسب معاركها بأقل الخسائر. لكن في الآن ذاته، تبدو كاللعب الحريص على تحريك قطعه بدقة وحكمة متجنبا خسارتها. ليبقى التحدي ليس فقط كسب سردية اتهام شراكاتها بأنها غير متكافئة، إلى تنويع وتوسيعها وتطويرها من أجل جعلها شعبية أكثر.

في ذات المؤتمر الوطني اقترحت فلسفة التعاون المربح للطرفين، وأن خير تعبير مترجم لذلك قرارها للأفارقة بأن رهاناتها وفية لمحددي الشراكة والتعاون المشترك. وتتحرك بمنطق نموذج اللاعب الذي يستطيع كشف أوراقه، ففي سياق هذه الشراكات، كشفت فاتورتها عن رقم قياسي، يتجلى في ارتفاع حجم المبادلات بينهما بنسبة 17.7٪ مقارنة بالنسبة الفارطة، لتناهز 348 مليار دولار، وهي مؤشر على تنامي نفوذها وحصادها المثمر مع شركائها، ومن المتوقع أن تتوسع هوامشه مع الإعفاءات الأخيرة.

لا تعدو التحركات الصينية أن تحسب عمليات تثبت القطع لحماية الملك، مادام انتظار سماع "كش ملك" مؤجلا بينها والولايات المتحدة في واقع جيوسياسي معقد لايزال في مرحلة إسقاطها والتعارك

تتجلى بوضوح ملامح التباين بين منظورين؛ منظور يتأسس على الإكراه، تبقى إدارة ترامب خير ممثل له؛ فلا يتردد رئيسها بالتهديد والتلويح بالقوة وعرض الامتيازات، وما لا يضمن بالتلميح يفرض بالصفقات، وإن كانت شروطها مختلة، وقد يحولها ببساطة إلى الضغط بمزيد من القوة. كما لا يحلق الجانب الروسي بعيدا عن ذات التوجه، فيما تتحدد على النقيض ملامح منظور صيني يقوم على الجاذبية والتعاون المشترك، أساسه التعاون والشراكات والاقتصاد مجالا للنزال، وتتوسع هوامشها في كل ربوع العالم، ولاتزال القارة السمراء تتربع على مجالات تحركها.

يتقاطع كلاهما، الاندفاعة الأمريكية المألوفة والصبر الاستراتيجي الصيني، في كونه يعكس لحظة فارقة في الارتباك الاستراتيجي في النظام العالمي، ومحاولاتهما لكسب الرهان، كما يبدو المقترب الصيني من جانبه مثيرا، فهي تخسر حلفائها وتتفكك شباكتها وتحالفاتها، لعلها تتحرك لتغيير هذه المعادلة يوما ما، وسيتحقق الصدام المباشر في إطار فخ ثوسيديديس.

بالمجمل، لا تعدو التحركات الصينية أن تحسب كعمليات تثبت القطع لحماية الملك، مادام انتظار سماع "كش ملك" مؤجلا بينها والولايات المتحدة في واقع جيوسياسي معقد لايزال في مرحلة إسقاطها والتعارك. وعلى هامش هذه التغيرات الكبرى، يتبادل الطرفان قراءة الخصم، بينما يترقب الجميع مخرجات اللقاء المرتقب بين زعيمي البلدين شي وترامب، استعدادا لتحريك مزيد من القطع في سباق التفوق الاقتصادي والتقني من أجل رسم ملامح النظام العالمي القادم.