الأحد 12 يوليو 2026
في شوارع عاصمة جنوب السودان جوبا وأسواقها ومكاتبها الحكومية، تبدو اللغة العربية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، يتحدث بها الناس بوصفها وسيلة تواصل عملية بين عشرات القوميات واللغات المحلية. لكن هذه اللغة نفسها، التي نجحت لعقود في ربط المجتمعات الجنوبية ببعضها، ما تزال تثير جدلا سياسيا وهوياتيا عميقا داخل جنوب السودان، منذ انفصاله عن السودان عام 2011.
بينما تنتشر اللغة العربية كلغة مشتركة يصعب الاستغناء عنها في بلد متعدد الإثنيات واللغات، ينظر إليها آخرون باعتبارها إرثاً مرتبطاً بتاريخ الهيمنة السياسية والثقافية القادمة من الشمال، وبسياسات التعريب التي صاحبت سنوات حرب التحرير الطويلة؛ وبين هذا وذاك تحاول الدولة الوليدة ترسيخ الإنجليزية لغةً رسمية تعكس توجهها نحو شرق إفريقيا وهويتها الجديدة، رغم محدودية انتشارها الفعلي بين قطاعات واسعة من السكان.
هذه المعضلة اللغوية لا تتعلق فقط باختيار لغة للإدارة والتعليم، لكنها تكشف صراعا أعمق حول سؤال الهوية الوطنية، وكيف يمكن لدولة متعددة الأعراق والثقافات أن تختار لغة توحّد مواطنيها دون أن تستدعي ذاكرة الانقسام والصراع؟
الجدل حول استخدام اللغة العربية على المستوى الرسمي في جنوب السودان، والذي ظل في حالة مد وجزر منذ قبيل الانفصال عن الدولة الأم، عاد للسطح عقب التوجيه الذي أصدرته السلطة القضائية منتصف مايو/أيار الحالي، والذي يُلزم جميع القضاة بكتابة الأحكام القضائية باللغة الإنجليزية فقط، اعتبارا من الأول من يونيو/حزيران 2026، مع منح فترة انتقالية تمتد لستة أشهر لتوفيق الأوضاع.
السلطة القضائية قالت إن قانون الإجراءات المدنية لسنة 2007، الذي كان يعترف بالعربية والإنجليزية كلغتين رسميتين للمحاكم، أصبح متعارضا مع النص الدستوري. وبالتالي يعد ملغياً بحكم الدستور الذي يمثل القانون الأعلى بطبيعة الحال.
هذه المعضلة اللغوية لا تتعلق فقط باختيار لغة للإدارة والتعليم، لكنها تكشف صراعا أعمق حول سؤال الهوية الوطنية، وكيف يمكن لدولة متعددة الأعراق والثقافات أن تختار لغة توحّد مواطنيها دون أن تستدعي ذاكرة الانقسام والصراع؟
رئيس السلطة القضائية بنامين باك دينق، ربط الخطوة بالتزامات جنوب السودان تجاه مجموعة شرق أفريقيا، موضحة أن البلاد تعمل على مواءمة قوانينها الوطنية مع تشريعات الكتلة الإقليمية بعد انضمامها إليها.
كما أعلن عن التعاون مع جامعة جوبا ومؤسسات تعليم عالٍ أخرى لتطوير مهارات القضاة في اللغة الإنجليزية، بدعم من شركاء محليين ودوليين وحذرت من أنها ستجري بحلول يناير/كانون الثاني 2027 تقييماً لمستوى تنفيذ القرار، تمهيداً لاتخاذ إجراءات مناسبة بحق القضاة الذين سيظلون غير قادرين على كتابة الأحكام باللغة الإنجليزية.
ترتبط أزمة انتشار اللغة العربية في جنوب السودان بجذور تاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية (1899 – 1956)، حين تبنّت الإدارة البريطانية سياسات هدفت إلى تقليص نفوذ اللغة العربية في الجنوب، باعتبارها لغة تحمل امتدادا ثقافيا واجتماعيا مرتبطا بشمال السودان.
منذ انعقاد مؤتمر الرجّاف للغات عام 1928، اتجهت السلطات الاستعمارية إلى تعزيز اللغة الإنجليزية واللغات المحلية على حساب العربية، ضمن سياسة هدفت إلى عزل الجنوب ثقافياً وإدارياً عن الشمال.
خرج المؤتمر بعدد من التوصيات التي عكست هذا التوجه بوضوح، إذ عبّر المشاركون عن رفضهم لاتساع استخدام العربية داخل المؤسسات الحكومية وبين أفراد الجيش والشرطة والتجار العرب، معتبرين أنها تحولت إلى لغة تواصل واسعة الانتشار في المجتمع الجنوبي، بما يتعارض مع سياسة الحكومة الرامية إلى إحلال الإنجليزية تدريجياً محلها، وأشار المؤتمر إلى قرار حكومي صدر عام 1927 يقضي بتقليص المدارس التي تعتمد العربية لغةً للتدريس.
ورغم تلك التوجهات، أقرّ المؤتمر بصعوبة الحد من انتشار العربية في الجنوب، معترفاً بأن بعض المجتمعات الجنوبية كانت بحاجة فعلية إليها داخل المدارس والحياة اليومية، وهو ما دفع الإدارة الاستعمارية أحياناً إلى التغاضي عن استخدامها خشية ظهور نظام تعليمي خارج سيطرتها.
على الرغم من مرور عقود على انتهاء الاستعمار، ما تزال آثار تلك السياسات حاضرة في النقاش الدائر حول اللغة والهوية والانتماء الوطني في جنوب السودان، فقد ظلت العربية خلال العقود الأخيرة، لغة التواصل الأوسع انتشاراً في المدن الجنوبية الكبرى والمراكز الحضرية، كما أصبحت لغة الخطاب في العديد من الفعاليات السياسية والثقافية.
إلا أن هذا الانتشار لم يمنع تعرضها لحملة مستمرة من التهميش، خصوصاً من قِبل بعض النخب الجنوبية التي فضّلت اللغة الإنجليزية باعتبارها أكثر ارتباطاً بمشروع الدولة الجديدة.
شهد قطاع التعليم عمليات متواصلة لإبعاد العربية من المدارس، بعدما جرى تقليص استخدامها كلغة للتدريس وتحويلها إلى مادة دراسية محدودة الحضور، بالتزامن مع الاستعانة بمعلمين من كينيا وأوغندا عقب إبعاد عدد من المدرسين الشماليين الذين كانوا يدرّسون باللغة العربية.
دخلت اللغة الإنجليزية إلى جنوب السودان بعد عقود من انتشار العربية، لكنها ظلت مرتبطة بالنخب والمتعلمين ولم تتمكن من التغلغل وسط عامة السكان بالقدر الذي حققته العربية
في المقابل، دخلت اللغة الإنجليزية إلى جنوب السودان بعد عقود من انتشار العربية، لكنها ظلت مرتبطة بالنخب والمتعلمين ولم تتمكن من التغلغل وسط عامة السكان بالقدر الذي حققته العربية.
ورغم محاولات الإدارة الاستعمارية البريطانية فرض الإنجليزية بديلاً للعربية في التعليم والإدارة والمحاكم، فإن هذه الجهود لم تحقق نجاحاً كاملاً، وبعد الاستقلال عام 1956 واصلت بعض النخب الجنوبية هذا التوجه الساعي إلى تقليص حضور العربية، وحققت قدراً من النجاح في ذلك.
مع محدودية انتشار اللغات المحلية واقتصار استخدامها غالباً على المراحل الدراسية الأولى، أصبحت الساحة اللغوية في جنوب السودان ميداناً لصراع مستمر بين العربية والإنجليزية، وتجلى هذا الصراع بصورة واضحة خلال فترة اتفاقية السلام الشامل بين عامي 2005 و2011، التي نصت على اعتبار العربية لغة قومية رئيسية إلى جانب الإنجليزية، مع اعتماد اللغتين الرسميتين في أعمال الحكومة والتعليم العالي.
وضعت الاتفاقية اللغتين في موقع متقارب، خاصة في مجالي التعليم العالي والإعلام، اللذين كانت العربية تتمتع فيهما بحضور واسع منذ تعريب التعليم العالي عام 1990.
في مايو/أيار 2024 أطلقت وزارة التربية والتعليم بدولة جنوب السودان أول كتب مدرسية على الإطلاق لمادتي اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية للاستخدام في المدارس الابتدائية والثانوية.
وكانت الوزارة قد وضعت سابقاً مناهج وكتباً مدرسية لجميع المواد الأخرى، باستثناء مادي اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية اللتين لم يتم إنجازهما في ذلك الوقت، ودفع هذا الأمر الحكومة إلى البحث عن سبل ممكنة بالتعاون مع خبراء وطنيين لتطوير هذه المواد لدعم العملية التعليمية.
الكاتب الصحفي الجنوب سوداني دينقديت أيوك، يرى أن المطالبات باعتماد اللغة العربية لغةً رسمية ثانية إلى جانب الإنجليزية في جنوب السودان تصدر أساساً عن فئتين رئيسيتين؛ الفئة الأولى تضم مثقفين وطنيين تلقوا تعليمهم بالكامل باللغة العربية، بدءاً من المراحل الأولى وحتى الدراسات العليا، وكان أغلبهم من أبناء الجنوب الذين نزحوا إلى شمال السودان خلال سنوات الحرب الأهلية الثانية بين عامي 1983 و2011.
وأن وعي هذه الأجيال قد تشكل داخل بيئة سودانية شمالية تأثرت بالثقافة العربية، خاصة في الخرطوم، حيث درسوا المناهج بالعربية، وقرأوا الصحف والمجلات، وتابعوا وسائل الإعلام، وشاركوا في الأنشطة السياسية والثقافية باللغة العربية، كما كتبوا بحوثهم الجامعية بها ودخلوا سوق العمل عبرها.
وبحسب أيوك، فإن العربية بالنسبة لهذه الفئة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل تحولت إلى لغة للتفكير والمعرفة والإنتاج الثقافي، إذ كتب عدد من أبناء هذا الجيل مقالات وروايات وقصائد بالعربية اتسم بعضها بالقوة اللغوية والبلاغية، ولهذا يرى كثير منهم أن العربية ينبغي أن تحافظ على مكانتها داخل الدولة الجديدة.
العربية بالنسبة لهذه الفئة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل تحولت إلى لغة للتفكير والمعرفة والإنتاج الثقافي... ولهذا يرى كثير منهم أن العربية ينبغي أن تحافظ على مكانتها داخل الدولة الجديدة
أما الفئة الثانية، فتضم — وفقاً لأيوك — سياسيين وأكاديميين ومثقفين عملوا ضمن مؤسسات الدولة السودانية قبل استقلال جنوب السودان، إلى جانب تيارات ذات توجهات أيديولوجية ترى ضرورة الإبقاء على العربية كلغة ثانية لأسباب تعتبرها استراتيجية، ويربط هؤلاء موقفهم بهويتهم الدينية والثقافية، باعتبار العربية لغة الإسلام والعروبة.
ويقول إن هذه الفئة لا تنطلق فقط من واقع انتشار العربية كلغة تواصل اجتماعي داخل جنوب السودان، بل من قناعة ترتبط بأهمية اللغة العربية في تعزيز الصلات بالعالم العربي والإسلامي، وباعتبارها جزءاً من الهوية الدينية للمسلمين الجنوبيين.
كما يشير إلى أن بعض هذه التيارات تتبنى تصورات قديمة تعتبر جنوب السودان امتداداً جغرافياً لنشر الإسلام في إفريقيا، ولذلك تدافع عن استمرار حضور العربية في الدولة الجديدة باعتبارها أداة تسهم في تسهيل النشاط الديني والثقافي العربي، رغم أن الجنوب خاض لعقود صراعاً سياسياً وعسكرياً ضد سياسات التعريب والأسلمة قبل استقلاله.
على صعيد آخر يعتقد الباحث الأكاديمي السوداني كمال جاه الله، أن تقليص حضور اللغة العربية في جنوب السودان أو استبعادها من موقعها كلغة ثانية أو ثالثة يظل أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن، خاصة في المدن الكبرى والمراكز الحضرية، حيث رسخت العربية نفسها بوصفها لغة مشتركة للتواصل في البيئات المتعددة الأعراق واللغات.
ويشير في ورقة بعنوان: " قراءة لمستقبل الوضع اللغويّ في جنوب السودان"، إلى أن العربية تجاوزت في بعض المناطق دورها كلغة تواصل لتصبح اللغة الأم لدى أعداد من الجنوبيين.
كما يلفت إلى أن السنوات التي سبقت استفتاء تقرير المصير في يناير/كانون الثاني 2011 وما أعقبته شهدت عودة أعداد كبيرة من الجنوبيين الذين نشأوا وتلقوا تعليمهم في ولايات شمال السودان، وهؤلاء ارتبطوا بالعربية لغةً وثقافةً، إلى درجة أن كثيرين منهم لا يجيدون غيرها ولا يعرفون سوى البيئة الثقافية التي عاشوا فيها بوسط السودان.
ويؤكد الباحث أن هذه الفئة تمثل امتداداً اجتماعياً وثقافياً يعزز استمرار حضور العربية داخل الدولة الوليدة، إلى جانب القاعدة التي تتمتع بها اللغة بالفعل داخل المجتمع الجنوبي.
في بلد يضم عشرات القوميات واللغات المحلية، تبدو معركة اللغة في جنوب السودان أبعد من مجرد نقاش إداري أو تعليمي، إذ تعكس صراعاً معقداً بين ضرورات الواقع اليومي ورهانات الهوية الوطنية والإرث التاريخي، بينما تواصل العربية حضورها كلغة تواصل واسعة الانتشار في الأسواق والمدن ومؤسسات الحياة العامة، تمضي الدولة بخطوات متسارعة نحو ترسيخ الإنجليزية بوصفها لغة رسمية تعكس خياراتها السياسية والإقليمية.
لكن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن اللغة لا تُحسم بالقرارات الرسمية وحدها، بل بما تفرضه الحياة اليومية والتاريخ الاجتماعي للمجتمعات، لذلك تبدو معضلة العربية والإنجليزية في جنوب السودان مرشحة للاستمرار لسنوات طويلة، في ظل واقع لغوي معقد تشكّل عبر عقود من الاستعمار والحرب والنزوح والتداخل الثقافي بين الشمال والجنوب.