تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

علي جمعالي أحمد.. رحيل مثقف أعاد صياغة معرفة الصومال

1 أبريل, 2026
الصورة
علي جمعالي أحمد.. رحيل مثقف فكّك أساطير الصومال
Share

غيّب الموت، يوم الثلاثاء 31 مارس/آذار 2026 في الولايات المتحدة، الأكاديمي والكاتب الصومالي علي جمعالي أحمد، عن 71 عامًا، لتفقد الثقافة في القرن الإفريقي أحد أكثر أصواتها فرادةً وتركيبًا. جمع أحمد بين الشعر والقصة والنقد والتدريس الجامعي، وكرّس جانبًا أساسيًا من مشروعه الفكري لإعادة مساءلة صورة الصومال خارج الكليشيهات الاستعمارية والاختزالات السياسية. نال الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ودرّس في كوينز كوليدج ومركز الدراسات العليا في جامعة مدينة نيويورك، فيما توزعت اهتماماته بين الأدب الأفريقي والإسلامي، والشعر، والتراث الشفهي، وأسئلة العلاقة المعقدة بين الأدب والسياسة.

قبيل انتقاله إلى الولايات المتحدة في مطلع الثمانينيات، كان علي جمعالي أحمد حاضرًا في المشهد الثقافي الصومالي عبر الصحافة والإذاعة، حيث عمل محررًا مساهمًا في صحيفة "فيجيلانس"؛ الصحيفة الإنجليزية الأسبوعية الوحيدة في الصومال آنذاك، وانشغل مبكرًا بالكتابة عن الفئات التي أبقتها السردية الاجتماعية على الهاش، ولا سيما جماعات الحرفيين التي كانت تُدفع إلى أسفل السلم الاجتماعي في وقت لم يكن تناول هذا الملف مريحًا سياسيًا. وعلى الإذاعة، قدّم برنامجًا أسبوعيًا بعنوان "الكتابة والكتّاب"، استضاف فيه أدباء وعرّف المستمعين إلى نصوص مترجمة إلى الصومالية، من بينها قصة ساخرة لنغوجي واثيونغو عن نخب أفريقية تتباهى بسيارات المرسيدس في قلب الفقر؛ نقلها إلى الصومالية تحت عنوان: "Raggii Mersheedisyada"/رجال المرسيدس". وشكلت هذه الملامح الأولى لصوته الفكري وإيمانه بأن الثقافة وسيلة لفهم المجتمع، والإنصات إلى المهمّشين، وطرح الأسئلة التي تفضّل السياسة تغيبها.

وصل أحمد إلى نيويورك في 30 ديسمبر/كانون الأول قبيل بدء دراسته العليا سنة 1983، ثم واصل الماجستير والدكتوراه في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة تحرير مجلة "أوفاهامو" في الجامعة نفسها بين عامي 1987 و1989. ومن هناك أخذ مشروعه الفكري يتبلور على نحو أوضح، جامعًا بين التكوين الأكاديمي الصارم والانشغال المستمر بالمسألة الصومالية، بوصفها عقدة تاريخية وثقافية ومعرفية تستدعي إعادة تفكير شاملة.

اتجه إلى تفكيك الكيفية التي صيغت بها فكرة الصومال داخل المعرفة الاستعمارية والوطنية معًا ... ونقل النقاش من سؤال: لماذا فشلت الدولة؟ إلى سؤال جذري يتعلق بكيف تشكّلت الهوية الصومالية أصلًا

وإذا كان ثمة عمل يلخّص الرهان الفكري لعلي جمعالي أحمد، فهو كتابه الأشهر "اختراع الصومال"، ذلك العمل التحريري الذي تحوّل إلى علامة فارقة في الدراسات الصومالية، لأنه لم يكتف بوصف الأزمة، بل اتجه إلى تفكيك الكيفية التي صيغت بها فكرة الصومال نفسها داخل المعرفة الاستعمارية والوطنية معًا. رفض أحمد التفسيرات التبسيطية التي تردّ الانهيار إلى "القبيلة"وحدها، وراجع مع باحثين آخرين مسلّمات راسخة عن التجانس الإثني، وأصل الصوماليين، وموقع الإسلام، وتاريخ بنادر، وتمثيل المرأة، وأحوال مجموعات البانتو. والأهم أن هذا الكتاب نقل النقاش من سؤال: لماذا فشلت الدولة؟ إلى سؤال أعمق وأكثر جذرية يتعلق بكيف تشكّلت الهوية الصومالية أصلًا، ومن الذي امتلك حق تعريفها وسردها؟

ومن الأفق النقدي نفسه جاء كتابه "قريبًا من الفجر: الأدب والعشائر والدولة القومية في الصومال"، فيما تعود جذور اشتغاله المبكر على الأدب الصومالي الحديث إلى أطروحته للدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1989، التي تناول فيها الأدب الشفهي الصومالي وعوالم نور الدين فارح السردية.

لكن أحمد لم يكن من أولئك الذين يكتفون بإدانة الاستعمار بوصفه أصل كل خراب، بل كان ناقدًا حادًا للبنى الداخلية الصومالية وللأمراض الاجتماعية والسياسية التي أسهمت، بدورها، في إنتاج المأساة وتعميقها. ففي حواراته وكتاباته، ظل يرفض تعليق الانهيار كله على الخارج، من دون أن يبرئ، في الوقت نفسه، التدخلات الدولية من آثارها الكارثية. ويظهر هذا النقد المزدوج بوضوح في موقفه من قرار حظر السفر الأميركي، إذ رأى فيه عقابًا إضافيًا لشعب يرزح أصلًا تحت الحرب والقصف، وعدّ حرمان الصومالي من طلب اللجوء منطقًا لا يخفف المأساة بل يدفعها إلى مزيد من التفاقم. ويتجلى أيضًا في قراءته المبكرة للحرب الأهلية، حين روى أنه أدرك خطورة اللحظة منذ سمع، بعد سقوط نظام سياد بري، من يقول له من داخل محيطه العشائري: "الآن نحن في السلطة"؛ إذ فهم يومها أن منطق الغلبة العشائري لا يمكن أن يؤسس وطنًا. والأهم أنه لم يتردد في تحميل قوى من بيئته العشائرية نفسها نصيبًا من مسؤولية تدمير مقديشو، داعيًا إلى بناء مركز وطني عادل يتسع للجميع، بمن فيهم الفئات المهمشة ومجموعات البانتو. هنا بالضبط تتجلى فرادته: لم يهادن جماعته، ولم يركن إلى خطاب الضحية المريح، بل دعا إلى مراجعة أخلاقية وسياسية تبدأ من الداخل قبل أن تطالب العالم بمساءلة الخارج.

وفي الجامعة، بلور علي جمعالي أحمد فلسفةً في التدريس بدت امتدادًا طبيعيًا لفكره النقدي. كان يسمّيها "التدريس الخلّاق"، وتقوم على كسر الحواجز بين التخصصات ورفض النظر إلى المعرفة بوصفها جزرًا معزولة. ولشرح هذه الرؤية، كان يستعيد مثاله الأثير: "الفيل والعميان الثلاثة"، ليبيّن لطلابه أن الأدب وحده لا يكفي لفهم مجتمع ما، كما لا تكفي السياسة أو الأنثروبولوجيا أو التاريخ كلٌّ على حدة؛ فكل حقل يلتقط جانبًا من الصورة، لكنه لا يحيط بها كاملة. من هنا، كان يحثّ طلابه على قراءة النصوص في تقاطعها مع التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، وعلى بناء أصواتهم الفكرية الخاصة بدل الاكتفاء بترديد خلاصات جاهزة. وهذه الرؤية، التي جمعت بين السؤال السقراطي والانفتاح على التعدد، لم تكن مجرد خيار بيداغوجي، بل كانت جزءًا من حضوره الأكاديمي والمؤسسي أيضًا، وقد نال عنها جائزة التميّز في التدريس في كوينز كوليدج عام 1994.

كان من القلة التي جمعت بين رهافة الشاعر، وبصيرة الباحث، وانضباط الأكاديمي الصارم، وقلق المثقف العمومي، وظلّ حتى في المنفى يدافع عن حق الصوماليين في أن يعيدوا كتابة بلدهم بأنفسهم

أما منجزه الأدبي، فامتد على تخوم النقد والشعر والسرد. فإلى جانب أعماله الأكاديمية المؤسسة، ترك عددًا من الدواوين التي منحت صوته الشعري بعدًا أكثر حميمية، من "الخوف، تلك البقرة" (2002)، إلى "كآبة الشتات" (2005)، وصولًا إلى"حين تلد الحمير عجولًا: طواطم وحروب وآفاق ومنافي" (2012). كما شارك في تحرير العمل النقدي "في الطريق الأقل ارتيادًا: تأملات في آداب القرن الإفريقي" (2008)، موسعًا بذلك اهتمامه من السؤال الصومالي إلى الأفق الأدبي الأوسع في القرن الإفريقي. وأصدر لاحقًا روايته الصومالية "غاسو، غنون، وغسيين"، وقدّمتها كوينز كوليدج بوصفها تجربة سردية مغايرة في التاريخ القصير للرواية المكتوبة بالصومالية. وتنسجم هذه العودة إلى الكتابة بالصومالية مع دفاعه الصريح عن اللغات الأفريقية، وإصراره على أن الكتابة بها ليست مجرد اختيار جمالي، بل فعل ثقافي يستعيد به المجتمع حقه في التعبير عن نفسه من داخل لغته وتجربته.

بهذا المعنى، لم يترك علي جمعالي أحمد ببليوغرافيا مهمّة فحسب، بل أسهم في تطوير طرائق النظر إلى المسألة الصومالية والتفكير فيها من خلال أدبها الشفهي والمكتوب، ومن خلال طبقاتها المنسية وتناقضاتها الداخلية. ولعلّ هذا ما يجعل غيابه ثقيلًا في الحقلين الثقافي والأكاديمي معًا؛ فقد كان من القلة التي جمعت بين رهافة الشاعر، وبصيرة الباحث، وانضباط الأكاديمي الصارم، وقلق المثقف العمومي، وظلّ، حتى في أقسى تأملاته في الحرب والمنفى، يدافع عن حق الصوماليين في أن يعيدوا كتابة بلدهم بأنفسهم.