تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

علي جمعالي أحمد: الحكّاء الذي نقل الأدب الصومالي من الشفاهة إلى التدوين

2 أبريل, 2026
الصورة
علي جمعالي أحمد: الحكّاء الذي نقل الأدب الصومالي من الشفاهة إلى التدوين
Share

علي جمعالي أحمد شاعر وكاتب قصة قصيرة وأستاذ في الأدب المقارن بكلية كوينز ومركز الدراسات العليا في جامعة مدينة نيويورك. بدأ مسيرته الأدبية العلنية إذاعيا وصحفيا في الصومال. انتقل أحمد إلى الولايات المتحدة عام 1983 بمنحة دراسية ضمن برنامج مشترك بين جامعة الصومال وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وذلك بعد قيادته مشروعا تعاونيا لكتابة سيرة الرئيس آنذاك محمد سياد بري، وهو المشروع الذي أُوقف لاحقا. ومنذ ذلك الحين، وهو يدرّس ويكتب في الولايات المتحدة.

يجمع الدكتور أحمد بين كونه كاتبا مبدعا وناقدا أكاديميا، وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، منها: اليابانية والبوسنية والدنماركية والبرتغالية. ويركّز بحثه على تتبّع تقاليد الأدب الصومالي في انتقالها من الشفاهة إلى الكتابة، كما يُعدّ هو نفسه حكاء بارعا، سواء على الورق أو في الحضور المباشر.

أجرينا هذا الحوار مع الدكتور أحمد عبر تطبيق سكايب باستخدام هاتفه المحمول. وفي واحدة من اللحظات التي استوقفتنا، ورد اتصال آخر أثناء الحديث، فأخذ الهاتف يرن بإلحاح، مما جعله يقول: "الهاتف يفرض نفسه!" بالنسبة لنا، تختزل هذه العبارة قدرة الدكتور أحمد الخاصة على التعامل حتى مع التحديات الصغيرة في الحياة بروح من الدعابة المصاغة بعناية وبقدر من الرشاقة.

سامبسونيا واي: كان من أوائل أعمالك ككاتب في الصومال عملك محررا مساهما في صحيفة "Vigilance" الأسبوعية الناطقة بالإنجليزية. ما نوع الموضوعات التي كنت تغطيها خلال تلك الفترة؟

علي جمعالي أحمد: كان الصومال في تلك الأيام جزءا من المعسكر السوفييتي، رغم أنه بحلول أواخر السبعينيات؛ 1978 و1979، تم طرد الروس على يد الرئيس الصومالي الأسبق محمد سياد بري. كان مؤسس ورئيس تحرير صحيفة "Vigilance"صحفيا مخضرما يدعى محمد محمد أفرح. أقام في لندن وألمانيا نحو خمسة عشر عاما، ثم عاد إلى الصومال وأسس هذه الصحيفة. ما أذكره حقا من تلك الفترة هو الهامش الذي أتاحه لنا.

أتذكر مقالتين كتبتهما لم يكن ليُسمح بنشرهما لولا أنه كان رئيس التحرير، في تلك الأيام، كان الصومال دولة شبه اشتراكية، ولم يكن مسموحا حتى بذكر أسماء القبائل. كتبت مقالا عن فئة من الصوماليين تعرف بالفئة الحِرَفية أو ما يشبه الطبقة الحِرَفية الدنيا. هؤلاء هم الحرفيون الذين يصنعون الأحذية والسكاكين وما إلى ذلك، لكنهم يحتلون أدنى درجات السلم الاجتماعي. انتقدت في المقال المجتمع لأنه يتجاهل هذه الفئة وكل ما تقوم به. أعتقد أن أفرح كانت لديه مخاوفه الخاصة، لكنه قبل المقال ونشره. أما المقال الآخر الذي لم يكن لينشره محررون آخرون، فكان ردا على مقال ينتقد شخصا من مقديشو، عاصمة الصومال. ولأنني ولدت في مقديشو، كتبت ردا عليه، وكانت حجتي ببساطة: كلامك فارغ. وقد نشر أفرح هذين المقالين.

سامبسونيا: خلال تلك الفترة، كان لديك أيضا برنامج إذاعي أسبوعي بعنوان "الكتابة والكتاب". هل يمكن أن تحدثنا قليلا عن هذه التجربة؟

جمعالي: برنامج "الكتابة والكُتّاب" كانت تجربة مذهلة أخرى. فحين كنت شابا أقدّم برنامجا إذاعيا، وأجري دائما مقابلات مع الكتّاب؛ وأحيانا كنت أترجم قصصًا إلى اللغة الصومالية. أتذكر مرة، وقد أخبرت بذلك لاحقا الكاتب الكيني Ngũgĩ wa Thiong’oأنني ترجمت إحدى قصصه بعنوان "أناس المرسيدس – نوهاتو مبينسي" من مجموعته القصصية "Secret Lives". كانت القصة تتناول الصاعدين الجدد في أفريقيا الذين يقودون سيارات مرسيدس وسط الفقر. بثثتُ ترجمتي لهذه القصة بعنوان "رجال المرسيدسات" في البرنامج.

كان البرنامج أسبوعيا، لذلك أتلقى الكثير من الرسائل. أكثر رسالة أتذكرها كانت حول هذه الترجمة، وقيل إنها من طفل. جاء فيها: "أعجبتني القصة، هل يمكنك بثها مرة أخرى؟". لم أكن أعتقد أنها من طفل فعلا، ولم أرغب في إعادة بث القصة حتى لا أقع في مشكلة - فإذا أفلتّ من العقاب مرة، لا تكرّر الأمر! لذلك اضطررت إلى القول إننا لا نستطيع بث مثل هذه القصص أكثر من مرة.

سامبسونيا: من كان جمهورك في هذا البرنامج الإذاعي؟

جمعالي: كانوا كتابا - كثير من الكتّاب - وأيضا طلاب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات. تذكّر أن اللغة الصومالية لم تُعتمد لها كتابة معيارية إلا عام 1972. قبل ذلك، لم تكن لغة مكتوبة. وقد حظيت الحكومة آنذاك باهتمام إعلامي كبير بسبب هذا القرار. قبل وصول الرئيس إلى السلطة، لم تتمكن الحكومات الصومالية المتعاقبة من اعتماد نظام كتابة موحد، بسبب وجود أربعة أو خمسة أنظمة كتابة مختلفة مرتبطة بقبائل متعددة. وعندما وصل الرئيس سياد بري إلى الحكم، قرر اعتماد الحرف اللاتيني، ولم يكن بإمكان أحد الاعتراض، وهكذا تم الأمر!

وكان الناس الذين يتعلمون هذا النظام الكتابي الجديد قادرين على متابعة القصص في البرنامج الإذاعي.

من المهم الكتابة باللغات الأفريقية، نعم، يجب أن نفعل ذلك - بل لا بد منه! (وفي الواقع، فإن الرواية التي أنشرها هذا العام بعنوان "غاسو، غنون، وغسين" مكتوبة بالصومالية. وهذا أمر مهم!). لكن الأمر يظل صعبًا دائمًا؛ فمجرد قدرتك على القراءة بلغة ما لا يعني أنك تستطيع متابعة حبكة نص معقّد. حتى من يجيدون الإنجليزية - وأنا منهم - قد يجدون صعوبة في فهم عمل مثل: "Finnegans Wake" لجيمس جويس، وقد تحدثت مرة مع نغوغي عن هذا الفرق بين القدرة على القراءة وفهم كتاب صعب. لكنه - كما هو - قدّم جوابا بليغا: "تخيّل لو أن الكتّاب الإنجليز، مثل: Geoffrey Chaucer، قالوا: لا، لا يمكننا استخدام الإنجليزية لأنها لغة العامة! يجب أن نكتب باللاتينية أو الفرنسية. ماذا كان سيحدث للأدب الإنجليزي؟" وهذه حجة يصعب دحضها.

سامبسونيا: كما ذكرت، فإن «غاسو، غنون، وغسين» ستصدر بالصومالية. كنا نتساءل: هل كتبك متداولة حاليًا في الصومال؟ وكيف تم استقبالها؟

جمعالي: بدأت الكتابة باللغة الإنجليزية بعد تدمير الدولة وانهيارها. والمشكلة أنه خلال السبعة والعشرين عاما الماضية لم تكن هناك حكومة فاعلة حقا. فقد انهارت الدولة في الصومال في يناير/كانون الثاني1991. كانت هناك حكومات أُنشئت بدعم من الأمم المتحدة، كما ظهرت كيانات مثل: «صوماليلاند» و«بونتلاند» - لدينا الكثير من "ستانات" في الصومال على شكل "لاندات"!

والمشكلة الآن أنني لا أعتقد أن التعليم ما زال على ما كان عليه حين كانت هناك دولة. ولذلك، من الصعب جدا تقييم مدى انتشار كتبي أو تلقيها.

سامبسونيا: ما كان رد فعلك على قرار حظر السفر الذي أصدره ترامب، والذي يقيد دخول أشخاص من الصومال وخمس دول أخرى إلى الولايات المتحدة؟

جمعالي: السياسة، في نهاية المطاف، هي جمع الأصوات الانتخابية، وهي في الغالب تقوم على قول ما يريد الناس سماعه. أعتقد أن ما فعله الرئيس دونالد ترامب أمر محزن للغاية. نحن نعيش في عالم غريب، حيث يسهل أن تهاجم عدوك وتشيطنه، بل والأسهل أن استهداف من يعانون أصلا من واقع مرير، كما هو الحال في الصومال.

فيما يتعلق بالصوماليين، هذا أمر لا أفهمه. هناك ضربات عسكرية جارية، والطائرات المسيرة تعمل في الصومال كما تعلم. تخيل شخصا فقيرا في مكان ما في الصومال، هذا الشخص لا يعمل مع حركة الشباب، لكنه في الوقت نفسه لا يجد مكانا يفر إليه من الطائرات المسيرة. إنه يُقصف من كل جانب، عمليا. ثم تقول له: لا يمكنك طلب اللجوء! أي منطق هذا؟ أنت تدفعه، فعليا، للانضمام إلى حركة الشباب. بهذا المعنى، أرى أن هذا القانون أشبه بأفعى تلتف على نفسها. لكنه، كما هو حال كثير من الأشياء الصادرة عن هذا الشخص، ليس مدروسا جيدا.

لكن من جهة أخرى، وكما كانت إدارة ترامب تقول، فإن المخطط الأولي لحظر السفر تركه أوباما. يجب أن نكون صادقين! ليست المسألة مقتصرة على الإدارة الحالية، ولا ينبغي أن نعفي الديمقراطيين من المسؤولية. فعندما كان بيل كلنتون في السلطة، أذن بقصف مصنع الأدوية في الخرطوم. وبطريقة ما، أعتقد أن حكم المحكمة العليا كان متوقعا. (وعندما يقولون إنهم "يتبعون حكم القانون حرفيًا"، فإن ذلك يرعبني بصراحة).

سامبسونيا: هل لديك تصور عن كيفية تفاعل الجالية الصومالية في الولايات المتحدة مع هذا القرار؟

جمعالي: لقد جئت إلى هنا في أوائل الثمانينيات، رفقة زوجتي وأخي وأطفالي جميعهم هنا. لكنني أعرف أصدقاء وأشخاص لديهم أقارب كانوا ينتظرون القدوم إلى هنا.

سامبسونيا: هل كنت تعلم أن ولاية مينيسوتا تضم أكبر جالية صومالية في الولايات المتحدة؟

جمعالي: لقد تفاجأنا بذلك أثناء بحثنا، كما علمنا بوجود احتفالات ثقافية صومالية كبيرة هناك. هل سبق أن حضرت أحدها؟

سامبسونيا: للأسف لا.

جمعالي: ينبغي أن تحضر! إنها جالية نابضة بالحياة تسهم فعليًا في اقتصاد مينيسوتا. لدينا فيها العديد من المهنيين - أساتذة جامعيون وأطباء - والآن لدينا إلهان عمر، أول نائبة من أصول صومالية في برلمان ولاية مينيسوتا! أن يستهدف الرئيس الجالية الصومالية بهذا الشكل - يجب أن أقول - كان أمرا غير مبرر. غير مبرر تماما. هذا هو أسوأ أشكال السياسة الرخيصة. هناك مثل صومالي يقول إن "الكارثة هي ما يجعلك تضحك". هذا الحظر كارثي، أليس كذلك؟ إنه محزن… ويجعلك تضحك في الوقت نفسه.

سامبسونيا: أعجبنا هذا المثل. يبدو مناسبا تماما للوضع السياسي.

جمعالي: أنا دائما أقول: "أنا مؤرخ ثقافي، ناقد ثقافي، ولا علاقة لي بالسياسة"، وهذا ليس صحيحا تماما. عندما أريد التملص من الأسئلة أقول: "هذا شأن سياسي"!

بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني مباشرة، كنت أتحدث مع أحد زملائي، وهو عالم اجتماع في كلية كوينز. قلت له: "هناك شيء لا أفهمه. ماذا الذي فهمه هذا الرجل، رئيسنا؟ ما الذي فاتكم أنتم بينما أدركه ترامب؟" لأن ما حدث كان جنونيا نوعا ما.

فقال لي زميلي: "لم نأخذهم - الجنوب أو الطبقة العاملة الأمريكية - على محمل الجد." فقلت له: "لكن لا يمكنك أن تقول هم، لأنك أنت نفسك من خلفية طبقة عاملة. أنت جزء منهم!"

بمجرد أن تبدأ لعبة "فرّق تسد"، فإنك تسير في طريق التفكك. لقد رأينا ذلك من قبل في العالم. رأيته في الصومال. وربما يكون هذا أحد الدروس التي يمكن أن يتعلمها الأمريكيون. نأمل ذلك. لكن، مرة أخرى، نحن نعيش في عالم مضطرب.

سامبسونيا: في هذه اللحظة السياسية، نحن – باعتبارنا طلابا للأدب الإنجليزي- نتساءل عن دور الأدب. كيف يمكن للخيال الأدبي أن يساعدنا في بناء عالم أفضل؟

جمعالي: أعتقد أنه ينبغي أن نستخدم الأدب التخييلي لهذا الغرض تحديدا. نعم، يجب أن نفعل ذلك. الأدب - والرواية تحديدا - هو بالنسبة لي مدخل إلى حياة الآخرين. بدلا من كتابة مقال، فإنك في السرد تتناول الأبعاد العاطفية والنفسية والوجدانية والسياسية - كل جوانب الشخصية.

الخيال يسمح لنا بالتعاطف مع الآخرين؛ كما يتيح لنا أن ننظر إلى أنفسنا بصدق. هذا ما يفعله حقا. فقط فكر في قراءة رواية جيدة أو قصة مؤثرة، ثم تقول: "آه!" إنها تكشف لك شيئا كان كامنا في لاوعيك، وتمكنك من رؤية العالم بعيون جديدة ومتجددة. هذا ما تفعله الروايات الجيدة، والقصص الجيدة، والسرد الجيد.

سامبسونيا: وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا سعداء بمشاركتك قصصك معنا اليوم.

جمعالي: إنها أفضل وسيلة لتحويل الوعي.

سامبسونيا: فمن السهل أن ترتكب أفعالا فظيعة بحق الناس عندما لا يُنظر إليهم بوصفهم بشرا مكتملين. كما ذكرتَ، فقد جئتَ إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي. ما الذي دفعك إلى اتخاذ قرار المجيء؟

جمعالي: جئتُ إلى هنا بمنحة دراسية قدّمتها الحكومة الأمريكية لجامعة الصومال لدراسة اللغة الإنجليزية. وصلت إلى نيويورك في 30 ديسمبر/كانون الأول، وعندما وصلت إلى لوس أنجلوس كان ذلك في 31 ديسمبر/ كانون الأول، ليلة رأس السنة. وبدأتُ برنامج الماجستير عام 1983.

سامبسونيا: ماذا كان يحدث في الصومال قبل مغادرتك؟

جمعالي: في الصومال، قبل مغادرتي بفترة، كنتُ رئيس لجنة من الكُتّاب كانت مكلّفة بكتابة سيرة الرئيس الراحل محمد سياد بري. كان الأمر غريبا نوعا ما. أن تكون رئيس لجنة تكتب سيرة رجل قوي، فهذا أمر محفوف بالتعقيد. (رحمه الله الآن، لأنه – بصراحة - كان أفضل بكثير ممن جاء بعده. إذا فكّرت في الأمر، أحيانا تكون حكومة سيئة أفضل من غياب الدولة، ومن الفوضى واللانظام الذي نعيشه الآن).

ما كان يفعله الرئيس هو أنه كان يزودنا بأسماء أشخاص يعرفون ماضيه وتاريخه ومكان ولادته، وما إلى ذلك. في تلك الفترة، كان هناك قصران رئاسيان في مقديشو: "فيلا الصومال" حيث كان يقيم الرئيس -وهو مقر إقامة الرئيس الحالي أيضًا – و"فيلا بايدوا". هناك كنا نقيم نحن، لجنة الكتاب. وكان طباخ الرئيس يتولى إعداد الطعام لنا - كنا مدلّلين نوعا ما - وكنا نستدعي الأشخاص الذين رشّحهم الرئيس لإجراء المقابلات معهم. كنا نبدأ حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، وأذكر مرة أننا أنهينا العمل في السابعة من صباح اليوم التالي.

سامبسونيا: هذا يجعلنا نشعر بتحسّن بشأن طول هذه المقابلة!

جمعالي: يجب أن تكون طويلة إذا أردتَ الإحاطة بكل الجوانب!

تخيّل أنك، بوصفك رئيس لجنة الكُتّاب، تسأل شخصًا: "ماذا تعرف عن هذه الشخصية؟" وأنت تعلم أن الرئيس رجل قوي. بالطبع سيمدحه إلى السماء.

لقد تحدثتُ مع الرئيس مرات عديدة على انفراد، وبصراحة لا أعتقد أنه كان سيئ النية. لم يكن يقول: "اكتبوا ما يمدحني"، لم تكن هذه هي القضية. أظن أنه كان يفترض أن الضيوف سيتحدثون بصراحة، لكن لماذا يفعلون ذلك؟ ربما كنا سننقل ما يقولونه إليه!

أتذكر حالة كان فيها أحد الجنرالات في الجيش، من أولئك الذين أصبحوا لاحقا من كبار القادة. أجرينا معه مقابلة، وقال ما أراد قوله: "لولا الرئيس، لما كان الصومال كما هو". وبعد انتهاء المقابلة، وكان الوقت نحو الثامنة مساء، طلب هذا الجنرال أن يتحدث معي على انفراد بصفتي رئيس اللجنة. فقلت في نفسي: ماذا يريد؟ في القصر كانت هناك حدائق، فذهبنا إليها وبدأنا نتحدث. فقال لي: "ما أريد أن أقوله لك هو أن كل ما قلته في المقابلة كذب".

تخيّل موقفي، محاضر بسيط ووحيد!

ظننت أنه يختبرني أو يوقع بي، فقلت له: "إذا كان الأمر كذلك، فلنعد إلى القصر وتقول هذا أمام اللجنة كلها". فقال: "هل أنت مجنون؟ لن أعود!" ثم بدأ يذكر عكس ما قاله تمامًا - أمورا كان يمكن أن يُحاكم عليها الرئيس! وبعد أن انتهى قال: "الآن أستطيع أن أعود إلى البيت وأنام".

لم أتحدث عن هذا الرجل أبدا إلا بعد وفاته وسقوط النظام.

بمعنى ما، أعتقد أنني كنت محظوظا بحصولي على المنحة للقدوم إلى الولايات المتحدة ضمن برنامج مشترك بين جامعة الصومال وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، حيث أكملت الماجستير ثم الدكتوراه. عدت إلى الصومال لمدة تسعة أشهر لإجراء بحث، ثم رجعتُ. عام 1984 ألقيتُ محاضرة في جامعة جنوب كاليفورنيا تحدثتُ فيها عن اقتراب انهيار الدولة الصومالية. لم أكن أعرف أمورا لا يعرفها الآخرون، لكنني كنت قريبًا من مركز السلطة، وإذا كنت منسجمًا مع النظام يمكنك أن ترى ما يجري.

عدتُ عام 1987 إلى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وأصبحتُ رئيس تحرير مجلة "Ufahamu"، وكنتُ رئيس تحريرها من 1987 إلى 1989. (الكلمة بالسواحيلية تعني لنتفاهم أو لنفهم بعضنا بعضا). وكان لكل محرر أن يُعدّ عددا خاصا حول موضوع يختاره. غالبا ما كان هذا العدد بمثابة وداع أخير للمحرر، لكن ليس في حالتي. فقد أعددت عددا خاصا عن الصومال، وهو ما جعلني شخصًا غير مرغوب فيه، لأنني تحدثت فيه بصراحة عن النظام. وكما تبيّن لاحقا، لم يبق للنظام سوى عامين. ففي عام 1991، أطيح بالرئيس سياد بري، وفر إلى كينيا ثم إلى نيجيريا حيث توفي عام 1992.

ومع ذلك، فإن ما جاء بعده لا يُحتمل. خاصة أن الذين أطاحوا به - والذين دمّروا المدينة - كانوا من قبيلتي. كل واحد منهم أراد أن يصبح رئيسا؛ شخصان قويان قالا: "أنا الرئيس". ولهذا نحن في هذا الوضع.

سامبسونيا: كيف كان شعورك وأنت في الولايات المتحدة أثناء حدوث هذا الانقلاب، خصوصًا وأن القائمين به من قبيلتك؟

 جمعالي: لقد شعرت بسوء شديد. اتصل بي أحدهم وقال: "يا أستاذ، عليك أن تعود! نحن الآن في السلطة!" فقلت له: "بمجرد أن تقول نحن في السلطة فهذه بداية المشكلة". كأنك تقول إنكم أخرجتم الآخرين، والآن جاء دوركم. وذكّرته بمثل صيني يقول: "إذا أردت أن تنتقم، فاحفر قبرين: واحدا لك وآخر لعدوك".

لم يكن الأمر منطقيا بالنسبة لي آنذاك، ولا يزال كذلك الآن. القبيلة التي أنتمي إليها من أكبر القبائل في الصومال، ولم تكن بحاجة إلى مثل هذه الأفعال الحمقاء. كان يمكنها أن تقود البلد إلى الأبد - لكن بالعدل وبروح إصلاحية، وبما هو أفضل من النظام السابق. كان ينبغي أن نؤسس مركزا وطنيا جامعا يمكن لكل القبائل، بما فيها البانتو أن تقول فيه: "نحن جميعا ننتمي إلى هذا الوطن." لكن ذلك لم يحدث. وللأسف دفعنا ثمنا باهظا. إنه أمر مؤسف جدا… ومحزن للغاية.

سامبسونيا: أنت تمارس ما تسميه "التدريس الإبداعي". هل يمكنك أن تشرح لنا قليلا ما المقصود بذلك، ولماذا هو مهم خاصة في الوقت الراهن؟

جمعالي: سأعطي مثالا، إن سمحت. في اليوم الأول من الدراسة، أطلب من طلبة البكالوريوس أن يعرّفوا بأنفسهم وباختصاصاتهم، لنرى كيف أن الطلاب يأتون من مجالات متعددة. ثم أقدّم لهم حكاية "الرجال الثلاثة العميان والفيل". وأقول لهم: إذا استبدلتم الفيل - الذي تحاولون فهمه في هذه الحكاية - بفكرة الإنسان، فلن تستطيعوا فهم الإنسان إذا تحدثتم فقط من منظور البيولوجيا. وإذا تحدثتم فقط من منظور العلوم الإنسانية أو الاجتماعية فلن تفهموه كذلك. يجب أن نفهم الإنسان بطريقة لا تقوم على التجزئة.

ثم أسألهم: عندما نخرج من أرحام أمهاتنا، ما أول شيء نفعله؟ فيقولون: نبكي. فأقول: حسنا، يجب أن نتذكر أن هناك شيئين لا يمكننا مشاهدتهما: ولادتنا وموتنا. لا بد أن يخبرنا بهما الآخرون. فلنحاول إذن أن نفسر معنى تلك الصرخة البدئية. وأقول لهم إننا نقرأ هذه الصرخة بطريقتين: الأولى بوصفها صرخة انتصار - لقد كنت في رحم أمك تسعة أشهر، ثم تخرج وتقول: هللويا!؛ والثانية بوصفها مرثية، العالم يصفعك فتقول: «أعيدوني!» أو ربما، أقول لهم هي مزيج من الاثنين.

وبالنسبة لمعظمنا، هي بالفعل مزيج من الصعود والهبوط. والسبب الذي يجعلني أروي لهم هذه القصة هو أن في داخل كل واحد منا كتابًا. وما نقرأه في صفي هو رواية شخص عن خروجه إلى العالم. وأقول لهم: "آمل أن أقرأ يومًا ما واحدة أو اثنتين من رواياتكم". هذا هو نوع التدريس الذي يهمني، وأسميه - باستخدام مصطلح يوناني -التدريس النُوئي "noetic".

سامبسونيا: بصفتك أستاذًا وباحثًا في الأدب المقارن، ماذا تعتقد أن هذا التخصص يمكن أن يقدمه لنا بعد الانتخابات؟

جمعالي: ليس لديّ شيء ضد أقسام اللغة الإنجليزية، لكن المشكلة في كثير منها أنك تدرس الأدب العالمي فقط في سياق ما بعد الاستعمار. ولأن هذه الأقسام لا تريد أن تُمحى من التاريخ، فإنها تدمج آدابا أخرى ضمنها. قلت مازحا لرئيس قسم الإنجليزية في كلية كوينز: الآن بعد أن تفعلوا ذلك، يمكنكم أن تندرجوا تحت مظلة الأدب المقارن!وأقول لطلابي إن السبب الذي يدفعهم للانضمام إلى قسم الأدب المقارن هو أننا ندمج التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع؛ إنه مجال شامل. وهذا أمر مهم.

سامبسونيا: ما الذي يتيحه لك الشعر ولا يتيحه لك الكتابة الأكاديمية؟

جمعالي: أعتقد أنه يساعد كثيرا، لأنك لا تكتفي بالحديث عن كتابات الآخرين في الصف. أنت تعرف حقا ما تتحدث عنه لأنك ممارس وأستاذ في الوقت نفسه. يمكنك أن تتفاعل مع الطلاب بطريقة لا يمكن تحقيقها بغير ذلك - على الأقل بالنسبة لي - لأنك تتحدث عن حِرفية الكتابة وأسرارها. أنا أتحدث عن نفسي فقط، أعرف أساتذة كثيرين لا يكتبون الشعر، لكنهم يقرؤونه أفضل مني! لكن بالنسبة لي، تتقاطع الكتابة مع الحياة. كلما تعمّقت، اكتشفت نفسك أكثر. وفي هذه العملية، يساعدني الشعر والخيال السردي على فهم نفسي وفهم طلابي.

سامبسونيا: ما الذي دفعك إلى كتابة الشعر؟

جمعالي: أتذكر أول قصيدة كتبتها. كنت في الصف السادس في الصومال. هناك مقولة تقول إن واحدا من كل ثلاثة صوماليين شاعر. هذا ما يُقال! أما ما إذا كانوا شعراء جيدين، فتلك مسألة أخرى.

الشعر بالنسبة للصوماليين - ولغيرهم من المجتمعات - هو، كما قال الماركسي كريستوفر كالدويل تعبير عن مشاعر الجماعة وتاريخها. وهو عنصر مركزي في تطورها. في المجتمع الصومالي، يمكنك أن تقول في الشعر ما لا يمكنك قوله في غيره، بل ربما ما لا يُسمح به أصلا. يمكنك أن تمرّر ذلك عبر القصيدة. الصوماليون يجلّون شعراءهم احتراما حقيقيا. الشعراء مهمون جدا. وهذا أمر لم أكن أفهمه حين جئت إلى هذا البلد في أوائل الثمانينيات. لم أكن أفهم مكانة الشعر هنا.

سامبسونيا: لقد اندهشنا حين علمنا أنك قدّمت برنامجا إذاعيا كاملا عن الكتّاب. قلنا لأنفسنا: "هذا رائع لكن من سيستمع إليه؟ يبدو وكأنه ثقافة مختلفة تمامًا.

جمعالي: الغريب أن والدي لم يكونا يكتبان الشعر، لكنهما كانا يجيدان إنشاده.

سامبسونيا: إذا كانا يمارسان الشعر بطريقة ما، كانا يعيشان الشعر في حياتهما.

جمعالي: بدأت كتابة الشعر بالإنجليزية قبل الصومالية. كل القصائد التي تراها كتبت أولا بالإنجليزية، وليست ترجمات. لا أعرف السبب تماما أو ربما أعرف: عندما أكتب الشعر بالصومالية، يكون الأمر قريبا جدا من العظم، مؤلمًا جدا.

سامبسونيا: هل تشعر بنفس التوتر في النثر؟

جمعالي: لا، فقط في الشعر. الأمر غريب. في السرد لا توجد مشكلة، أما في الشعر فهو قريب جدًا من العصب.

سامبسونيا: هل تعتقد أن للشعراء والأكاديميين والصحفيين مسؤوليات مختلفة بوصفنا كتّاب؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي؟

جمعالي: نعم، هناك مسؤوليات مختلفة. لكن في الوقت نفسه، باعتباري أكاديميا، أنت تذهب إلى الصف وتدرّس. أما الصحفي (وليس أستاذ الصحافة)، فهو من ينزل إلى الميدان، يجمع المعلومات، ثم يكتبها بطريقة مفهومة للناس وهذا أمر أساسي بالنسبة له.أما نحن، باعتبارنا أكاديميين، فقد نفرط أحيانا في استخدام المصطلحات المعقدة واللغة الاصطلاحية المفرطة.

سامبسونيا: كانت لدينا بعض الأسئلة حول ما تعمل عليه حاليًا. كيف تأثرت أعمالك بالأحداث الأخيرة؟

جمعالي: أعمل على أشياء كثيرة في الوقت الراهن: الرواية الصومالية، وأنطولوجيا بعنوان Shrinklology، وهي تدور حول "المحلّلين النفسيين".

سامبسونيا: آه، هذا نوع آخر من shrink! كنا نظن أنك تقصد الحجم.

جمعالي: نعم، لكنني أحاول أن أكون ساخرا ومرحا، لا أدري إن كان ذلك يظهر. في النهاية، حجّتي تدور حول مشكلات أفريقيا والصومال. السطور الثلاثة الأخيرة تقول: لا تبحث بعيدا، أنت في الحقيقة المشكلة. كيف توازن بين فكرة تقول إن أفريقيا تعرضت للاضطهاد من الخارج، وفكرة أخرى تقول: لماذا لا تنظرون إلى أنفسكم؟ ماذا تفعلون خطأ؟ الأمر معقّد. من الأشياء التي تعجبني في رواية "Xala" للكاتب أوسمان سمبان أنها من أوائل الروايات في أفريقيا التي بدأت "توطين المشكلة".

سامبسونيا: نرى صلة بين فكرة توطين المشكلة وقصيدتك التنصّل من المسؤولية من ديوان Fear is a Cow. سنقرأ مقطعًا منها، ونطلب منك التعليق:

الأفارقة عبثوا بالصوماليين

العرب عبثوا بالصوماليين

الشيعة عبثوا بالصوماليين

السنة عبثوا بالصوماليين

الكتائبيون عبثوا بالصوماليين

الماركسيون عبثوا بالصوماليين

الغرب عبث بالصوماليين

السوفيات عبثوا بالصوماليين

الأمريكيون عبثوا بالصوماليين

ويونس عبث بالصوماليين

وابن الراوي من بعده عبث بالصوماليين

والبحّار المغامر من بعدهم عبث بالصوماليين

والصوماليون، مأخوذون بسحر الدم الأسلافي، عبثوا بأنفسهم.

جمعالي: العنوان يقول كل شيء: التنصّل من المسؤولية. هذا ما كنا نتحدث عنه، توطين المشكلة. كان من السهل أن نقول إن الشيعة أو اليهود أو الغرب هم من دمّرونا، لكننا نحن أيضا عبثنا بأنفسنا. كيف تفسّر ذلك الآن؟ البشر غريبون جدا. فمن الأسهل بكثير أن تتحدث عما يفعله الآخرون بك بدل أن تنظر بجدية إلى ما تفعله أنت أو من هم الأقرب إليك.

سامبسونيا: هذا يذكرنا بما قلته عن عدم إعفاء الديمقراطيين من المسؤولية في تمهيد الطريق لحظر السفر.

جمعالي: نعم. في الصومال نحب الألقاب. ليس لدي لقب، لكن معظم الصوماليين لديهم ألقاب. بعض هذه الألقاب يركز على عيب في الشخص، وإذا ناداني بها شخص من قبيلتي أو قريب مني فلن أنزعج، لكن إذا قالها شخص من قبيلة أخرى فسأغضب بشدة. وهنا تكمن المشكلة. نحن نصنع أعذارًا مخففة لمن هم قريبون منا - وأحيانًا لأنفسنا.

سامبسونيا: بهذه المناسبة، قصيدتك "الأشياء الكبيرة" من ديوان When Donkeys Give Birth to Calves تركّز أكثر على الولايات المتحدة:

في أمريكا، نحب الأشياء الكبيرة

بيغ ماك

حجم مضاعف عملاق

مترو بطابقين

لا تسيئوا الفهم

الكِبَر جميل!

أريد

أشياء كبيرة لعائلتي

وأشياء كبيرة لبلدي

أحب الكبير

أفكّر بشكل أكبر

صدقوني، أكبر!

والآن، لا غضب؟

إذن أعطني عناقا كبيرا

عناق دبّ

عناقًا كبيرًا كالدبّ

انظروا، لا مشكلة كبيرة.

جمعالي: نعم، "لا مشكلة كبيرة" فيها سخرية لطيفة، أليس كذلك؟ إنها مضحكة فعلا. كانت هناك مقاطع أكثر جرأة في مسودة سابقة حذفتها، تتعلق ببعض "التضخيمات" الجسدية وما شابه. إلى ماذا وصل العالم حين تصبح هذه الأمور مهمة إلى هذا الحد؟ هذا الكبير وذاك الأكبر. لكنها قصيدة خفيفة، لذلك تنتهي بطلب عناق. في اللحظة التي تصل فيها إلى هذه النقطة وتضحك، تكون القصيدة قد تسللت إلى وعيك، ويمكنك أن تتساءل بعدها: ماذا كان يقصد؟

سامبسونيا: ما الذي تفتقده أكثر في الصومال؟

جمعالي: المكان، الناس، الحيوية! الحنين شعور غريب، خاصة بمعناه العميق، فكرة أنك لا تستطيع العودة كما كنت. ما أتذكره هو حيوية الناسامبسونيا واي: الرائحة، الطعم. في الصومال لدينا أطول ساحل في أفريقيا، وهو أمر مدهش إذا فكرت في تلك الأماكن. وبالطبع، حين تولد في مكان تبقى مرتبطا به دائمًا. كان من العادات قديما، ولا أعلم إن كانت لا تزال قائمة، أن يدفن الحبل السري للطفل، علامة على أنه ينتمي إلى ذلك المكان إلى الأبد.

سامبسونيا: في مقالك الأخير "ما بعد الشعرية المانوية" Beyond Manichean Poetics، تكتب أن عالمنا المضطرب يحتاج إلى نظرية جديدة ولغة جديدة تفتح إمكانات جماعية وتبني مستقبلا أفضل. كيف يمكننا بناء هذه اللغة؟

جمعالي: لدي قصيدة بعنوان الكرة الأرضية. أتذكر عندما كنت طفلا أنني لاحظت أن الشمال دائمًا في الأعلى على الكرة الأرضية. وكان لدينا أخ أكبر - رحمه الله - كان مثقفا بمعايير ذلك الزمن، فقال: لماذا لا نجعل الجنوب في الأعلى؟ في القصيدة، كتبت أنني نظرت إلى الكرة الأرضية، وبنظرتي انقلب الجنوب فأصبح في الأعلى، بينما أخذ الشمال ينهار. لكنني أدركت أنني استخدمت نفس البنية الهرمية التي كنت أنتقدها! نظرت إلى العالم بالطريقة نفسها التي قلت إنه لا ينبغي النظر بها. لذلك يصبح من الضروري تطوير لغة بديلة.

سامبسونيا: هل يمكنك الإشارة إلى أشخاص يعملون في هذا الاتجاه؟

جمعالي: تحدثنا عن Ngũgĩ wa Thiong’o، وكذلك الراحل إدوارد سعيد، ومحمود ممداني. هناك كثيرون في الحقيقة. نحن جميعا نتلمس الطريق في الظلام، لكنني واثق أننا سنتمكن تدريجيا من صياغة شيء ما.

سامبسونيا: فكرة التلمّس في الظلام تذكرنا بقصيدتك «في ظل علامات الحذف» من ديوان When Donkeys Give Birth to Calves. تقول فيها إن الحياة "في بحث عن علامات الحذف". ما معنى أن تكون في ظل هذه العلامات؟

جمعالي: كما تعلم، لا أحب تفسير قصائدي، لكن بالنسبة لي تمثل علامات الحذف لحظات الاكتشاف، لحظات "أوريكا" التي تأتي بعد بحث. وهذه اللحظات لها صعود وهبوط. أنت تعيش في ظلها. وإذا تحدثنا عن الظلال في اللاوعي، فهي سائلة، تلاحقك وتلاحقها في نوع من التفاعل الجدلي مع الحياة. هذا ما قصدته.

سامبسونيا: سؤال عن الأمل. في شكر كتابك "Daybreak is Near"، تذكر أخت زوجتك الراحلة التي توفيت مع ابنها إثر سقوط قنبلة على منزلها في مقديشو عام 1992. كيف تحافظ على الأمل في مواجهة هذا العنف؟

جمعالي: الأمر صعب جدًا. أعتقد أنه بدون أمل لا توجد حياة. تذكّر أن سامويل تايلور كلوريدجكتب: العمل بلا أمل كمن يجمع الرحيق في منخل، والأمل بلا موضوع لا يمكن أن يعيش. أظن أن هذا صحيح. بدون أمل لا يوجد شيء. مع كل موت هناك ولادة، وهذا ما يخبرك أن الأمل موجود. والحياة تستمر. الأمل دائما حاضر حين تصل إلى القاع لا يبقى إلا الصعود.

سامبسونيا: تَرْتَدُّ من جديد.

جمعالي: وهذا هو الأمل. كما يجب أن أذكر أولئك الذين بقوا في الصومال ولم يغادروه: الأطباء والأساتذة والموظفون والذين صمدوا وحرصوا على بقاء ما تبقى حيا. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون.

سامبسونيا: نظرا لماضي الصومال المضطرب وحاضره ما هي آمالك لمستقبله؟

جمعالي: أعتقد أن للصومال مستقبلا عظيما بصراحة. أمزح مع طلابي وأقول إنني نشأت على الفكر الماركسي وأعرف جيدًا أنطونيو غرامشي ومقولته الشهيرة: "تشاؤم العقل…"

سامبسونيا: وتفاؤل الإرادة.

جمعالي: نعم هذا دائما حاضر. لكنني أقارنه أيضًا بقول سامويل بيكيت في ثلاثيته، وخاصة في روايته "اللامسمى": "لا أستطيع الاستمرار"

سامبسونيا: لكن يجب أن أستمر.

جمعالي: تتذكر هذه العبارة! ما البديل؟ القبر؟ بهذا المعنى، أعتقد أن للصومال مستقبلا كبيرا.