الجمعة 17 أبريل 2026
سلّط تحقيق نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية الضوء على ما وصفه بتحول عسكري متسارع في مطار بربرة في صوماليلاند، مشيرًا إلى أعمال إنشائية واسعة جرت بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 في محيط المدرج، بما في ذلك حفر خنادق ثم ردمها بحاويات ومنصات مرتفعة اعتبرها خبراء تحدثوا للصحيفة مؤشرات على بنية تحتية دفاعية محصنة.
وبحسب التحقيق، تُنسب هذه الأعمال إلى الإمارات في إطار تفاهمات دفاعية تعود إلى عام 2017. وكانت رويترز قد ذكرت آنذاك أن أبوظبي بدأت بناء قاعدة في موقع المطار مع حضور متوقع لثلاثين عامًا، قبل أن تعلن سلطات صوماليلاند في 2019 أن المشروع العسكري سيتحول إلى مطار مدني. غير أن البيانات المنشورة حاليًا على موقع سلطة الطيران والمطارات في صوماليلاند ما تزال تصنّف مطار بربرة بوصفه مرفقًا "عامًا/عسكريًا"، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الغموض حول طبيعته التشغيلية الفعلية، ويجعل السؤال قائمًا حول ما إذا كان الاستخدام المدني يتراجع لصالح الوظيفة الأمنية.
ولا تنبع الدلالة السياسية لهذا التطور من طبيعة الإنشاءات وحدها، بل من توقيته أيضًا؛ إذ جاء بعد اعتراف إسرائيل رسميًا بصوماليلاند في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتكون أول دولة تقدم على هذه الخطوة. ثم تحدث رئيسها عبد الرحمن محمد عبد الله لاحقًا إلى رويترز عن أمله في شراكة اقتصادية مع تل أبيب، مع تأكيده أن إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُبحث، رغم عدم استبعاده تعاونًا عسكريًا مستقبليًا. وفي المقابل، قوبل الاعتراف الإسرائيلي برفض من الصومال والاتحاد الأفريقي، ما جعل أي تحرك عسكري محتمل في بربرة جزءًا من نزاع سيادي وإقليمي أكبر من حدود المطار نفسه.
وتطل مدينة بربرة على خليج عدن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وميناؤها يمنح وصولًا مباشرًا إلى بعض أكثر خطوط الملاحة ازدحامًا في العالم، وهي ممرات تعرضت خلال الفترة الأخيرة لهجمات الحوثيين. كما أن مدرج المطار، الذي يتجاوز أربعة كيلومترات وبُني في سبعينيات القرن الماضي، يمنح المنشأة ميزة تشغيلية نادرة في القرن الأفريقي. وتؤكد بيانات رسمية أمريكية أن قائد "أفريكوم" الجنرال داغفن أندرسون زار بربرة وهارجيسا في نوفمبر 2025 في إطار مباحثات أمنية أوسع، وهو ما يعزز الانطباع بأن الموقع بات حاضرًا في حسابات القوى الدولية وليس فقط في السجال المحلي.
كما لا يمكن فصل المطار عن ميناء بربرة الذي تديره شركة "دي بي ورلد" الإماراتية ضمن استثمارات تبلغ 400 مليون دولار، ما جعل المدينة نقطة تقاطع بين التجارة واللوجستيات والأمن. كما زادت التوترات حين أعلنت الحكومة الصومالية في يناير 2026 إلغاء جميع الاتفاقات مع الإمارات، بما يشمل ترتيبات تخص موانئ بربرة وبوصاصو والتعاون الدفاعي، متهمة أبوظبي بتقويض سيادتها. وضمن هذا المشهد، تبدو بربرة اليوم أكثر من مجرد منشأة نقل؛ حيث أضحت مساحة تتزاحم فيها مصالح الاعتراف السياسي وتأمين الملاحة ومنافسة القوى الإقليمية والدولية.
لكن، حتى الآن، لا توجد أي جهة أعلنت رسميًا أن بربرة أصبحت قاعدة ثلاثية للإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن المعطيات المتاحة توحي بمسار تدريجي يتنامى فيه الحضور العسكري في موقع تتعاظم قيمته الاستراتيجية، في ظل لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتصاعد فيها التوترات على امتداد البحر الأحمر وباب المندب.