تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 20 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

لماذا يتريث الحوثيون في دخول الحرب إلى جانب إيران؟

23 مارس, 2026
الصورة
لماذا يتريث الحوثيون في دخول الحرب إلى جانب إيران؟
Share

تقترب الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران من إتمام شهرها الأول، وقد شاركت فيها، بطرق مختلفة، معظم التنظيمات المسلحة غير الحكومية التي تدعمها طهران، مثل حزب الله، ومعظم الفصائل المسلحة الموجودة في العراق. لكن الحوثيين، وهم التنظيم الأقوى بين حلفاء إيران فيما يُعرف بمحور المقاومة، لم يدخلوا الحرب حتى الآن.

يثير هذا التريث سؤالا متزايدا في الأوساط السياسية والإعلامية: لماذا أحجمت جماعة أنصار الله عن الانخراط في حرب تستهدف الدولة التي تقود ما يسمى بمحور المقاومة، وتمثل مركزه السياسي والعسكري والرمزي؟ فالحوثيون، الذين أظهروا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مستوى عاليا من الانخراط في مواجهة إسرائيل، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، يبدون اليوم أكثر حذرا، ويكتفون بخطاب سياسي داعم، وتهديدات لفظية تقول إن السلاح جاهز وإن التدخل وارد إذا اتسعت الحرب.

يبدو أن هذا القرار لا يرتبط بعامل واحد، بل بحزمة معقدة من الاعتبارات السياسية والعسكرية والمذهبية، والحسابات المحلية المرتبطة بطبيعة الجماعة نفسها وبموقعها داخل اليمن.

الحوثيون وإيران: تحالف لا تبعية

بخلاف حزب الله أو كثير من الفصائل العراقية، لم ينشأ الحوثيون بوصفهم امتدادا مباشرا لاستراتيجية إيران في "تصدير الثورة"، بل خرجوا أساسا من سياق يمني محلي، بدأ كحركة دينية وسياسية في محافظة صعدة شمالي البلاد، ثم تطور لاحقا إلى حركة مسلحة ذات مشروع سلطوي واضح. وقد تشكلت الجماعة في بيئة زيدية لها خصوصيتها الفقهية والعقدية، وهي خصوصية جعلتها، منذ البداية، أقل اندماجا عضويا في البنية العقائدية التي تقوم عليها الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

إن الحجم الكبير للخسائر التي تكبدوها في الحرب السابقة يفسر، إلى حد بعيد، شدة حذرهم اليوم في اتخاذ قرار المشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب إيران

فالزيدية، على رغم انتمائها إلى المجال الشيعي، أقرب في كثير من أصولها إلى الفقه السني من قربها إلى الاثني عشرية الجعفرية التي تقوم عليها نظرية ولاية الفقيه في إيران. ولهذا ظل ارتباط الحوثيين بطهران، على امتداد سنواته، أقرب إلى التحالف السياسي والعسكري المتدرج منه إلى علاقة الطاعة الكاملة أو الاندماج العقدي. وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا يتمتع الحوثيون، مقارنة بغيرهم، بهامش أوسع من الاستقلال في اتخاذ القرار، ولماذا لا يتعاملون مع المعركة الجارية بوصفها معركة وجود ديني أو مذهبي لا مهرب منها؟

يزداد هذا المعنى وضوحا إذا تذكرنا أن الجماعة لا تستمد شرعيتها الداخلية من المرجعية الإيرانية، بل من سرديتها اليمنية الخاصة، القائمة على فكرة أحقية "آل البيت" بالحكم، وعلى استعادة إرث الإمامة الزيدية التي حكمت شمال اليمن قرونا قبل سقوطها مع ثورة 1962. ولذلك فإن علاقتها بإيران، مهما تعاظمت عسكريا، ظلت محكومة بمنفعة سياسية متبادلة أكثر من خضوع مذهبي صارم.

من جهة أخرى، لا يواجه الحوثيون اليوم، بخلاف قوى شيعية أخرى في العراق ولبنان، تهديدا وجوديا داخليا مباشرا داخل اليمن، يجبرهم على القتال إلى جانب إيران، كما هو حال حزب الله وبعض الفصائل العراقية التي واجهت، بعد حرب السابع من أكتوبر، ضغوطا داخلية تهدف إلى نزع سلاحها، وتقليص دورها السياسي. لذلك، فإن ما يدفع الحوثيين اليوم إلى التريث ليس غياب التعاطف مع إيران، بل رغبتهم في حماية وجودهم العسكري ومستقبلهم السياسي، على أمل أن تخرج إيران من الحرب منتصرة، أو على الأقل من دون إنهاك شديد، بما يسمح لهم بالبقاء طرفا حاضرا على طاولة الترتيبات الإقليمية المقبلة.

كلفة حرب غزة على الجماعة

يكمن التفسير الأهم في كلفة التجربة السابقة. فقد دخل الحوثيون حرب ما بعد السابع من أكتوبر في وقت مبكر، وقدموا تدخلهم بوصفه نصرة لغزة وإسنادا للأقصى، وانسجاما مع شعارهم الأيديولوجي المعروف: "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". وقد منحهم ذلك، في بدايته، زخما شعبيا داخل اليمن وخارجه، لأن القضية الفلسطينية تتمتع بوزن عاطفي وديني كبير لدى اليمنيين على اختلاف انتماءاتهم. غير أن ما بدا آنذاك خطوة رابحة تحوَّل، مع طول أمد الحرب، إلى عبء ثقيل. فالجماعة دخلت المواجهة، وهي تتصور أن الأمر لن يتجاوز جولة محدودة، على غرار الحروب القصيرة السابقة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. لكنها، وجدت نفسها منخرطة في نزاع ممتد استنزفها عسكريا واقتصاديا وسياسيا. وتعرضت بناها الحيوية لضربات مؤلمة، وفي مقدمتها ميناء الحديدة ومنشآت الوقود والبنية التحتية الاقتصادية، كما تكبّدت خسائر بشرية ومؤسساتية واسعة، وازداد عجزها عن إدارة المناطق التي تسيطر عليها، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات لسكانها.

من هذه الزاوية، لا يبدو منطقيا أن تقفز الجماعة إلى حرب أكبر وأشد خطرا، فيما آثار المغامرة السابقة لم تندمل بعد. فالحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة مسلحة تعمل من الهامش، بل سلطة أمر واقع تدّعي تمثيل الدولة اليمنية، وتطمح إلى حكم البلاد كلها. وأي تورط جديد في مواجهة إقليمية مفتوحة يمكن أن يضرب ما تبقى من شرعيتهم الداخلية، ويعمّق صورتهم بوصفهم قوة تدير المجتمع بمنطق الحرب الدائمة، لا بمنطق الدولة. كما أن مثل هذا التورط قد يبدد ما بقي من فرصهم في التحول مستقبلا إلى سلطة معترف بها دوليا، أو إلى طرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية يمنية شاملة. وهذا الإدراك، في الأغلب، حاضر بقوة في حسابات الحوثيين.

لماذا يتمتع الحوثيون، مقارنة بغيرهم، بهامش أوسع من الاستقلال في اتخاذ القرار، ولماذا لا يتعاملون مع المعركة الجارية بوصفها معركة وجود ديني أو مذهبي لا مهرب منها؟

ثم إن المزاج الشعبي اليمني الذي احتمل، بل وساند، تدخل الحوثيين في حرب غزة، قد لا يفعل الشيء نفسه إذا تعلق الأمر بالقتال دفاعا عن إيران. ففي الحالة الفلسطينية، استطاعت الجماعة أن تقدم تدخلها في قالب ديني وقومي جامع، مستفيدة من مركزية فلسطين في الوعي العربي واليمني، ومن الصور المروعة الآتية من غزة، بما سمح لها بامتصاص شيء من الضغوط الداخلية والهروب من أزماتها الاقتصادية والمعيشية.

أما في الحالة الإيرانية، فالأمر مختلف جذريا. إذ سيكون عسيرا على الحوثيين إقناع قطاع واسع من اليمنيين بأن الحرب إلى جانب طهران واجب ديني أو وطني، خصوصا في بلد أنهكته الحرب والانقسام والفقر. بل إن الإقدام على هذه الخطوة قد يطلق موجة غضب شعبية واسعة، ويعزز خطاب خصومهم القائل إن الجماعة ليست سوى أداة محلية لمشروع خارجي. وقد تكون هذه النتيجة شديدة الخطورة على بنية سلطتهم في شمال اليمن، لأنها تضعف سرديتهم الوطنية، وتعيد تعريفهم في نظر قطاعات أوسع بوصفهم جماعة رهينة لإرادة دولة أخرى.

حسابات السلطة والبقاء

إلى جانب ذلك، هناك حسابات سياسية أكثر براغماتية. فالحوثيون يديرون فعليا مؤسسات الدولة في صنعاء، ويسيطرون على الوزارات والأجهزة المالية والأمنية والعسكرية الرئيسة، ولا يخفون طموحهم في أن يصبحوا، عاجلا أو آجلا، السلطة الشرعية على مستوى اليمن كله. وقبل السابع من أكتوبر كانت فرصهم السياسية تبدو أفضل بكثير مما هي عليه اليوم. فقد كانوا على مسافة قريبة من تفاهمات مع السعودية، التي تقود التحالف العربي المناهض لهم، كما أنهم استفادوا من انفتاح نسبي من إدارة بايدن التي أخرجتهم من لوائح الإرهاب، وهو ما فتح أمامهم منافذ اقتصادية وسياسية مهمة.

كما أن التوازنات الداخلية في اليمن كانت تصب، بدرجات مختلفة، في مصلحتهم. فالقوى التي تنازعهم السيطرة على البلاد، من الحكومة المعترف بها دوليا، إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى تيار الإخوان المسلمين المتحالف مع الحكومة، فضلا عن التباينات بين السعودية والإمارات بشأن مستقبل الدولة اليمنية، كلها عوامل كانت تقرب الحوثيين من تحقيق اختراق سياسي واسع، وربما من التحول إلى السلطة المهيمنة على اليمن كله.

لكن مشاركتهم في حرب السابع من أكتوبر بدلت هذا المشهد بدرجة كبيرة. فقد أدت، أولا، إلى انشغالهم عن صراعاتهم الداخلية، وعن جهود التوسع إلى المحافظات التي كانت لا تزال خارج سيطرتهم. وثانيا، أعادتهم الولايات المتحدة إلى قوائم الإرهاب. وثالثا، ألحقت الضربات الأميركية والإسرائيلية دمارا واسعا بالبنية الاقتصادية التي تقع تحت أيديهم، وفي مقدمتها ميناء الحديدة وخزانات الوقود. ورابعا، استعادت الحكومة المعترف بها دوليا نفوذا أوسع في أجزاء كبيرة من البلاد، خصوصا في الجنوب. وخامسا، دخل الحوثيون مجددا في عزلة سياسية واقتصادية واسعة، قلصت فرصهم في حكم البلاد كلها، أو حتى في فرض ثقل حاسم في أي عملية سياسية مقبلة. ولهذا، فإن الحجم الكبير للخسائر التي تكبدوها في الحرب السابقة يفسر، إلى حد بعيد، شدة حذرهم اليوم في اتخاذ قرار المشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب إيران.

حدود التدخل العسكري وجدواه

كانت مشاركة الحوثيين في حرب السابع من أكتوبر ذات أثر واضح، لأنها ألحقت أضرارا عسكرية واقتصادية بإسرائيل والولايات المتحدة، بعد أن تمكنوا، ولو جزئيا، من تعطيل الملاحة في الممرات البحرية، ومنع السفن الإسرائيلية والأميركية من العبور عبر أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ووصل الأمر إلى حد اضطرت معه الولايات المتحدة إلى التعامل معهم بشكل مباشر.

إن مثل هذا التورط قد يبدد ما بقي من فرصهم في التحول مستقبلا إلى سلطة معترف بها دوليا، أو إلى طرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية يمنية شاملة

أما من الناحية العسكرية الصرفة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإرادة الحوثيين، بل أيضا بجدوى مشاركتهم. فما الذي يمكنهم إضافته فعليا إلى المعركة الدائرة؟ يمكنهم، نظريا، العودة إلى إطلاق الصواريخ البعيدة والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل، لكن هذا الخيار لم يعد يحمل الأثر نفسه الذي حمله سابقا، ما دامت إيران نفسها، بترسانتها الأكبر وقدراتها الأوسع، تضرب إسرائيل بوتيرة أعلى وبأسلحة أشد تأثيرا. ويمكنهم أيضا مهاجمة قواعد أميركية في المنطقة أو تهديد مصالح واشنطن العسكرية، لكن هذا النوع من العمليات ينطوي على خطر توسيع الحرب بطريقة قد لا ترغب فيها طهران نفسها، وقد يستفز دولا مضيفة لهذه القواعد ويجرها إلى المواجهة. كما يستطيعون استهداف البنية النفطية في الخليج، على غرار ما فعلوه سابقا مع السعودية، غير أن ذلك قد يستجلب عليهم هجوما إقليميا واسعا، ويمنح خصومهم اليمنيين دعما عسكريا وسياسيا أكبر.

يبقى الخيار الأثقل، وهو إغلاق باب المندب أو العودة إلى تعطيل الملاحة فيه، خيارا بالغ الخطورة، لأنه لا يضعهم فقط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بل قد يحولهم إلى خصم مباشر لقوى دولية أوسع، بما فيها دول تربطهم بها اليوم علاقات أقل توترا، مثل الصين، فضلا عن مصر التي يمثل هذا الممر شريانا حيويا لمصالحها.

لهذا كله، تبدو كلفة كل سيناريو أعلى من عائده. فكل خطوة تصعيدية متاحة للحوثيين قد تجر عليهم حملة عسكرية لا يملكون القدرة على تحملها، كما أنها قد تضيف إلى إيران نفسها عبئا سياسيا ودبلوماسيا لا تحتاج إليه في هذه المرحلة. من هنا يصعب تصور أن الجماعة ستقدم على خطوة نوعية كبرى ما لم تتغير شروط الحرب جذريا. وهذا يقود إلى العامل الأخير، المتصل بحسابات طهران ذاتها. فإيران، حتى الآن، لا تبدو راغبة في تحويل المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة تستدرج دول الجوار، وتفتح جبهات لا يمكن ضبطها. وعلى رغم التهديدات الصادرة من دوائر قيادتها، فإن خطابها ما يزال يشي بحذر واضح من استفزاز البيئة الإقليمية إلى حد الانفجار الكامل. وهي، منذ سنوات، تحاول أن تجمع بين بناء نفوذها عبر الوكلاء، وبين تجنب الوصول إلى لحظة تتوحد فيها القوى الإقليمية والدولية ضدها في حرب مفتوحة. وإذا صح هذا التقدير، فإن امتناع الحوثيين عن التدخل لا يعود فقط إلى قرار ذاتي، بل أيضا إلى غياب طلب إيراني حاسم في هذه المرحلة.

عدم رغبة إيران حربا إقليمية مفتوحة

يمكن تفسير قرار الحوثيين أيضا في ضوء الموقف الإيراني نفسه. فطهران، حتى الآن، لا تبدو وكأنها حسمت أمرها في اتجاه توسيع الحرب لتشمل الإقليم كله، وتدفع دول الجوار إلى الانخراط المباشر فيها. وعلى الرغم من أن المرشد الجديد الذي جرى اختياره أخيرا لوّح بهذا الاحتمال، فإن المؤشرات العامة توحي بأن القيادة الإيرانية ما زالت تخشى انضمام دول الجوار إلى الحرب.

لهذا تواصل إيران تقديم خطاب يقول إن هجماتها موجهة فقط إلى القواعد الأميركية ومصالحها الاقتصادية، فيما تكرر وسائل إعلامها أنها تريد علاقات جيدة مع دول الجوار، وأن المشكلة الأساسية في المنطقة تتمثل في وجود القوات الأجنبية. ومن ثم، يمكن القول إن القيادة الإيرانية لم تطلب، حتى الآن، من الحوثيين دعما عسكريا مباشرا في هذه المرحلة.

وفي المحصلة، إذا نظرنا إلى طول أمد الحرب، وإلى طبيعة التصريحات الصادرة عن قيادة الحوثيين، والتي تركز حتى الآن على الدعم السياسي والتهديد اللفظي، يتضح أن قرار الانخراط في الحرب ما زال شديد الصعوبة بالنسبة إليهم. فالحرب الحالية تبدو مواجهة تكسير عظام، ومن غير السهل على أطرافها التراجع عنها بسرعة. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يغيّر الحوثيون موقفهم إذا شعروا بوجود خطر وجودي واضح يهددهم أو يهدد إيران بصورة مباشرة. غير أن هذا الخطر، حتى الآن، لا يبدو حاضرا بالدرجة التي تدفعهم إلى دخول الحرب.