تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

لماذا تظل الشركات الأفريقية أقزاما أو تموت؟

7 أبريل, 2026
الصورة
  لماذا تظل الشركات الأفريقية أقزاما أو تموت؟
Share

أمعنُ النظر ملياً في ظاهرة الاقتصاد الكيني خصوصاً، والأفريقي عموماً، وأتساءل عن الأسباب التي تجعل الشركات الكينية عاجزة عن الاستمرار طويلاً، لتتجاوز أعمار مؤسسيها، والنمو باطراد لتبلغ الأسواق العالمية وتنافس نظيراتها الدولية في عقر دارها، تماماً كما تفعل الكيانات العالمية في السوق الأفريقي. وأزعم هنا أن القارئ الأفريقي سيعتبر هذا التساؤل بحد ذاته ضرباً من الترف الفكري حيال مسألة محسومة سلفاً، ولن أدعي أن الفكرة ذاتها لم تراودني في بادئ الأمر؛ إذ كنتُ – كغيري- أُرجع الأمر إلى ندرة الموارد وضيق حجم الاستثمارات. ورغم كونهما عاملين أساسيين، إلا أن هذا الجواب بات رتيباً بالنسبة إلي، ما دفعني لتقصي البيانات المتاحة وسبر حيثياتها بمنتهى الحصافة، لأكتشف أبعادا متشعبة لم تخطر لي ببال، جعلتني أجسر على اعتبار الاتكال على حجم الاستثمار وحده تفسيرا رئيسا لهذه الظاهرة فشلاً ذريعاً في فهم جذور المسألة.

قبل أن أخوض في تسليط الضوء على تلك الأبعاد التي أتاحت لي البيانات فهمها، أحب الإشارة إلى بعض الأرقام التي تنفي الأعذار النمطية كشح الموارد وحجم الاستثمار؛ فوفقاً للقائمة السنوية لعام 2025 لأكبر 500 شركة في القارة السمراء، بلغ إجمالي إيرادات هذه الكيانات مجتمعةً حوالي 736.8 مليار دولار (بناءً على البيانات المالية المجمعة لعام 2023). ولتدرك حجم "التقزم المؤسسي" الذي أعنيه، فإن هذا الرقم - الذي يمثل حصيلة نشاط أقوى 500 عملاق في قارة بأكملها - يكاد لا يتجاوز دخل شركة أمريكية واحدة تصدرت قائمة 'Fortune 500' لنفس العام، وهي شركة 'Walmart' التي حققت في سنتها المالية المنتهية في يناير/كانون الثاني 2025 إيرادات بلغت 681 مليار دولار وفقاً لبياناتها الرسمية.

أحب أن أرفع مستوى التحدي مع "الغرور الأفريقي" الذي يحاول تلمس الأعذار، من خلال مقارنة حجم السكان بين الولايات المتحدة، والتي لا تتجاوز ~336 مليون نسمة، وحجم سكان الدول الزفريقية الذي يتجاوز ~1.5 مليار نسمة، وهو حجم يتضاعف بنحو 4.5 ضعفاً. أضف إلى ذلك حجم الموارد الطبيعية التي تتمتع بها القارة، والتي تُعد الأغنى عالمياً؛ حيث تستحوذ على حوالي 30٪ من معادن العالم و60٪ من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالمياً، مقارنة بالولايات المتحدة التي لا تمتلك سوى حوالي 11٪ من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً. بينما تظل احتياطياتها من المعادن الاستراتيجية والحرجة أقل بكثير من نظيرتها الأفريقية؛ حيث تعتمد واشنطن على استيراد أكثر من 50٪ من احتياجاتها لـ 51 معدناً مختلفاً وفقاً لبيانات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية (USGS) والبنك الدولي.

مع وضع في الحسبان أن نسبة الفئات العمرية الشابة في أفريقيا هي الأعلى عالمياً، بناءً على تقرير "آفاق السكان العالمية" لعام 2024؛ حيث تمتلك القارة أصغر سكان العالم سناً (بمتوسط عمر يبلغ 19 عاماً) وأسرعهم نمواً، ما يمنحها تفوقاً غير عادل في سياق هذا السباق، مقارنة بنظيرتها الأمريكية التي تعاني من شيخوخة ديموغرافية بمتوسط عمر يتجاوز 38 عاماً. هذا الواقع يجعل من المستحيل على الإنسان الأفريقي الاعتماد على شح الموارد أو قلة اليد العاملة كتفسير أساسي لهذه الظاهرة.

إن إصراري على مقارنة الولايات المتحدة بالقارة الأفريقية برمتها - رغم إدراكي لواقع الأسواق الأفريقية المجزأة - ينبع من حقيقة موجعة بحد ذاتها؛ وهي استحالة مقارنة دولة أفريقية واحدة باقتصادات العالم المزدهرة حالياً. ومع ذلك، تأتي هذه المقارنة بنية مبيتة لاستفزاز "الغرور الأفريقي" الذي أجادل شخصياً بأنه يحمل العبء الأكبر في استدامة هذا التقزم، محاولاً عبر هذا الاستفزاز تسليط الضوء على الفجوة البنيوية التي عجزنا عن جسرها، كأحد أهم أسباب هذه الظاهرة.

جوهر الأزمة: الأبعاد غير الاقتصادية

يمكنني المجادلة على أن جذور الأزمة تعود إلى عمق سحيق يتجاوز تلك العوامل التي يجوز لي اعتبارها أعراضا جانبية، بناء على البيانات المتوفرة، وأميل شخصيا إلى معالجة هذه الظاهرة من زوايا أخرى، كالجوانب السوسيولوجية والثقافية أو حتى النفسية، أكثر من المعالجات الاقتصادية التي قد تعجز عن الوصول إلى الجذور الحقيقية للظاهرة.

أجادل بأن تركيبة المجتمعات الأفريقية القائمة على الولاء القبلي، وطبيعة ثقافتها القائمة على التفكير والتحرك ككتل اجتماعية، والتي تهمش الفردانية بشكل فج، والذي كان يشير إليه جون مبيتي في مقولته التأسيسية: "أنا موجود لأننا موجودون، وبما أننا موجودون، فأنا موجود". هذه البيئة خلقت مزيجا من العوامل الأنثروبولوجية لدى الإنسان الأفريقي التي حافظت على تماسكها على صعيد أسر وقبائل، وهو ما لا يمكنني تغليفه بالتفسيرات السلبية من الناحية الاجتماعية، إلا أنني أجسر على عزو المعوقات التي تحدد قدرة الشركات الأفريقية من النمو الصحي إليها، إذ أن نسبة الشركات العائلية في أفريقيا تمثل العمود الفقري للاقتصاد بنسبة تصل إلى 70٪ من إجمالي شركات القطاع الخاص. حسب تقرير PwC للشركات العائلية في أفريقيا (2023)، وهي نسبة تتقارب ظاهرياً مع نظيرتها في الولايات المتحدة التي تمثل فيها الشركات العائلية حوالي 80٪ إلى 90٪ من إجمالي المنشآت.

إن الفرق الجوهري بين العائلتين الأفريقية والأمريكية هو النظام الإداري، الذي جعل من الإدارة الأفريقية تعتمد على ما كان يسميه غوران هايدن، أستاذ العلوم السياسية والإدارة العامة في جامعة دار السلام، والذي عاش لفترات طويلة في شرق أفريقيا، "متلازمة الرجل الكبير"؛ إذ تعتمد الثقافة الإدارية للقارة السمراء على استراتيجية "One Man Show" بحيث تجعل المؤسس الأفريقي يدير شركته كما لو أنه يدير عائلته، أو قبيلته، من خلال نظام إداري صارم، يحتكر هو القرارات، وقد يكون لهذا الأسلوب أهمية ما في المرحلة التأسيسية التي تكون القرارات السريعة، وتقليل وجهات النظر فيه ذات جدوى، إلا أنه يشكل تهديدا كبيرا على فك ارتباط المؤسسة من مؤسسها، ونقل المؤسسة من كونه "محلا"، أو "دكانا" إلى شركة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية، والتهديدات الخارجية، والحفاظ بقائها، ونموها.

إننا أمام انتحار اقتصادي صامت؛ حيث تصدّر القارة عقولها نتيجة لبيئات العمل الطاردة التي يصممها "الرجل الكبير"، ثم تضطر لاستيراد 'الأنظمة الجاهزة' بأثمان باهظة، في مفارقة تؤكد أن أزمتنا ليست في ندرة الكفاءة، بل في اغترابها عن نظام لا يعترف إلا بالولاء الشخصي

إن هذه الثقافة في نظري هي أحد التجليات الصارخة لإقبال شريحة واسعة من أصحاب الأعمال في شرق أفريقيا على ما يُعرف بـ 'الاستهلاك التفاخري' (Conspicuous Consumption)؛ حيث تُستنزف سيولة الشركات في اقتناء رموز الوجاهة، كالسيارات الفخمة التي تتجاوز الملاءة الحقيقية للمؤسسة. فوفقاً لتقارير الثروة، تحتل نيروبي مرتبة متقدمة عالميا في معدلات نمو الأصول والثروات الفاخرة، وهي مفارقة صادمة عند مقارنة هذا البذخ بواقع الشركات الناشئة والصغيرة (SMEs) التي تخنقها فجوات التمويل؛ إذ تشير تقارير مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة للبنك الدولي إلى أن فجوة التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في أفريقيا تتجاوز حاجز الـ 330 مليار دولار. كما تؤكد بيانات منصات تتبع الاستثمار الأفريقي، أن "شح السيولة" و"سوء إدارة التدفقات النقدية" يظلان المقصلة الحقيقية التي تنهي مسيرة العديد من الشركات الواعدة في كينيا خلال عامي 2024 و2025.

يصف هايدن الرجل الكبير في كتابه No Shortcuts to Progress: African Development Management in Perspective (1983). قائلا: "الرجل الكبير ليس مجرد قائد، بل هو المؤسسة ذاتها. في بيئة تفتقر إلى القواعد الرسمية الصارمة، تصبح السلطة الشخصية هي العملة الوحيدة الموثوقة، حيث يحل "الرجل" محل "النظام" في توجيه دفة الأمور.

بناء على أطروحات غوران هايدن فإن الرجل الكبير يتصف بعدة صفات تجعل من تحقيق نمو يتجاوزه شخصيا أمرا في غاية الصعوبة، فهو من ناحية غير قادر على التفريق بين ذاته وبين المؤسسة، يجد أن السلطة يجب أن تكون مقتصرة عليه، بشكل يميل إلى الغموض الإداري، وهو شخص بطبيعته يعادي وجود رؤية واضحة يمكن الجميع فهمه واستيعابه، واللوائح القوانين المكتوبة، كونها قد تحدد من ممارسة سلطته التي يريد أن تظل مطلقة. وبالتالي يعتمد على الولاء المطلق، والتخلص الفوري من الأصوات التي تختلف مع مزاجه الراهن حسب الظروف، وهو الخطر الأكبر الذي يعيق نمو الشركات، بحيث يخلق بنفسه بيئة تعتمد على رأي شخص واحد، وهو يجعل من الفشل حتميا مهما بلغت عبقريته الفردية، إذ أن النمو عمل جماعي، يستحيل تحقيقه من خلال شخص واحد.

اقتصاد المودة ومنزلقات الخلافة المؤسسية

في المقابل، يقدم هايدن في دراساته في هذا السياق، مصطلحا مثيرا للاهتمام، خلال وصفه الوضع الاقتصادي في تنزانيا، وهو مصطلح "اقتصاد المودة"، يقول هايدن في كتابه: "يعمل الرجل الكبير ضمن "اقتصاد المودة"؛ حيث لا يُقاس النجاح بمقدار تراكم رأس المال لتوسيع المؤسسة، بل بمقدار القدرة على توزيع الموارد لشراء الولاءات الشخصية والحفاظ على المكانة الاجتماعية".

يجدر عليّ في هذا الصدد استحضار المعيار العالمي الذي أرساه البروفيسور جون وارد في كتابه التأسيسي عام 1987 حول استدامة الشركات العائلية، والمشهور بـ "قاعدة 30/12/3". تصف هذه القاعدة التحدي الوجودي للبقاء عبر الأجيال؛ إذ تنجو 30٪ من الشركات فقط للجيل الثاني، وتنحسر إلى 12٪ في الثالث، لتبقى 3٪ فقط صامدة حتى الجيل الرابع. بيد أن هذا المعيار العالمي ـ الذي يُعتبر قاسياً بحد ذاته ـ يبدو "متفائلاً" للغاية عند إسقاطه على الواقع الأفريقي؛ حيث تختلف عقلية المؤسس هناك جذرياً عن نظيره الغربي الذي يعتنق أدبيات "إدارة المؤسسات" كعقيدة بقاء.

فبينما يميل الغرب للمأسسة، تشير بيانات مسح الشركات العائلية في أفريقيا لعام 2023 إلى أن ثلث هذه الشركات فقط (33٪) يمتلك شكلاً من أشكال "خطة التعاقب"، إلا أن الرقم الأكثر دقة وصدمة يكمن في أن أقل من 20٪ منها فقط يمتلك خططاً "موثقة، قوية، ومُعلن عنها". ومع غياب هذا الانضباط المؤسسي المكتوب، تهوي نسبة الاستمرارية في الأسواق الأفريقية الناشئة - بناءً على تقديرات مجموعة (Adili Group) وشبكة ALN القانونية - لما دون الـ 10٪ عند هذا المنعطف الحيوي؛ مما يبرهن على تبعات نظام "الرجل الكبير" الذي لا يزال يرى في مأسسة السلطة، ووضوح الرؤية، واستقلالية القرار، تهديداً وجودياً لقداسة حضوره الشخصي.

الآثار السلبية لمتلازمة "الرجل الكبير" على الاقتصاد الأفريقي

حسب فهمي، فإن هذه البيانات ليست دليلاً على عجز الشركات الأفريقية عن النمو في ظل إدارة الرجل الكبير، إذ أن النمو في تلك المرحلة يعتمد على الكاريزما الفردية والإمكانات الذاتية للمؤسسين، وهو ما شاهدناه بوضوح في ازدهار شركة 'Tuskys' (Tusker Mattresses Ltd) التي تربعت على عرش التجزئة في شرق أفريقيا، وشركة 'Akamba Public Road Services' التي كانت أيقونة النقل العابر للحدود. إلا أن غياب أصحابهما (جورام كاماو وشيرالي ناثو) كان بمثابة نزع لفتيل الاستمرارية؛ حيث دخلت هذه الإمبراطوريات مساراً حتمياً من التفكك المؤسسي، لتعلن إفلاسها لاحقاً، وتتحول إلى ركام من النزاعات القانونية والديون، بعد سنوات من الصراعات المريرة التي لم تكن في جوهرها إلا تجلياً صارخاً لغياب "نظام تشغيل" عابر للأجيال.

تعتمد الثقافة الإدارية للقارة السمراء على استراتيجية "One Man Show" بحيث تجعل المؤسس يدير شركته كما لو أنه يدير عائلته، أو قبيلته، من خلال نظام إداري صارم، يحتكر هو القرارات. قد يكون لهذا الأسلوب أهمية ما في المرحلة التأسيسية التي تكون القرارات السريعة، وتقليل وجهات النظر فيه ذات جدوى، إلا أنه يشكل تهديدا كبيرا على فك ارتباط المؤسسة من مؤسسها

في سياق الحديث عن مثل هذه الظواهر، يجب الاعتراف بأني أعتمد كثيرا على البيانات الدقيقة للنظر إليه، وهو ما يجب أن أتخلى عنه حاليا لتقريب الصورة للقارئ العام، وأسلط الضوء على تبعات هذه الثقافة بلغة مباشرة، للمخاطر الاقتصادية الناجمة عن الثقافة الإفريقية على اقتصادها.

المأزق المعرفي: بين شتات الحكمة الموروثة وصرامة البيانات

من الناحية الفلسفية، لا يمكنني أن أعتبر النمو الاقتصادي أمرا نبيلا يجب على المجتمعات الأفريقية النظر إليه بشيء من التقديس، ما يجعلني لا أعارض الفيلسوف الكيني الراحل مبيتي في كتابه: "الأديان والفلسفة الأفريقية" (1969)، حيث انتقد للثقافة الغربية التي سنحت للفرد مساحة شاسعة لا تبدو أن أفريقيا مستعدة لمجاراتها في وقت قريب، لا يهمني حاليا تأثيرات النهج الأفريقي القائد على إصراره على الحفاظ على تفكيره الجمعي على مستوياته الاجتماعية، إلا أن الأدلة متضافرة بشكل كاسح على عجز العقل الجمعي من التفكير بطريقة موضوعية، وهو ما تصل إليه الدراسات الاجتماعية منذ غوستاف لوبون بأشكال متفاوتة، وهو أحد أكبر المعوقات التي فرضت هذه الثقافة على أبنائها، بينما تتطلب اللعبة الاقتصادية التفكير النقدي والاستراتيجي، على نحو يتحدى الرأي الجمعي.

يمكنني أن أنصف رائد الأعمال الأفريقي الذي يبدو أنه يفهم جيدا سياقه الثقافي، بحيث يضع نصب عينه بعض المسائل الجانبية التي لا تصب في مصلحة مؤسسته من الناحية الاقتصادية، إذ أن الاستثمار في سيارة فارهة تعد أمرا ضروريا في المجتمع الذي يحاول أن يبني فيه شركته، مهما كانت وضع سيولته سيئة للغاية. لكنني أقر على أن هذا تصرف برغماتي بامتياز، وهي مثمرة على المدى القريب، إلا أنها تعتبر من أكثر الممارسات سذاجة من الناحية الاقتصادية الصرفة، وهو ما يشتت ميزانيات الشركات الأفريقية من معالجة القضايا ذات الأولوية من المنظور الاقتصادي البحت.

بين شتات "الحكمة المحلية" ومركزية "البيان العلمي"

لا يتوقف تأثير إدارة "الرجل الكبير" التي تعتمد على العقل الجمعي على حدود المسائل المالية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصطدم بمعضلة منهجية أعمق؛ حيث يفرض عليه اعتداده بانتمائه الاجتماعي النظر إلى تحديات مؤسسته الحديثة من خلال استحضار حكمة أجداده، المتمثل في "حكايات الموروث الثقافي، والأمثال الشعبية" والقوالب النمطية القابعة في ذاكرة العقل الجمعي. ورغم فخري بالتنوع اللغوي الفريد في قارتنا - إذ تضم إثيوبيا وحدها ما يقرب من 90 لغة محلية، وتتجاوز اللغات في كينيا حاجز الـ 50 لغة، إلا أن هذا الثراء يتحول في سياق الإدارة إلى "عائق بنيوي". إن استحضاري لهذا التنوع هنا ليس للاحتفاء المجرد، بل لتوضيح كيف يتجلى "العقل الجمعي" في حدود محلية ضيقة ومجزأة؛ مما يجعل "حكمة الرجل الكبير" رهينة لبيئة جغرافية أو ثقافية صغرى، مهما طال زمن إقامته في العاصمة، وهو ما يتناقض تماماً مع طبيعة المنهج العلمي الحديث الذي يسعى لمركزية البيانات، وتوسيع نطاق المعرفة لتتجاوز الحدود الضيقة نحو أفق استراتيجي شامل.

أحد أكثر العقبات هي غياب الرؤى السياسية التي تعالج المسائل الاقتصادية الكبرى، وضعف البنى التحتية، مع العلم إلا أن مقارنة القارة الأفريقية بالولايات المتحدة قد لا يكون عادلا عند استحضار حقيقة أن الاقتصاد الأفريقي غير موحد، مقارنة بالاقتصاد الأمريكي، إلا أن المقارنة تبقى ذات جدوى لتسليط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الاقتصادين

هذا الانكفاء على "المحلي" خلق نهجاً يهمش - بوعي أو دون وعي- أهم أدوات الإنسان الحداثي: المنهجية العلمية والبيانات الضخمة. وفي عالم أصبحت فيه البيانات تتحدث بسرعة تستدعي المرونة الفائقة، نجد "الرجل الكبير" يزهد في المعايير الأساسية لعلم الاقتصاد، وينظر إلى الدراسات التسويقية بازدراء، مستعيضاً عنها بتكثيف الابتهالات الدينية والاحتماء بالقدسية الثقافية. ومع تقديري لهذه العقلية كأحد أعضاء هذا المجتمع "المبارك"، إلا أنني أشكك في جدوى الركون إلى الغيبيات كبديل للأدوات التي أثبتت فعاليتها في تقليص مساحات الشك لتوسيع مساحات اليقين؛ وهو ما يختصره رائد الإدارة و. إدوارد ديمنج بقوله الساخر: "نحن نثق في الله، أما الآخرون فعليهم تقديم البيانات".

تتجلى هذه الفجوة المعرفية في أرقام صلبة يسهل تتبعها؛ فوفقاً لتقرير اليونسكو للعلوم لا يزال الإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير (GERD) في أفريقيا جنوب الصحراء يقبع عند معدل 0.44٪ من الناتج المحلي، وهي نسبة تكشف عن "زهد" بنيوي في العلم. وبالانتقال لمستوى الإدارة، يبرز تقرير (PwC Africa Family Business Survey 2023) حقيقة صادمة؛ إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من 60٪ من قادة الشركات العائلية في القارة يعتمدون بشكل رئيسي على "الحدس الشخصي" والخبرات المتوارثة، مفتقرين لآليات "الحوكمة الرقمية" والنماذج التنبؤية الموثقة. إننا أمام مفارقة مؤلمة: محاولة قيادة شركات القرن الحادي والعشرين بعقلية "القرية" التي ترفض عبور جسر البيانات نحو العالمية.

إن كان ما أفهمه اليوم دقيقا، - وأرجو أن يكون كذلك - فقد يكون غياب الكفاءات العالية أهم العقبات التي تعيق الشركات الأفريقية من النمو، بعد الأزمة الإدارية، وذلك في سياق عام يتعلق بعوامل أخرى متعلقة بالتعليم أكثر من ارتباطه بالسياق الذي نعالجه الآن، إلا أن هناك جانبا متعلقا بثقافة العمل لدى الثقافة السائدة عند موظفي القارة السمراء، كنتيجة مباشرة لمتلازمة "الرجل الكبير" الذي أريد أن يهيئ لنفسه بيئة ذات معايير محددة.

تتميز الكوادر ذات الكفاءات العالية بخصائص يصعب على الرجل الكبير الاحتفاء بها، خصائص يعول عليها رواد الأعمال الذين نجحوا في بناء المؤسسات العابرة للقارات، واختراق عقودا من الأزمان، مع الاحتفاظ بنسب نمو متفاوتة، خصائص مثل الذكاء، التي تتجلى من خلال حل المشكلات عبر الابتكار، واستقلالية التفكير المتمثلة في التفكير النقدي، وإدارة الفرق من خلال التفكير الاستراتيجي.

في لقاء مسجل، يتحدث تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، عن مؤسسها ستيف جوبز بأنه كان يحب الجدال ويقرّب الأشخاص القادرين على تحديه، واصفاً إياه بأنه كان يمتلك المرونة لتغيير قناعته أمام الحجة الأقوى، رغم حزمه المعروف. لقد امتلك جوبز فهماً عميقاً لهذه الحقيقة التي صنعت نجاح آبل؛ وهو ما عبّر عنه بوضوح في مقابلته الشهيرة مع المحاور "ستيف كروفت" في برنامج (60 دقيقة)، حين سُئل عن نموذج العمل الخاص به: "نموذجي في العمل هو فرقة 'البيتلز'؛ لقد كانوا أربعة شباب كبحوا الميول السلبية لدى بعضهم البعض، ووازنوا بين قدراتهم ليكون المجموع أكبر من حصيلة الأجزاء. هكذا أرى العمل التجاري: الأشياء العظيمة في عالم الأعمال لا ينجزها شخص واحد أبداً، بل ينجزها فريق من الأشخاص".

حسناً، دعنا نتفق أولاً أن كل من يرى نفسه مؤهلاً لإدارة مؤسسة يجب أن يتحلى بقدر كبير من تعالي 'الأنا'، حتى وإن كان ذلك إدارة فريق كروي في ملعبٍ مغمور بأحد الأحياء؛ شخصياً، أعول على تضخم "الأنا" لدى كل من يحاول إنجازاً ما بغض النظر عن التفاصيل، وهو أمر نلاحظه في جميع رواد الأعمال المتفوقين، إلا أن غرور هؤلاء متسلح بفهم إداري يغذي أغراضاً متعلقة بنمو مؤسساتهم، وذلك بشكل يجعلهم يستمدون رضاء غرورهم هذا عبر النتائج التي تحققها المؤسسة ككيان مستقل، حيث يتماهى كبرياؤهم مع قوة "النظام" لا مع قداسة "الشخص"؛ فبينما يرى رائد الأعمال العالمي عظمته في بناء مؤسسة تستطيع الاستغناء عنه، يرى 'الرجل الكبير' عظمته في صناعة تبعية لا يمكنها العيش بدونه.

بناء على ذلك، فبيئة العمل المثالية لـ"الرجل الكبير" هي بيئة مصممة خصيصاً لاستنزاف الكوادر الأكفاء، الذي يستمد رضاء غروره من النتائج التي تسهم فيها جهوده الفردية لنمو الشركة، وهو عادة ما ينزعج من الإدارة التفصيلية التي يفضلها الرجل الكبير، بالإضافة إلى التوتر الذي يسبب له غموض هذا النهج الإداري، وغياب مؤشرات الأداء الرئيسية الواضحة.

إن كل ما يحتاجه هذا الكادر المتميز هو التواصل الواضح بالرؤية، وإقناعه بها؛ وهذه في ظني هي المهمة الأسمى لرائد الأعمال القائد، وهي تتقدم في أولوياتها على الاهتمام بحجم الراتب أو الانضباط الصارم بساعات العمل، وهو ما يختصره برنارد شو بقوله: «يمكن أن يعمل الناس 8 ساعات يومياً من أجل الراتب، و10 ساعات من أجل مدير جيد، و24 ساعة من أجل فكرة يؤمنون بها».

هذا بالضبط ما يمكنني شخصياً أن أجادل بأنه يتسبب بشكل رئيسي في أزمة هجرة الكفاءات الأفريقية إلى خارج القارة؛ فوفقاً لتقديرات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا (UNECA) التاريخية والمستمرة، تقع القارة في فخ "النزيف المزدوج"؛ فهي تخسر أولاً ما يقرب من 2 مليار دولار سنوياً كاستثمارات ضائعة في تعليم كفاءاتها التي ترحل بالمجان لتدعم اقتصادات الغرب، ثم تضطر ثانياً لإنفاق ما يتجاوز 4 مليارات دولار سنوياً لاستقطاب نحو 100 ألف خبير ومستشار أجنبي لسد الفجوة التي تركها أبناؤها. إننا أمام انتحار اقتصادي صامت؛ حيث تصدّر القارة عقولها نتيجة لبيئات العمل الطاردة التي يصممها "الرجل الكبير"، ثم تضطر لاستيراد "الأنظمة الجاهزة" بأثمان باهظة، في مفارقة تؤكد أن أزمتنا ليست في ندرة الكفاءة، بل في اغترابها عن نظام لا يعترف إلا بالولاء الشخصي.

السيادة المستعارة ومفارقة "سافاريكوم"

بناءً على ما سبق، يتضح أن الأزمة لا تكمن في انعدام القدرة على بناء مؤسسات ناجحة من الصفر، بل في "ارتهان الاستمرارية" بنماذج إدارية مستوردة؛ ذاك أن العبور بالشركة من مستوى "الدكاكين" إلى آفاق المؤسسات عابرة القارات ظل في شرق أفريقيا رهيناً باستعارة العقل الغربي لإدارة المورد المحلي. وهناك بالفعل من استطاع كسر قيد "الرجل الكبير" المحلي عبر الارتماء في أحضان "النظام المستورد"، مثل شركة Safaricom؛ والتي أجادل بأن نجاحها المذهل لم يكن نتاج ثورة إدارية محلية، بل كان ثمرة "مأسسة خارجية" فرضتها اتفاقيات الإدارة مع مجموعة Vodafone العالمية.

فمنذ تأسيسها وحتى عام 2020، لم يتربع على كرسي رئاستها أي مواطن كيني، بل تعاقب عليها "خبراء أجانب"، حيث تشير تقارير الحوكمة والتقارير السنوية للشركة إلى أن المناصب القيادية الحساسة - لاسيما في قطاعي التكنولوجيا والمالية- ظلت لسنوات طويلة تحت إدارة كفاءات أجنبية مُعارة من الشركات الأم. ورغم أن هذا النموذج قدّم "حقنة إنعاش" مؤسسية أنقذت الشركة من مصير Tuskys، إلا أنني أراه إنجازاً "بالإنابة"؛ فهو لا يمثل حلاً طويل الأمد لجذور الأزمة، بل هو اعتراف ضمني بعجز العقل الإداري المحلي - تحت وطأة متلازمة الرجل الكبير- عن إنتاج نظام تشغيل ذاتي، مما يجعلنا أمام نجاح "مستعار" يفتقر إلى الأصالة الهيكلية القادرة على التكاثر في بيئات أفريقية أخرى دون استيراد خبراء جدد.

لا يمكنني شخصيا أن اقتصر العوائق التي تهدد نمو الشركات الأفريقية في مفهوم "الرجل الكبير" وحده، فهي أزمة مركبة، ذات أبعاد عدة، ولعل أحد أكثر العقبات هي غياب الرؤى السياسية التي تعالج المسائل الاقتصادية الكبرى، وضعف البنى التحتية، مع العلم إلا أن مقارنة القارة الأفريقية بالولايات المتحدة قد لا يكون عادلا عند استحضار حقيقة أن الاقتصاد الأفريقي غير موحد، مقارنة بالاقتصاد الأمريكي، إلا أن المقارنة تبقى ذات جدوى لتسليط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الاقتصادين، ورغم ذلك كله تبقى المشكلة السوسيولوجية، والثقافية أكثر العقبات تهديدا لنمو الشركات الإفريقية، ما يجعل الحاجة ملحة إلى ثورة ثقافية تسحب الشرعية من الرجل الكبير من أجل مصلحته الخاصة.

نحو ثورة فكرية مستدامة

إن مقالي هذا بحد ذاته محاولة جادة للإسهام في فهم المشكلة بعمق، كخطوة أولية نحو الحل المنشود، ولا يمكنني أن أدعي بأنني أمتلك الطبعة الزرقاء التي توفر الحل الجذري لهذه المشكلة، لا أحد في نظري يمكن أن يدعي ذلك، وأعتقد أن الأمر يتطلب جهدا أمميا، وتعاونا بين قطاعات مختلفة، أهمها قطاع التعليم الذي يشكل حجر الأساس للحل الذي أتصوره، يمكنني تلخيصه من خلال التركيز على تطوير التعليم بشكل يعلّم فيه الطالب كيف يتعلّم بدلا من التعليم التقليدي الذي يهدف إلى حشو معلومات أثبت الواقع عدم قدرته على الحفاظ على صلاحيته في زمن متسارع، يصعب مجاراته إلا بتعليم الناس أدوات تساعدهم على التعلم المستمر، كالتفكير النقدي، والتفكير الإبداعي، والتركيز على تدريس الفلسفة، وترسيخ ثقافة المنهج العلمي، وسلطة البيانات، مع التعاون المباشر مع قطاع الإعلامي، الذي يمكنه خلق ثورة فكرية تتحدى غرور الإنسان الأفريقي المنهمك في الشكليات، ويقوم باستمرار بتداول البيانات الحديثة، وتوثيقها، وأهم من ذلك نشر نقد سلطة المفاهيم النمطية الرائجة، والقائمة على الموروث الثقافي، بشكل يضمن للإنسان الأفريقي نموا مستمرا، لا يجافي هويته الثقافية.

في الختام، أريد التأكيد على أن الأزمة ليست إدارية في المقام الأول، ولا نقصا في الموارد، ولا أظن أن نظرية المؤامرة التي يحب الأفريقي أن يعزو إليه إخفاقاته هو عامل أساسي في هذه الأزمة، مع أنني لا أستبعد وجود تدخلات خارجية تخدم أغراضا لا تصب في مصلحة الشعوب الأفريقية، إلا أن الوقود الذي يشعل الأزمة ذات أبعاد متجذرة في الثقافات الأفريقية، وما ترتب منها من أفكار ترسخت في عقلها الجمعي، وقد آن الأوان إلى التفكير في ثورة فكرية يدفع عجلة الاقتصاد الأفريقي إلى جهة أفضل من واقعها الحالي، كحل طويل الأمد لهذه الأزمة.

المزيد من الكاتب

فكر

إغواء الـ"ستوري" وأوهام حبّ الذات