السبت 18 أبريل 2026
نشرت أكسيل كابو، عام 1991، كتابًا لا يزال يثير الجدل حتى اليوم بعنوان:"ماذا لو رفضت أفريقيا التنمية؟". وفي مراجعة نقدية حادّة، خلص فيليب لافين-دلفيل إلى استنتاج صارم: إن أفريقيا ما بعد الاستعمار أسيرة لأساطيرها الخاصة. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا يزال هذا النداء الواضح يحتفظ بجدواه، ولا يزال يُسمع من جديد.
ارتفعت، عام 1991، في خضمّ النقاش الأفريقي بعد الاستعمار، صوتٌ فريد ومخالف للسائد. إنه صوت أكسيل كابو، المثقفة الكاميرونية الشابة، التي تجرأت على مساءلة محرَّم فكري: ماذا لو رفضت أفريقيا التنمية؟ كتابها، الذي اتخذ طابع الكتيب الناري والصادم، هاجم نظامًا من التدمير الذاتي الأيديولوجي، حيث كانت أفريقيا ما بعد الاستقلال تغوص في الركود والجمود، ولم يكن ذلك بسبب فشل جهود التنمية، بل بسبب توظيف هذه الجهود من قِبل نخبٍ برعت في فنّ الرفض المقنّع.
لخّص فيليب لافين-دلفيل، في مراجعته المنشورة في "دفاتر الدراسات الأفريقية"، هذا الصوت التحذيري في عبارة صادمة: "أنين الرجل الأسود". هذا "الأنين"، خلافًا للشكوى المعتادة بعد الاستعمار، يشير إلى عجز مزمن عن تحمّل التاريخ بجميع أبعاده، سواء تجارة العبيد والاستعمار أو المسؤوليات الداخلية، وإلى عدم القدرة على تجاوز ضحية تحوّلت إلى نظام حُكم.
لم تكتفِ كابو بإدانة الديكتاتوريات الأفريقية أو انتقاد سوء التسيير الاقتصادي، بل وجّهت سهامها إلى جرحها الغائر: إن الثقافة السياسية والفكرية لما بعد الاستقلال. فهذه الثقافة، كما تقول، لم تُنتج مشروعًا مجتمعيًا، بل أنتجت خطابًا عن الفشل الممنهج. إفريقيا، في نظرها، بقيت سجينة خيال التبعية، إذ اعتبرت آليات التقدّم أعداءً باسم نقاء ثقافي متخيَّل.
لا تزال أفريقيا ما بعد الاستعمار سجينة خيال التبعية، حيث تُعيد إنتاج خطاب الفشل تحت ستار الأصالة
تؤكد كابو أن النخب الأفريقية "طهّرت" نفسها من تَغَرُّبها أو "تُوبابيتها toubabisation " (مصطلح شعبي للإشارة إلى التغرّب)، عبر إنشاء خطاب دفاعي يقوم على الزنوجة، والشعور بدونية العالم الثالث، ومناهضة الإمبريالية. وقد اشتغل هذا الخطاب من حيث كونه إيديولوجيا بديلة، حجبت التحديات الحقيقية. لم تعد "التنمية" مجرد طموح، بل إملاءً مهينًا من الغرب، تقابله النخب الأفريقية بانكفاء زبوني، وتمثيل لـ"أصالة" خاوية.
تقدّم كابو مفهومًا استفزازيًا جديدًا هو "الفرايدية" (vendredisme)، إشارةً إلى شخصية "فرايدي" في رواية روبنسون كروزو، لتصف حالة التبعية المتجذّرة في الوعي. فأفريقيا، في هذا النموذج، تظل تنتظر "روبنسون" الذي يرشدها إلى الطريق، رافضة فكرة المبادرة الذاتية. وتصبح التنمية شأنًا يخص المستعمِر، فيما تتحول المجتمعات الأفريقية إلى مستهلكة سلبية للمساعدات الخارجية.
الأنين المزمن لا يعكس ألمًا مشروعًا فحسب، بل يشكّل قيدًا ذهنيًا يجب التحرر منه
الرفض المتكرر لاكتساب التكنولوجيا الغربية – لاعتبارها أدوات استلاب – يعمّق هذا التهميش. ولم يعد الأمر يتعلق برفض عفوي، بل بنظام اعتقادي يُضفي طابعًا جوهريًا على الفارق الثقافي، ويخلطه بمشروع سياسي. والنتيجة: مأزق ذهني حيث يحلّ تمجيد الماضي محلّ أي دينامية نحو المستقبل.
تكمن فرادة كابو في رفضها الفصل بين المسؤوليات، فهي لا تُبرئ لا الغرب ولا أفريقيا. وإذا كانت سياسات المساعدات الدولية قد غذّت دوّامة التبعية، فلأنها وجدت في النخب الأفريقية شركاء متحمسين. ويُغذّي "النيوباتريمونيالية" التي وصفها جان -فرانسوا بايار – أي "سياسة البطن" – نظامًا من إعادة التوزيع يقوم على الاستيلاء على الموارد الخارجية.
لم تعد المساعدة التنموية أداة للتغيير، بل أصبحت ريعًا. تُبقي النخب الحاكمة في مواقعها، وتمنع أي مراجعة بنيوية. وهنا تسبق كابو التحول النيوليبرالي في التسعينيات، عندما بدأت المؤسسات المالية الدولية تفرض سياسات التكييف الهيكلي التي أنهكت الشعوب دون أن تمسّ جوهر النهب السياسي.
ما لم تتحرر أفريقيا من ثقافة الضحية وأساطيرها التأسيسية، ستظل رهينة تنمية مستوردة تُعيد إنتاج هشاشتها
ما يجعل كتاب أكسيل كابو أكثر وقعًا، بحسب فيليب لافين-دلفيل، هو موقعها الخاص: امرأة أفريقية من النخبة الحضرية، تنتقد أقرانها من الداخل. هذا الخطاب، الذي غالبًا ما يُنسب إلى اليمين المتطرف أو النيوليبرالية الغربية، يأخذ هنا معنًى مختلفًا. فكابو تستشهد بفانون ونكروما، لا لتمجيد الماضي، بل لتذكيرنا بأن المشروع الحقيقي للتحرر الأفريقي الشامل قد انحرف عن مساره.
إنها لا تدعو إلى التخلي عن التضامن الدولي، بل إلى إعادة تعريفه. وتقول أفريقيا لن تتمكن من أن تكون ذاتها ما دامت ترفض الحداد على أساطيرها التأسيسية. فهي لا تنادي برفض الغرب، بل تدعو إلى استعادة واعية وموجّهة لمكتسباته، كما فعلت اليابان التي استطاعت أن تستوعب دون أن تستسلم للاغتراب.
لا تقدّم كابو حلولًا جاهزة. بل تدعو إلى ثورة ذهنية، إلى قطيعة رمزية مع زمن الاستقلالات المتخيلة. وتكتب أن الشباب الأفريقي قد سئم من الانتماء إلى قارة "بائسة، معقّدة، وكاذبة". جيل جديد، محروم من الأفق، بدأ يطالب بالمحاسبة. لم يعد وقت النواح، بل وقت تحمّل المسؤولية.
يختم لافين-دلفيل بتذكير مهم: نهاية النظام ما بعد الاستعماري لا تعني بالضرورة قيام منطق رياديّ جديد. فقد يفتح تراجع الدولة الباب أمام ديناميات جديدة، لكنه قد يعرّض المجتمعات في الوقت نفسه للفوضى المطلقة. والمأزق هنا مزدوج: إما الاستمرار في رفض التنمية، أو السقوط في نيوليبرالية عارية من أي ضمانات.
بعد أكثر من ثلاثين عامًا على صدور هذا النص، لا يزال صدى صرخة أكسيل كابو قويًّا. فخطاب الضحية لا يزال حاضرًا، بل تعزّزه أحيانًا أشكال جديدة من التبعية الرقمية أو الهجرة القسرية. ومع ذلك، فإن شروط التحوّل قائمة. فـ"أنين الرجل الأسود" ليس قدرًا محتومًا، بشرط أن نراه على حقيقته: لا بوصفه شكوى مشروعة، بل باعتباره قيدًا ذهنيًا لا بد من كسره.
وأخيرا وليس آخرا، وفي ضوء ما أثارته أكسيل كابو من نقد حاد وعميق، وما أماطت عنه الغطاء من تناقضات داخلية في الخطابات الأفريقية حول التنمية، يبدو أن التحدي لم يعد محصورًا في كيفية تحقيق النمو الاقتصادي، بل في إعادة تعريف التنمية ذاتها: لمن؟ وكيف؟ وعلى أي أسس قيمية وثقافية؟ فالتقسيم الراهن بين فريقين: "أفارقة متفائلين" الذين يرون في أفريقيا قارة المستقبل، و"أفارقة متشائمين" يتوقعون تفاقم الأزمات البنيوية، يكشف عن انقسام في التصورات أكثر منه في المعطيات.
لقد آن الأوان لأفريقيا أن تسائل ذاتها بجرأة: هل نملك مشروعًا حقيقيًا للتحرر؟
نعم، هناك مؤشرات على نمو اقتصادي متسارع، وفرص واعدة في مجالات الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، التي قد تمثّل نقطة تحول حقيقية. لكن هذه التحولات لن تكون ذات معنى ما لم تترافق مع إصلاحات سياسية عميقة، وتحرر من ذهنية التبعية، وبناء لثقافة المسؤولية والمبادرة الذاتية، كما دعت إليه كابو منذ ثلاثة عقود.
إن أفريقيا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستثمر هذا النمو لتأسيس مشروع نهضوي قائم على العدالة الاجتماعية والسيادة المعرفية، وإما أن تستسلم لأوهام التنمية المستوردة التي تُعيد إنتاج الهشاشة والتبعية بأقنعة جديدة. لقد آن الأوان لأفريقيا أن تسائل ذاتها بجرأة: هل نملك رؤية مجتمعية نابعة من واقعنا وتاريخنا؟ هل نملك شجاعة نقد الأساطير المؤسسة لخطاباتنا السياسية والتنموية؟ هل نملك أدوات إعادة تشكيل العلاقة مع العالم من موقع الندّية لا التوسّل؟ إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تناقضات وفرص، تفرض فتح نقاش فكري جماعي حول مآلات القارة، لا على مستوى الأرقام والمؤشرات فحسب، بل على مستوى المعاني والخيارات الحضارية.