تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

لماذا تبقى واشنطن في الصومال وتنسحب من الساحل؟ إعادة ررسم خريطة "الحرب على الإرهاب" في إفريقيا

14 ديسمبر, 2025
الصورة
لماذا تبقى واشنطن في الصومال وتنسحب من الساحل؟ إعادة ررسم خريطة "الحرب على الإرهاب" في إفريقيا
Share

تواصل الولايات المتحدة الأميركية حربها على الإرهاب في الصومال بوتيرة ثابتة، في وقت تراجعت فيه عملياً عن مسرح الساحل الإفريقي، رغم أن المنطقة الممتدة من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو تُوصَف اليوم بأنها أخطر بؤرة إرهابية في العالم. هذا التباين اللافت في التموضع العسكري يطرح تساؤلات حول أولويات واشنطن، وحدود التزامها بمكافحة التنظيمات المتطرفة خارج نطاق مصالحها المباشرة.

وفق تقديرات خبراء في الشؤون الإستراتيجية، ترى واشنطن في حركة الشباب الصومالية تهديداً مباشراً لمصالحها وحلفائها، ليس فقط بوصفها تنظيماً تابعاً للقاعدة، بل لارتباط مجال نشاطها بممرات بحرية تُعد من الأهم عالمياً، وفي مقدمتها باب المندب وخطوط الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر. هذه الممرات تشكل شرياناً رئيسياً لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب كبير فيها ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي وعلى الأمن القومي الأميركي.

في المقابل، تبدو الصورة مختلفة تماماً في دول الساحل، حيث تتصاعد هجمات تنظيمات موالية للقاعدة وداعش في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ورغم خطورة هذه الهجمات على الاستقرار الإقليمي، فإن تلك الدول حبيسة لا تطل على ممرات بحرية استراتيجية، ولا تُمثّل، في القراءة الأميركية الضيقة للمصالح، تهديداً مباشراً للملاحة العالمية أو للأراضي الأميركية، بل عبئاً أمنياً وإنسانياً يقع ثقلُه الأكبر على أوروبا والدول الإفريقية المجاورة.

ويشير مراقبون إلى أن الفارق الجغرافي يختلط بعامل سياسي حاسم؛ إذ تحوّلت بيئة الساحل خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء معادٍ للوجود الغربي بعد سلسلة الانقلابات العسكرية. فقد أطاحت مجالس عسكرية بالحكومات المنتخبة في مالي ثم بوركينا فاسو والنيجر، ورفعت شعارات "السيادة" ورفض "الإملاءات الأجنبية"، وتوجّهت تدريجياً نحو شراكات أمنية وعسكرية مع روسيا على حساب التعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا وشركاء غربيين آخرين.

هذا التحوّل السياسي أدى عملياً إلى انهيار الأطر الأمنية التي كانت واشنطن تعتمد عليها في العمل الميداني، من قواعد جوية للتجسس والطائرات المسيّرة إلى برامج تدريب الجيوش المحلية. ومع غياب شريك محلي موثوق، لم يعد للوجود العسكري الأميركي في الساحل غطاء سياسي أو فائدة عملياتية واضحة، ما مهّد لقرار الانسحاب وتقليص الانخراط المباشر، رغم تزايد مؤشرات الخطر الإرهابي على الأرض.

في الصومال، تبدو المعادلة معكوسة تقريباً. فالحكومة الفيدرالية في مقديشو، رغم هشاشتها، ما زالت تطلب دعم واشنطن وتنسق معها عن كثب في العمليات ضد حركة الشباب. وتُنفذ الولايات المتحدة ضربات جوية مركزة، وتشارك في تدريب وحدات خاصة في الجيش الصومالي، في نموذج "بصمة عسكرية خفيفة" يخدم مصالحها بتكلفة أقل سياسياً وبشرياً مقارنةً بنشر قوات برية كبيرة.

ويرى محللون أن أي فراغ مفاجئ في الصومال قد يفتح الباب أمام تمدد حركة الشباب وتحوّلها إلى تهديد أكبر للملاحة في خليج عدن وباب المندب، خصوصاً في ظل اضطرابات البحر الأحمر وهجمات الحوثيين على السفن. لذلك تميل واشنطن إلى الإبقاء على وجود عسكري واستخباراتي محدود لكنه فعّال، باعتباره استثماراً وقائياً في حماية خطوط التجارة العالمية.

في المقابل، أدى انسحاب القوات الغربية من الساحل إلى خلق فراغ أمني واسع استغلته التنظيمات المتطرفة لتوسيع نفوذها. وباتت جماعات تابعة للقاعدة وداعش تتحكم في مساحات شاسعة من الأرياف والطرق، وتفرض الضرائب على السكان، وتعمل بشكل أقرب إلى “كيانات شبه دول”، في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن إفريقيا باتت مسؤولة عن نحو نصف وفيات العمليات الإرهابية في العالم.

ورغم خطورة هذا الوضع، يبدو أن واشنطن تتعامل معه كأزمة إقليمية أكثر من كونه تهديداً مباشراً لأمنها القومي. فالساحل، بعكس القرن الإفريقي، لا يحتضن ممرات بحرية حيوية ولا بنى تحتية للطاقة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، ما يجعل كلفة الانخراط العسكري المباشر أعلى من العائد المتوقع، خاصة في بيئة سياسية ترفع شعار طرد القوات الأجنبية وتبحث عن بدائل روسية.

ويختزل عدد من الخبراء الموقف الأميركي بعبارة واحدة: الولايات المتحدة لا تحارب الإرهاب حيثما يكون أخطر بالضرورة، بل حيثما يمسّ مصالحها الحيوية أو حيث تتوفر بيئة سياسية تسمح بعمل عسكري واستخباراتي مستقر. من هذا المنظور، يصبح استمرار العمليات في الصومال وانسحابها من الساحل مسألة أولويات إستراتيجية أكثر منها تناقضاً في الالتزام بمكافحة الإرهاب.

وبينما تتجه واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية عالمياً والتركيز على منافسة القوى الكبرى كالصين وروسيا، يُخشى أن يتحول الساحل الإفريقي إلى “جبهة منسية” يدفع ثمنها ملايين السكان، فيما تظل الصومال ساحةً أساسية في حسابات الأمن البحري العالمي، وبالتالي في أجندة الحرب الأميركية على الإرهاب.