تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

لماذا نشجّع الضعفاء؟

6 يوليو, 2026
الصورة
لماذا نشجّع الضعفاء؟
Share

منتخب الرأس الأخضر لم يفز بكأس العالم، لكنه كسب شيئا لا تمنحه البطولات دائمًا: تعاطف الناس واحترامهم، لأنهم رأوا فيه أكثر من منتخب... رأوا فيه حكاية الإنسان وهو يواجه ما يبدو أكبر منه.

خرج منتخب الرأس الأخضر من كأس العالم أمام الأرجنتين بنتيجة 2-3 بعد الوقت الإضافي، لكنه لن يخرج من ذاكرة بطولة كأس العالم بسهولة. ففي مباراة بدا الفارق فيها واضحًا على الورق، قدّم منتخب صغير من حيث التاريخ والإمكانات واحدة من تلك العروض الكروية التي تجعل كرة القدم أكبر من النتيجة.

لم يكن الدعم الواسع الذي حظي به الرأس الأخضر بعد المباراة، وخلال مسيرته في البطولة، مجرد احتفاء بأداء شجاع وملحمي، بل كان تعبيرًا عن شيء أعمق: ميل إنساني قديم إلى الوقوف مع الطرف الأضعف أو الأقل حظًا حين يواجه قوة كبرى.

لا يتعلق الأمر بكرة القدم وحدها، ولا بمنتخب الرأس الأخضر تحديدًا. فالميل إلى تشجيع الطرف الأضعف يكاد يكون سمة إنسانية بارزة تتكرر في ثقافات وحقب تاريخية مختلفة، حتى خارج الملاعب. فمنذ أقدم الحكايات والأساطير، انحاز الناس إلى البطل الذي يواجه خصمًا يفوقه قوة، من قصة داود وجالوت، إلى أسطورة روبن هود الذي تحدّى سلطة الأقوياء، وانحاز إلى الفقراء، وصولًا إلى عشرات الحكايات الشعبية التي تنتصر فيها الشجاعة على القوة، والذكاء على النفوذ. ولعل كرة القدم ليست سوى المسرح الأكثر جماهيرية الذي يُعاد فيه تمثيل هذه الحكاية القديمة، مرة تلو الأخرى.

الجماهير لا ترى في الرأس الأخضر مجرد منتخب أفريقي محدود الإمكانات، بل ترى دولة صغيرة تحاول أن تفرض حضورها في مواجهة بطل العالم، وترى لاعبين لا يملكون التاريخ نفسه ولا الموارد نفسها، لكنهم يملكون الجرأة على الحلم

غير أن التعاطف مع المنتخبات الصغيرة لا ينبع من ضعفها أو قلّة خبرتها، وإنما من القصة التي تمثّلها. فالجماهير لا ترى في الرأس الأخضر مجرد منتخب أفريقي محدود الإمكانات، بل ترى دولة صغيرة تحاول أن تفرض حضورها في مواجهة بطل العالم، وترى لاعبين لا يملكون التاريخ نفسه ولا الموارد نفسها، لكنهم يملكون الجرأة على الحلم.

ترى في حارس المرمى فوزينينا نموذجًا للاعب الذي انتقل، خلال أسابيع قليلة، من اسم لا يعرفه كثيرون إلى أحد أبرز وجوه البطولة. ولهذا يتحول التشجيع، في كثير من الأحيان، من انحياز لفريق كرة قدم إلى انحياز لفكرة أوسع: أن التفوق لا يُقاس دائمًا بحجم الدولة، ولا بعدد البطولات، ولا بقيمة اللاعبين في سوق الانتقالات.

المباريات الكبرى ليست مجرد صراع بين منتخبين، بل هي مساحة حرّة يعيد فيها الناس تمثيل أفكار أقدم من الرياضة نفسها؛ كالعدالة، والأمل، وإمكانية انتصار الهامش على المركز

من منظور أنثروبولوجي، لا يتعلق الأمر بنتيجة المباراة وحدها، بل بالمعنى الذي تمنحه الجماهير للمنافسة. فالمباريات الكبرى ليست مجرد صراع بين منتخبين، بل هي مساحة حرّة يعيد فيها الناس تمثيل أفكار أقدم من الرياضة نفسها؛ كالعدالة، والأمل، وإمكانية انتصار الهامش على المركز. ولعل هذا ما يفسر لماذا يتحول المنتخب الصغير، في كل بطولة تقريبًا، إلى ممثل رمزي لكل من وجد نفسه يومًا في مواجهة خصم أقوى منه، سواء كان فردًا أو جماعة أو حتى دولة.

لهذا السبب لا تشجع الجماهير المنتخب الأضعف لأنه أقل قوة أو أقل تتويجًا بالألقاب، تشجعه ببساطة لأنها ترى فيه شيئًا من نفسها، أو لمحة من شيء كانت عليه. فمعظم الناس مرّوا، في مرحلة ما من حياتهم، بتجربة الوقوف في مواجهة خصم أكبر منهم؛ لاعب هاوٍ ينافس زملاء أكثر خبرة، أو موظف يبدأ خطواته الأولى في الشركة، أو مجتمع صغير يحاول إثبات حضوره بين قوى أكبر. ولهذا يصبح الانتصار المحتمل للمنتخب الصغير انتصارًا رمزيًا لكل من يؤمن بأن الإرادة قد تعوض فارق الإمكانات، وأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، وإنما الحالمون أيضًا.

نحن نشجع الضعفاء؛ ليس لأننا نحب الهزيمة، بل لأننا لا نريد أن نفقد إيماننا بأن المعجزات ما زالت ممكنة

ربما لهذا السبب الإنساني لم يحزن كثيرون على خروج منتخب الرأس الأخضر بقدر ما احتفلوا بما حققه من إنجاز يستحق التغني به. فالمنتخبات الصغيرة قد تخسر المباريات وتخرج من البطولات خالية الوفاض، لكنها كثيرًا ما تكسب تعاطف العالم واحترامه. قصة الرأس الأخضر تذكرنا بحقيقة بسيطة: نحن نشجع الضعفاء؛ ليس لأننا نحب الهزيمة، بل لأننا لا نريد أن نفقد إيماننا بأن المعجزات ما زالت ممكنة.

المزيد من الكاتب