الجمعة 12 ديسمبر 2025
يخوض الأرشيفيون والمؤرخون الصوماليون على منصات الإنترنت مثل: إكس ويوتيوب وتيك توك معركة صامتة، لكنها عميقة، ضد محو عناصر حيوية من تاريخنا وثقافتنا. من دون جهود هؤلاء، ومن دون دعمنا العاجل، سوف نواجه خطر تلاشي قصصنا في صمت تام داخل هوة النسيان.
قبل فترة وجيزة، وبينما كنت أفتّش في أوراق العائلة بحثًا عن شهادة ميلادي، صادفت فجأة مجموعة استثنائية: حزمة من الرسائل صادرة عن "جبهة تحرير الصومال الغربي" (WSLF)، كانت من بينها رسائل تضامن، تعترف بمعاناة اللاجئين القادمين من إقليم أوغادين، وتحثّ القراء على دعم والدي، الذي كان آنذاك يستعد للسفر إلى القاهرة للدراسة في جامعة الأزهر.
لكن دعم الجبهة لم يكن مجرد كلمات، فقد كانت رحلته إلى القاهرة، ودراسته هناك، مهددة بالتعطيل أو حتى الإلغاء، بسبب تعقيدات البيروقراطية. لم تكن وزارة التعليم المصرية ولا جامعة الأزهر تعترفان بتعليمه في إثيوبيا. فهذه الأخيرة، من منظورهم، ليست دولة عربية، وبالتالي لم يكن بوسعه، رغم خلفيته العميقة في العربية والدراسات الإسلامية، إثبات مؤهلاته الأكاديمية. عندها تدخلت الجبهة، وبالتعاون مع السلطات الصومالية، أعادت تصنيف شهاداته، وبعد اختبارات قصيرة في مقديشو، نال الاعتراف، وحصل على تأشيرة السفر، وبدأ دراسته في مصر. والباقي، كما يُقال، أصبحت من التاريخ.
ما شدّني في هذه الوثائق لم يكن فقط قيمتها التاريخية، بل الرغبة الفورية في مشاركتها - مع شخص بعينه كنت أعرف أنه سيقدّرها حقّ التقدير: عبد المالك علي ورسمه، باحث وأرشيفي مهتم بتاريخ القرن الأفريقي، لا سيما التاريخ العسكري والتدخلات الأجنبية، والحركات السياسية الإسلامية، وهو مؤسس موقع الأرشيف الصومالي.
يصف تدمير الأرشيف الوطني الصومالي أثناء الحرب الأهلية بـ"المحرقة المعرفية" - وصف ليس فيه شيء من المبالغة
لطالما أثّر عمل ورسمه فيّ بعمق، خصوصًا تدويناته عن جبهة تحرير الصومال الغربي وإقليم أوغادين - موطن طفولتي وذكرياتي. ما يقدّمه لا ينتمي إلى "صناعة المحتوى" كما تُفهم غالبًا، بل إلى فعل مقاومة ضد المحو والإزالة. هو حافظ للذاكرة، وجزء من حركة أوسع من الأرشيفيين الذين يعملون على بناء أرشيف بديل - لا تملكه الدول أو المؤسسات، بل ينتمي للناس العاديين. أرشيف يتحرر من الروايات الرسمية، ومن رفوف المؤسسات المنهارة، وخزائن المتاحف الاستعمارية المغلقة.
يستعيد ورسمه لحظة وعيه بهذا العمل قبل نحو خمس سنوات، حين أدرك أن عدد الصوماليين العاملين في هذا المجال الحيوي ضئيل للغاية. ويصف تدمير الأرشيف الوطني الصومالي أثناء الحرب الأهلية بـ"المحرقة المعرفية" - وصف ليس فيه شيء من المبالغة.
في المقابل، تنفق دول غنية مثل: الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة مئات الملايين - وربما مليارات - الدولارات على مشاريع الأرشفة والحفظ. هناك، لا شيء يُعتبر تافهًا: كل شيء يُوثق، من القطع الأثرية إلى أدوات المطبخ من سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بتذاكر السفر وصكوك الأراضي، وصور العائلات، وصناديق رقائق الذرة. تُبنى مستودعات مبردة وسُحب رقمية، يعمل فيها مؤرخون متخصصون، وبدعم حكومي سخي.
في ظل هذه الفجوة، لا يصبح عمل الأرشيفيين المستقلين مثل ورسمه ترفًا أو هامشًا - بل ضرورة وجودية. فإذا لم نروِ قصتنا بأنفسنا، فإن الآخرين سيفعلون ذلك بدلًا عنّا - غالبًا في مؤسسات مغلقة أو عبر منصات مدفوعة تحجب عنا تاريخنا.
الصومال، كحال العديد من الدول التي عصفت بها الحروب والانهيارات، لا يملك رفاهية المؤسسات. عقود من الصراع والإهمال جعلت ذاكرة البلاد عرضة لما يسميه ورسمه بـ"الاختفاء في العدم". وهذه ليست استعارة، بل واقع ملموس.
لفهم عمق هذه الأزمة، تحدثتُ مع الدكتورة صفية عيديد، المؤرخة المتخصصة في تاريخ أفريقيا الحديثة، والأستاذة بجامعة تورنتو. أعربت عن قلقها من التدهور المستمر الذي يطال أرشيفات وقطعًا أثرية صومالية، وتحدثت عن ضرورة تولّي المجتمعات زمام المبادرة، قائلة: "هذا العمل ليس مجرد مبادرة مهمة، بل ضرورة ملحّة، في ظل الغياب شبه التام للبُنى المؤسساتية التقليدية في الأراضي الصومالية".
حين لا يُحفَظ التاريخ، لا يُنسى فحسب - بل يُمحى. والمحو لا يحدث فقط بالغزو أو القمع، بل عبر الإهمال: وثائق لم تُرقمن، روايات لم تُسجّل، وسجلات تُركت لتتعفّن في الظلام. وفي بلد مزقته الحروب، وتقطّعت فيه أوصال الذاكرة بين الأجيال، يتضاعف الخطر.
ما يقوم به هؤلاء الأرشيفيون هو إعادة تركيب الرواية الصومالية - بوسائلنا نحن، ومن داخلنا. دعمهم ليس ترفًا، بل ضرورة بقاء. والتنسيق بيننا ليس أفضل خيار - بل الخيار الوحيد
في ظل غياب الدولة، ظهرت مبادرات شعبية. على تيك توك، يوثق حساب "somali.archived.history" مقاطع من الذاكرة الوطنية، من زيارة الرئيس محمد حاجي إبراهيم عقال للبيت الأبيض عام 1969، إلى سباق خاضه العداء عبد بِلي في زيورخ عام 1987. قناة "Taariikh Archive" على يوتيوب، ونشرة "Socialist Somalia" على منصة Substack، تقدّمان محتوى أرشيفيًا عن فترة حكم سياد بري. كما انتشرت مقابلات وشهادات لمن عايشوا لحظات مفصلية في التاريخ الصومالي.لكن معظم هذه المبادرات تبقى مجهودات فردية، محدودة في النطاق، وغير كافية لمواجهة خطر المحو.
لنتخيّل شبكة عالمية: شخص في لندن يرقمن وثائق لأحدهم في تورنتو، وآخر في مقديشو يفتح خزانة مغلقة منذ عقود. هذه الإمكانيات كبيرة، لكنها مرهونة بالتنسيق والثقة، والهدف المشترك.
تصف الدكتورة عيديد هذه الجهود بأنها "دمقرطة لممارسات الأرشفة"، تهدف إلى جعل المواد التاريخية متاحة للعامة. ما يقوم به هؤلاء الأرشيفيون هو إعادة تركيب الرواية الصومالية - بوسائلنا نحن، ومن داخلنا. دعمهم ليس ترفًا، بل ضرورة بقاء. والتنسيق بيننا ليس أفضل خيار - بل الخيار الوحيد.
تقترح عيديد أن الجهود المنسقة قد تستقطب تمويلًا جامعيًا أو أمميًا. بل يمكن للتعاون بين الأرشيفيين المستقلين والمؤسسات أن يُشكّل علاقة تكامل، لا تناقض - شبكة أمان للذاكرة المستعادة.
ويرى ورسمه أن الشتات الصومالي يتحمل مسؤولية كبرى، لما يمتلكه من أدوات وقدرة وصول. آلاف الوثائق الصومالية مكدسة اليوم في مكتبات جامعية غربية، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا. تخيل شبكة صغيرة من أبناء الشتات يكرّسون بضع ساعات لمسح هذه الوثائق ومشاركتها. وتقول عيديد: "كل ما تحتاجه هو كاميرا هاتف وتطبيق مسح ضوئي".
إذا لم نروِ قصتنا بأنفسنا، فإن الآخرين سيفعلون ذلك بدلًا عنّا - غالبًا في مؤسسات مغلقة أو عبر منصات مدفوعة تحجب عنا تاريخنا
غير أن وسائل التواصل الاجتماعي تظل أرضًا هشّة؛ قد تُحظر المنشورات أو تُغلق الحسابات أو تتبدّل الخوارزميات بلا إنذار. والرقابة قد تتسلّل تدريجيًا، ثم تهبط فجأة. ويكفي أن يتعطّل موقع واحد، أو يُمحى مجلد رقمي، لنفقد مواد لا تُقدّر بثمن.
ذكريات أهلنا لا تزال بيننا، لكنها غير موثقة. قصصنا مبعثرة بين القارات واللغات والمنافي. إن لم نحفظها الآن، فقد لا نتمكن من استعادتها أبدًا. لهذا السبب، يجب حماية هذا الجهد من هشاشة المنصات. لا تثقوا بالكامل بالتقنيات. انسخوا منشوراتكم. استضيفوا مقالاتكم وأرشيفاتكم على مواقعكم الخاصة. خزّنوا كل شيء على أقراص صلبة وخوادم مستقلة. شاركوا مع من تثقون. استخدموا المنصات، لكن لا تكونوا رهائن لها.
نحن نعيش لحظة حاسمة. ذاكرة الجيل السابق لا تزال حية، لكنها لم تُؤرشف بعد. إن لم نتحرك الآن، فقد تضيع إلى الأبد. فحفظ ذاكرة الصوماليين ليس مسؤولية فرد، ولا جيل. إنها مسؤوليتنا جميعًا. سواء كنت تمسح رسالة قديمة لجدّك، أو تحفظ تسجيلًا لصديق، أو تسأل والديك سؤالًا لم تسأله من قبل - فأنت تقوم بدور أساسي في معركة الذاكرة.
لقد واجه من سبقونا التهجير والشتات بالإصرار على حفظ الثقافة واللغة. واليوم، تقع علينا مسؤولية صيانتها وتعزيزها - خاصة في الفضاء الرقمي.
علينا أن نضمن أن ترث الأجيال القادمة سجلًا حقيقيًا لما كنّاه، لا ما قيل إننا كنّاه. وكما قال عبد المالك علي ورسمه: "الصوماليون الذين يهتمون حقًا بحفظ تاريخنا لا ينبغي لهم الانتظار أو حبس أنفاسهم بانتظار أن تبادر المؤسسات أو الحكومات. لدينا الأدوات، والوصول، والقدرة الجماعية على استعادة ملكيتنا لماضينا - إن نحن أردنا أن نبذل الجهد لذلك."