السبت 14 مارس 2026
شهد العالم خلال العقود السبعة الأخيرة تحوّلات اقتصادية كبرى غيّرت معالمه على نحو جذري. فقد استطاعت «النمور الآسيوية» - كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وسنغافورة وغيرها - أن تتجاوز الإرث الثقيل للاستعمار الياباني والبريطاني، وتعيد بناء مؤسساتها لتتحوّل إلى فاعل مركزي في الاقتصاد العالمي. وفي مسارٍ موازٍ، تمكّنت جمهورية الصين الشعبية من النهوض بعد صدمات «مذبحة نانجينغ»، وما تبعها من اضطرابات الثورة الشيوعية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي - بما فيها «القفزة الكبرى إلى الأمام» و«الثورة الثقافية» - لتتبوأ موقع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
أسفرت هذه التحولات الاستثنائية عن انتشال مئات الملايين من الفقر، وارتقت ببلدان آسيا إلى مكانة رفيعة في النظامين الاقتصادي والسياسي الدوليين. وعلى نحو أقل، حققت أميركا اللاتينية بدورها خطوات ملموسة على طريق التنمية. غير أنّ القارة الأفريقية ما تزال تعاني ركودًا مزمِنًا يبدو عصيًّا على الانفراج، على الرغم من بشاعة تجارب الاستعمار والفصل العنصري التي مرّت بها.
فقد قادت أنظمة الحزب الواحد أو الدكتاتوريات الحازمة في آسيا مسار الخروج من الفقر والتخلّف، بينما ظلّت الدول الأفريقية بعد الاستعمار تتعثر بين أنظمة استبدادية وحكومات ديمقراطية عاجزة. ومع استثناءات محدودة - مثل بوتسوانا وموريشيوس ورواندا - لم تتمكن أيّ من الصيغتين، الاستبدادية أو الديمقراطية، من إحداث اختراق اقتصادي واسع يغيّر أوضاع الأغلبية، أو يمنح القارة موقعًا يحظى بالاحترام بدلًا من الرثاء.
تتجلّى إحدى العلامات الأكثر دلالة على هذا المأزق في المشهد المتكرر لقمم «الصين–أفريقيا» و«فرنسا–أفريقيا» و«روسيا–أفريقيا» و«الولايات المتحدة–أفريقيا»، وأخيرًا «تركيا–أفريقيا»، حيث يتسابق القادة الأفارقة إلى العواصم الأجنبية. وغالبًا ما تهدف هذه اللقاءات إلى استتباعهم ضمن أجندات سياسية واقتصادية للدول المضيفة، فيما تغيب تمامًا القدرة على بلورة أجندة أفريقية موحّدة، تُعبّر عن مصالح القارة واستقلال قرارها.
يكمن السؤال الجوهري في: كيف نجح الحكّام الاستبداديون - ثم لاحقًا الديمقراطيون - في آسيا في قيادة مسارات تنمية اقتصادية صاعدة داخل مجتمعاتهم، بينما فشل نظراؤهم في أفريقيا، سواء كانوا دكتاتوريين أو ديمقراطيين، في كسر حلقة التخلّف الراسخة؟
لا يمكن ردّ هذا التباين إلى أطروحة تفسيرية واحدة، غير أنّ ثمة مسارين بارزين يقدّمان بعض الإيضاحات: أولهما غيابُ وعيٍ سياسي عميق بالدور المركزي للدولة في إعادة ابتكار المشروع الوطني، وثانيهما هيمنة نخب مترفة انغمست في خدمة مصالحها الخاصة، وأخفقت في إدراك رسالتها الوطنية.
قادت أنظمة الحزب الواحد أو الدكتاتوريات الحازمة في آسيا مسار الخروج من الفقر والتخلّف، بينما ظلّت الدول الأفريقية بعد الاستعمار تتعثر بين أنظمة استبدادية وحكومات ديمقراطية عاجزة
فأغلب القادة الأفارقة الذين تسلّموا الحكم عقب الاستقلال لم تكن لديهم معرفة ببنية الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري الذي ورثوه، ولا بإخفاقه البنيوي في توليد نمو ديناميكي وتوسّعي. صحيح أنّ نشوة الحرية أسكرت الجماهير، ورفعت سقف التطلعات، غير أنّ القيادة لم تستوعب أن التحرر السياسي يتطلب بالضرورة إعادة هيكلة نوعية للنظام الاقتصادي الموروث، بحيث يفتح آفاقًا أوسع أمام المجتمعات لاقتلاع الفقر وبناء مسارات تراكم إنتاجي مستدام.
بدلاً من ذلك، اكتفى القادة الأفارقة بتوسيع بعض جوانب النظام القائم بشكل آلي، حيثما كان ذلك ممكنًا - كما في قطاع التعليم أو في توسيع إنتاج المواد الخام المخصّصة للتصدير - دون أن يُقدِموا على خطواتٍ تتجاوز هذه الحدود.
وقد ظهرت محاولات رائدة لدى بعض قادة حركات التحرر، مثل: كوامي نكروما وجوليوس نيريري، حيث طرحا رؤى بديلة ذات نزعة تقدمية، تسعى إلى تجاوز الإرث الاستعماري وإرساء أسس تنمية مستقلة. غير أنّ تجربة نكروما أُجهِضت قبل أن تكتمل، في حين استمر نيريري في حكم تنزانيا نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، لكن مشروعه لتأسيس «اشتراكية أفريقية» تعثّر على المستوى الاقتصادي، ولم يحقق التحوّل النوعي المنشود.
وعلى الضفة الأخرى، اتجهت نخب ما بعد الاستقلال في عدد من البلدان إلى تكريس نظام «نيوكولونيالي» لم يتجاوز حدود التكيّف السطحي مع البنية الاستعمارية الموروثة. ففي كينيا، تحوّل جومو كينياتا، المؤسس الأول للدولة، مع دائرته المقربة إلى محور السلطة السياسية والاقتصادية، ما أفضى إلى تشكّل مجتمع يكرّس اللامساواة، ويعيد إنتاج العصبوية القبلية كآلية للهيمنة وإدامة النفوذ. أما في أوغندا، فمهما كانت إخفاقات ميلتون أوبوتي بعد الاستقلال، فإنّ حقبة عيدي أمين مثّلت ذروة الانحدار؛ إذ حوّل بلدًا ثريًا بموارده وتنوّعه البيئي إلى فضاء خانق تحكمه الفوضى السياسية والاجتماعية.
وعلى امتداد القارة جنوبًا ووسطًا وغربًا وشمالًا، لم يشهد الاقتصاد تحولاتٍ تذكر. حتى الدول الغنية بالموارد الطبيعية، مثل: نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان والجزائر، عجزت عن توظيف هذه الثروات للانتقال من اقتصادات قائمة على تصدير المواد الخام إلى اقتصادات صناعية قادرة على تحقيق قيمة مضافة.
أما العائق الأشد فتكًا فكان ذهنية «الرجل الكبير» (Big Man) التي تبنّاها كثير من القادة السياسيين، حيث تحوّلوا من محررين وطنيين إلى مستبدين ومزوّرين للانتخابات، متجاوزين حكم القانون. وقد فتح هذا الانزلاق الباب واسعًا أمام موجة من الانقلابات العسكرية، ساهمت في تدبير بعضها قوى خارجية حرصت على استمرار ارتباط أفريقيا بعلاقاتها الاستعمارية السابقة، كما حدث في زائير وغانا وجمهورية أفريقيا الوسطى وغيرها.
وقد أدى تلاقي إرادة القوى الاستعمارية القديمة في إبقاء قبضتها على موارد القارة مع صعود الموجة السلطوية الأولى إلى تعميق الشروخ الطائفية والسياسية داخل المجتمعات. وفي حالات كثيرة، أُعيد إنتاج الاستبداد والعصبوية القبلية بوصفهما استراتيجيتين لضمان البقاء في السلطة، وإجهاض إمكان ترسيخ المشروع الوطني المدني الذي بشّرت به حقبة التحرير.
لم تتمكن أيّ من الصيغتين، الاستبدادية أو الديمقراطية، من إحداث اختراق اقتصادي واسع يغيّر أوضاع الأغلبية، أو يمنح القارة موقعًا يحظى بالاحترام بدلًا من الرثاء
بحلول أواخر الثمانينيات، دفعت قبضة الحكم الاستبدادي، مقرونةً بالانقسامات السياسية وضعف النمو الاقتصادي وغياب أي تحوّل نوعي، معظم الأنظمة الأفريقية إلى الاستنجاد بمؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. غير أنّ هذه المؤسسات فرضت برامج «التكييف الهيكلي» النيوليبرالية، التي لم تؤدِّ إلى تحسين حظوظ القارة بل عمّقت التفاوتات الاجتماعية وفاقمت مظالمها الاقتصادية.
وبفعل اجتماع السخط الشعبي الواسع مع الضغوط الغربية، اضطر عدد من الدكتاتوريين إلى قبول الانفتاح السياسي عبر الانتخابات، في تسعينيات القرن الماضي. غير أنّ هذه الانتخابات، حتى حين شهدت تداولا للسلطة، لم تفضِ إلى تحولات اقتصادية جوهرية. وتشهد على ذلك حالات متعددة، مثل: ساحل العاج وكينيا وزامبيا وملاوي ونيجيريا وغانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتونس والسنغال وليبيريا وسيراليون. وبعد ما يقارب ربع قرن من اعتماد السياسة الانتخابية، لم تتمكن الديمقراطيات - ولا ما تبقى من أنظمة سلطوية - من إحداث أثر ملموس في بنية الفقر التي تثقل كاهل أفريقيا.
يُشير عالم الاجتماع الأمريكي البارز بارينغتون مور الابن، في مقدمة كتابه المرجعي "الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية" (Social Origins of Dictatorship and Democracy)، إلى أنّ «الدافع البرجوازي» كان العامل الحاسم الذي مكّن بريطانيا من العبور من الإقطاع إلى الرأسمالية الديمقراطية. وفي السياق ذاته، تبرز الباحثة السياسية الأسترالية إليزابيث ثيربون، في كتابها "العقلية التنموية" (Developmental Mindset)، مثال كوريا الجنوبية، حيث أظهر قادتها التزامًا واضحًا وعميقًا بالدور الاستراتيجي للدولة في الاقتصاد، وهو التزام مكّن البلاد من اجتياز تحديات النيوليبرالية إبان الأزمة المالية الآسيوية أواخر التسعينيات دون انهيار.
العائق الأشد فتكًا فكان ذهنية «الرجل الكبير» (Big Man) التي تبنّاها كثير من القادة السياسيين، حيث تحوّلوا من محررين وطنيين إلى مستبدين ومزوّرين للانتخابات، متجاوزين حكم القانون
ما يبدو غائبًا عن قادة أفريقيا - سواء أولئك الذين حكموا بقبضة استبدادية أو الذين وصلوا عبر صناديق الاقتراع في مرحلة ما بعد الاستعمار - هو ذلك «الدافع» وتلك «العقلية التنموية» التي غذّت التحولات التاريخية الكبرى في مناطق أخرى من العالم. فقد اعتلى كثيرٌ من القادة الأفارقة الحكم بعد التحرر دون إدراك حقيقي للدور التاريخي للدولة، بوصفها رافعةً للتحوّل الاقتصادي. أما الجيل الثاني - الذي تَمثّل في الغالب في قادة عسكريين - فكان أبعد عن فهم ديناميات التنمية. في حين نشأ الجيل الثالث في كنف النيوليبرالية، حيث اختزل الدولة في صورة «حارس ليلي» أو «ملاذ ريعي» لنخبة طفيلية، بدلًا من اعتبارها موجّهًا استراتيجيًا لمسار التحديث والتنمية.
إنّ مستقبل أفريقيا يتطلب نشوء طبقة جديدة من القادة في القطاعين العام والخاص، قادة يمتلكون «الدافع» و«العقلية التنموية» في آنٍ معًا، قبل أن تجد القارة نفسها وقد أُحكِم عليها في مأزق تاريخي مغلق، يُقصيها نهائيًا إلى هامش مسدود في مسار الحضارة الإنسانية.