تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

لعبة "الحبلين" في باماكو: هل تنجح مالي في الموازنة بين الدعم الروسي والانفتاح الأمريكي؟

4 مارس, 2026
الصورة
نهاية زمن "الحليف المدلل".. أمريكا تكسر عظم المؤسسة العسكرية الرواندية
وزير الدفاع المالي ساديو كامارا ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية المالي عبد الله ديوب خلال اجتماع في موسكو، 28 فبراير/شباط 2024. (تصوير: MAXIM SHIPENKOV / Pool via REUTERS)
Share

أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، قراراً مفاجئاً يقضي برفع العقوبات الاقتصادية والقيود القانونية عن عدد من كبار القادة العسكريين في المجلس الانتقالي الحاكم في مالي، وعلى رأسهم وزير الدفاع القوي العقيد ساديو كامارا. شمل القرار أيضاً ضباطاً بارزين مثل العقيد ألي باري، واللواء إسماعيل واغي، بعد أن كانوا قد أُدرجوا سابقاً على القائمة السوداء بتهم تسهيل توسع "مجموعة فاغنر" الروسية في منطقة الساحل الأفريقي. ويأتي هذا التحول لينهي فترة من العزلة المالية لهؤلاء القادة، حيث كانت واشنطن تتهمهم مباشرة بتمكين الأنشطة العسكرية الروسية والمساهمة في زعزعة استقرار جمهورية مالي وجيرانها.

ورغم أن إشعار وزارة الخزانة لم يقدم مبررات تفصيلية ومعلنة لهذا التراجع، إلا أن البعض يربط الخطوة بالتغييرات الجذرية التي طرأت على هيكلية النفوذ الروسي في أفريقيا عقب مقتل مؤسس فاغنر، يفغيني بريغوجين، في عام 2023. فقد تحولت الأنشطة الأمنية الروسية من مظلة "المرتزقة" الخاصة إلى إطار رسمي تحت مسمى "فيلق أفريقيا" التابع لوزارة الدفاع الروسية مباشرة. ويبدو أن واشنطن رأت في هذا التحول مبرراً قانونياً لمراجعة تصنيف المسؤولين الماليين، معتبرة أن طبيعة الارتباط قد تغيرت من دعم منظمة "إجرامية عابرة للحدود" (كما كانت تصنف فاغنر) إلى تعامل دولة مع دولة، مما يفتح باباً للمناورة الدبلوماسية.

على الصعيد الجيوسياسي، تُقرأ هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى استعادة موطئ قدم في منطقة الساحل الأفريقي التي تشهد تنافساً محمومًا بين القوى العظمى. فبعد انسحاب القوات الفرنسية وتراجع النفوذ الأوروبي، وجدت واشنطن نفسها أمام خطر خسارة نفوذها بالكامل في مالي والنيجر وبوركينا فاسو لصالح روسيا والصين. لذا، يمثل رفع العقوبات "غصن زيتون" سياسي يهدف إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع قادة باماكو، ومحاولة تحجيم الانفراد الروسي بالملف الأمني في مالي عبر تقديم بدائل أو تخفيف الضغوط التي تدفع المجلس الانتقالي نحو الارتماء الكامل في أحضان موسكو.

داخلياً في مالي، استُقبل القرار بنوع من الترحيب الحذر، حيث اعتبرته الأوساط المقربة من السلطة اعترافاً بـ "سيادة القرار المالي" وفشلاً لسياسة الضغوط القصوى التي انتهجتها الإدارة الأمريكية سابقاً. ومن المتوقع أن يؤدي رفع القيود المالية عن وزير الدفاع وكبار مساعديه إلى تسهيل بعض المعاملات اللوجستية والعسكرية التي كانت متعثرة بسبب الحظر البنكي الدولي المرتبط بالدولار. ومع ذلك، لا تزال العلاقات بين باماكو وواشنطن تشوبها حالة من عدم اليقين، خاصة مع استمرار مطالبة المجتمع الدولي بالعودة إلى المسار الديمقراطي وإجراء الانتخابات التي طال انتظارها.

يمثل هذا التطور نقطة تحول جوهرية في ملف العقوبات الأمريكية تجاه القارة السمراء، حيث يعكس "واقعية سياسية" تتجاوز ملف حقوق الإنسان أو الارتباط بروسيا مقابل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية العليا. وتظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كان هذا الانفتاح الأمريكي سيقابله تراجع مالي عن التحالف الوثيق مع "فيلق أفريقيا" الروسي، أم أن باماكو ستنجح في سياسة "اللعب على الحبلين" لتحقيق مكاسب من القطبين الدوليين في آن واحد، وهو ما ستكشفه طبيعة التحركات الميدانية والتنسيق الأمني في منطقة الساحل خلال الأشهر القادمة.