السبت 18 أبريل 2026
ما تزال الحرب في السودان مستمرة دون أن تلوح في الأفق أيةُ بوادرَ لانحسارها، حيث لم تُبدِ أيٌّ من القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع استعدادًا جديًّا لوقف القتال. فمنذ اندلاع النزاع في أبريل/نيسان 2023، يشهد السودان موجة عنف غير مسبوقة أدّت إلى أزمات إنسانية متفاقمة، أبرزها أزمة اللجوء.
دفعت هذه الحربُ الملايينَ إلى الفرار من مناطق الصراع، باحثين عن الأمان في الدول المجاورة. وتصدّرت مصر قائمةَ الدول المستقبِلة للاجئين السودانيين، نظرًا لموقعها الجغرافي القريب من السودان، إضافةً إلى الروابط العميقة التي تجمع بين الشعبين. فقد كانت مصر، على مدى عقود، ملاذًا آمنًا وموطنًا لملايين السودانيين، ما جعلها وجهةً طبيعيةً للنازحين في هذه المحنة.
أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، في 13 مايو/أيار 2025، عن خفض واسع النطاق في برامج المساعدات النقدية المخصصة للاجئين السودانيين، على خلفية عجز تمويلي حاد يعكس التراجع المستمر في الالتزامات الدولية تجاه الاستجابة الإنسانية. وبحسب أرقام المفوضية، لم يُموَّل سوى 26٪ من ميزانيتها السنوية البالغة 137.7 مليون دولار، ما أجبرها على تعليق قطاعات رئيسية من عملياتها، وعلى رأسها الخدمات الطبية التي كانت تمثل شريان حياة لأكثر من 20 ألف لاجئ، بمن فيهم أصحاب الحالات الحرجة. هذا التراجع ترافق مع تقليص بنسبة 80٪ في الخدمات الصحية المتاحة، ما يدل على تفاقم وشيك في المؤشرات الإنسانية وسط هشاشة متزايدة.
يأتي هذا القرار الأممي في لحظة بالغة الحساسية، إذ يتزامن تقليص الدعم مع تصاعد حاد في تكاليف المعيشة في مصر، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الأساسية للاجئين. استقبلت مصر منذ اندلاع الحرب، في نيسان/أبريل 2023، أكثر من 1.5 مليون لاجئ، من بين نحو 4 ملايين فرّوا من السودان، ضمن موجة نزوح تُعد الأكبر عالميًا، بلغ مجموعها 14.3 مليون نازح ولاجئ سوداني. يشكّل السودانيون اليوم الكتلة الأكبر من اللاجئين في مصر، ما يضيف تحديات متشابكة أمام الدولة والمجتمع الدولي على السواء.
قالت الناشطة السودانية المقيمة في القاهرة، إقبال أحمد، إن معاناة اللاجئين في الحصول على العلاج لم تبدأ مع القرار الأخير الصادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بل تفاقمت بسببه. فحتى قبل تقليص المساعدات، لم يكن الدعم الشهري يتجاوز 900 جنيه مصري - أي أقل من 20 دولاراً - وهو مبلغ لا يمكن أن يواجه وتيرة التضخم المتسارع في السوق المصرية.
زادت حدة الأزمة بسبب فشل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عام 2024، في تأمين أكثر من نصف التمويل المطلوب، حيث لم تحصل سوى على أقل من 50٪ من ميزانيتها المقدرة بنحو 135 مليار دولار. انعكس هذا العجز بشكل مباشر على قدرة اللاجئين في مصر على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية. ومع انسداد أبواب المستشفيات الخاصة نتيجة ارتفاع تكاليف العلاج، تحولت منظمات الإغاثة، مثل "كاريتاس"، إلى ملاذ أخير، لكنها بدورها تواجه ضغوطاً تمويلية خانقة، حدّت من قدرتها على الاستجابة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات.
يأتي هذا القرار الأممي في لحظة بالغة الحساسية، إذ يتزامن تقليص الدعم مع تصاعد حاد في تكاليف المعيشة في مصر، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الأساسية للاجئين
كما توضح إقبال أحمد أن هذه الظروف الصحية المتدهورة تأتي في وقت اختار فيه كثير من السودانيين اللجوء إلى مصر لأسباب طبية بالأساس، بالنظر إلى أن النظام الصحي المصري لا يزال أكثر تقدماً من نظيريه في تشاد وأوغندا وجنوب السودان. وتلفت إلى أن هذا الدافع الطبي ازداد إلحاحاً بعد الدمار شبه الكامل الذي لحق بالبنية التحتية الصحية في السودان، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 75٪ من المستشفيات قد خرجت عن الخدمة بسبب الحرب، ما جعل من الرعاية الصحية في مصر أملاً أخيراً للكثيرين.
لم يقتصر أثر خفض المساعدات على اللاجئين السودانيين في مصر فحسب، بل إن تجميد المساعدات الأمريكية ساهم في تفاقم الأزمة الإقليمية، حيث أُغلق نحو 80٪ من مطابخ الأغذية الطارئة التي أُنشئت لمساعدة المتضررين من الحرب في السودان، ما حرم أكثر من مليوني شخص من مصدرهم الأساسي للغذاء. وفي ظل غياب أي أفق لوقف إطلاق النار وتدهور حالة الأمن الغذائي داخل السودان، بات غلق هذه المطابخ عاملًا دافعًا جديدًا لزيادة حركة النزوح، ولا سيما باتجاه مصر، التي تواجه أصلاً ضغوطاً متصاعدة في ملف اللجوء.
اتخذت الحكومة المصرية، في المراحل الأولى من اندلاع الحرب السودانية، موقفًا إنسانيًا منفتحًا تمثّل في السماح بدخول السودانيين إلى أراضيها دون الحاجة إلى تأشيرة، مع استثناء الرجال في سنّ العمل. وقد عُدّت هذه الخطوة استجابة عاجلة لتوفير ملاذ آمن للفارين من تصاعد العنف وانهيار الدولة السودانية. إلا أنّ هذا الانفتاح لم يدم طويلًا؛ إذ بدأ يتراجع تدريجيًا مع تزايد أعداد الوافدين، في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متنامية دفعت القاهرة إلى إعادة النظر في سياستها تجاه ملف اللجوء.
تشير المعطيات إلى تنامي ما يُعرف بظاهرة الهجرة الثانوية أو الهروب من اللجوء، التي باتت تثير قلقًا متصاعدًا في الأوساط الأوروبية
أبرز مظاهر هذا التحول، تعليق اتفاقية الحريات الأربع الموقعة عام 2004، والتي كانت تضمن للسودانيين حرية التنقل والإقامة والعمل والتملّك داخل مصر. كما أُعيد فرض شرط الحصول على تأشيرة مسبقة، إلى جانب اشتراط إيداع مالي قدره 1000 دولار لتجديد الإقامة، وهو مبلغ يتعذر على غالبية اللاجئين السودانيين توفيره، نظرًا للأوضاع الكارثية التي يعيشونها نتيجة النزوح القسري والانهيار الاقتصادي في بلادهم.
في محاولة لتسوية أوضاعهم القانونية، لجأ عدد كبير من اللاجئين إلى التسجيل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن العملية اصطدمت بعقبات بيروقراطية، تمثلت في بطء الإجراءات ونقص الموارد، ما أدى إلى تسجيل نحو 670 ألف لاجئ فقط حتى منتصف عام 2025، من أصل ما يُقدَّر بـ1.5 مليون لاجئ سوداني يتواجدون فعليًا داخل مصر. هذا الخلل في آليات التسجيل ترك أعدادًا ضخمة من اللاجئين في وضع قانوني هش، معرضين لخطر الاعتقال أو الترحيل.
أُعيد فرض شرط الحصول على تأشيرة مسبقة، إلى جانب اشتراط إيداع مالي قدره 1000 دولار لتجديد الإقامة، وهو مبلغ يتعذر على غالبية اللاجئين السودانيين توفيره، نظرًا للأوضاع الكارثية التي يعيشونها نتيجة النزوح القسري والانهيار الاقتصادي في بلادهم
في المقابل، وفي محاولة لاستيعاب الضغوط وتنظيم الوجود المتنامي للاجئين، أعلنت الحكومة المصرية، بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في 11 أبريل/نيسان 2025، عن رفع الطاقة الاستيعابية اليومية لتسجيل طلبات اللجوء من 600 إلى 1000 طلب. هذه الخطوة وُصفت بأنها تحول إيجابي في إدارة الدولة لملف اللجوء، إذ تمنح، نظريًا، فرصة أوسع أمام اللاجئين لتقنين أوضاعهم والحصول على إقامة مؤقتة تضمن لهم مستوى من الحماية القانونية.
في تعليقها على القرار، اعتبرت مارتي روميرو، نائبة ممثل المفوضية لشؤون الحماية في مصر، أن هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في طريقة تعاطي الدولة مع ملف اللجوء، مشيدة بجهود تمديد صلاحية الإقامات المرتبطة بوضع اللجوء، بوصفها مساهمة ملموسة في تحسين حياة اللاجئين السودانيين، وتوفير قدر من الاستقرار في بيئة تعاني من هشاشة متزايدة.
عبّرت منظمات حقوقية، وفي مقدمتها "هيومن رايتس ووتش"، عن قلقها إزاء ما وصفته بـتسييس ملف اللجوء وتضييق مسارات الحماية. وتزايدت هذه المخاوف بعد صدور قانون اللجوء الجديد في ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي نصّ على نقل صلاحية تسجيل اللاجئين والبت في طلباتهم من المفوضية السامية إلى السلطات الحكومية المصرية. هذا التغيير أثار تحفظات عديدة، وسط تحذيرات من تقويض المعايير الدولية لحماية اللاجئين، وتحويل الملف إلى أداة سياسية.
منذ دخول القانون حيز التنفيذ، لوحظت زيادة في عمليات ترحيل السودانيين المقيمين بطرق غير نظامية، في ظل غياب الشفافية الرسمية بشأن الأعداد. وقد أفاد تقرير لوكالة رويترز بأن نحو 21 ألف مهاجر سوداني أُعيدوا قسرًا إلى السودان خلال الأشهر الماضية، إما بسبب انتهاك شروط الإقامة أو بدعوى مخالفة القوانين المحلية.
لا يمكن فصل التراجع في المساعدات الإنسانية المقدّمة للاجئين السودانيين في مصر عن التحولات الجيوسياسية المرتبطة بممرات الهجرة في شمال أفريقيا. أعاد هذا المسار رسم أولويات الأمن والهجرة في المنطقة، وزاد من هشاشة أوضاع دول العبور، لا سيّما مع تصاعد الضغوط الأوروبية. ففي مارس/آذار 2024، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع القاهرة بقيمة 7.4 مليار دولار، خُصّص منها 200 مليون يورو لتعزيز قدرات إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية. ورغم تقديم هذا التوجه في إطار تنموي، إلا أنه يعكس عمليًا سعي أوروبا إلى تقويض موجات الهجرة قبل بلوغها المتوسط.
تشير المعطيات إلى تنامي ما يُعرف بظاهرة الهجرة الثانوية أو الهروب من اللجوء، التي باتت تثير قلقًا متصاعدًا في الأوساط الأوروبية. ففي مايو/أيار2025 وحده، غادر نحو ألف لاجئ سوداني الأراضي المصرية باتجاه ليبيا، بينما ارتفعت نسبة المهاجرين السودانيين غير النظاميين إلى أوروبا بنسبة 134٪ خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ويقدّر عدد من عبروا من مصر إلى ليبيا منذ اندلاع النزاع بأكثر من 20 ألف لاجئ، معظمهم عبر شبكات تهريب غير نظامية.
في سياق موازٍ، شهد أبريل/نيسان 2025 زيادة بنسبة 44٪ في عدد اللاجئين السودانيين العائدين من مصر إلى السودان، حيث ارتفع العدد من 115 ألفًا إلى 165 ألف شخص. وتُظهر التقديرات أن أكثر من 122 ألف لاجئ عادوا منذ بداية العام، مدفوعين بعوامل مركبة، من بينها تقدّم الجيش السوداني ميدانيًا، إلى جانب تفاقم الضغوط الاقتصادية داخل مصر.
رغم أن مصر ظلّت لسنوات وجهة مفضلة ومأمونة للسودانيين الفارين من ويلات الحرب، فإن الواقع اليوم بات أكثر قسوة وتعقيدًا. فالأوضاع المعيشية في مصر ليست أفضل حالًا، في ظل ما تشهده البلاد من تضخم مرتفع، وتزايد معدلات البطالة. هذه العوامل دفعت أعدادًا كبيرة من اللاجئين السودانيين إلى الهامش، لا سيّما أولئك غير المسجلين لدى المفوضية، الذين لا يحصلون على أي نوع من الدعم أو الحماية. ومع انحسار الموارد، وتراجع الاهتمام الدولي، تتفاقم معاناة اللاجئين يومًا بعد يوم، في مشهد يختزل هشاشة السياسات الإنسانية أمام صلابة الواقع السياسي والاقتصادي.